في كثير من الأحيان، يُنظر إلى جدران المنزل العائلي على أنها الحصن الأخير للأمان، غير أن تفاصيل قضية ثقيلة نظرت فيها محكمة الاستئناف بمدينة طنجة، كشفت عن واقع مغاير ومؤلم، حيث يتحول هذا الفضاء نفسه إلى مسرح لانتهاكات متكررة وصامتة. مساء الثلاثاء، 17 مارس، أسدلت الغرفة الجنائية بالمحكمة ذاتها الستار على واحدة من أشد القضايا تعقيداً، مصدرة حكماً بالسجن لمدة سبع سنوات نافذة في حق شاب أُدين بالاعتداء على شقيقته القاصر، في نهاية قضائية حاسمة لملف تداخلت فيه بشاعة الوقائع مع تعقيدات الروابط الدموية. لم تكن بداية هذا الملف توحي بحجم المأساة التي ستتكشف لاحقا. فقد انطلقت القضية في مهدها وكأنها مجرد شكاية عائلية عابرة، من تلك التي غالبا ما تسعى الأسر إلى تطويقها وحلها في الظل بعيداً عن أعين القضاء والمجتمع. إلا أن مجريات البحث الميداني والتحقيقات الدقيقة قادت إلى منعرج حاسم قلب مسار الملف بالكامل؛ فقد كشفت المعطيات الطبية المدرجة بشكل رسمي ضمن وثائق القضية أن الفتاة القاصر حامل، وقد بلغت شهرها الخامس. هذا التطور الطبي الحاسم لم يترك أي مجال للشك أو التستر، بل منح القضية بعداً جنائياً بالغ الحساسية، مخرجاً إياها بشكل نهائي من دائرة "النزاعات العائلية" المحدودة إلى واجهة الجرائم الكبرى التي تستوجب تدخلاً صارماً من مؤسسات الدولة. حين انكشف المستور وأمام ثقل هذه الحقائق، اتخذت النيابة العامة موقفا حازما، متمسكة بتكييف الوقائع المعروضة أمامها ليس كحادث عرضي، بل باعتبارها "اعتداءات جنسية متكررة في حق قاصر". هذا التكييف القانوني استند إلى إفادات الضحية نفسها، التي كسرت حاجز الصمت لتؤكد أن ما تعرضت له لم يكن واقعة معزولة. وفي واحدة من أكثر التفاصيل قتامة التي راجت في الملف، أوضحت الفتاة أن إحدى وقائع الاعتداء حدثت ليلاً بينما كانت نائمة، ما يبرز حالة الاستضعاف التام وانعدام القدرة على المقاومة داخل غرفتها الخاصة. وما زاد من ثبات هذه الرواية، هو أن تصريحات المتهم ذاته خلال مجريات البحث التمهيدي جاءت لتعزز خلاصات الاتهام، مؤكدة تكرار الأفعال المنسوبة إليه داخل منزل الأسرة. غير أن التحدي الأكبر في هذه المحاكمة لم يقتصر على إثبات التهمة، بل برز بشكل صارخ في المواجهة المباشرة بين سلطة القانون والأعراف العائلية. ففي محاولة تعكس رغبة يائسة في الحفاظ على صورة الأسرة وإنقاذ الجاني من السجن، شهدت المناقشات تدخلاً مباشراً من والدي الضحية والمتهم معاً. وحاول الوالدان الدفع بتنازل رسمي عن حق ابنتهما القاصر لفائدة شقيقها، متذرعين ب"وضعيته داخل الأسرة"، في مسعى لتغليب وضعية الابن الذكر على حساب المأساة الجسدية والنفسية للطفلة الضحية. القانون فوق العائلة واصطدمت هذه المحاولة لطي الملف بجدار قانوني صلب تمثل في تدخل الوكيل العام للملك. فقد رفض ممثل الحق العام هذا التوجه العائلي رفضاً قاطعاً، مقدماً مرافعة تؤسس لمبدأ قانوني وحقوقي راسخ. وشدد الوكيل العام على أن حقوق الأطفال القاصرين في قضايا الاعتداء الجنسي هي حقوق غير قابلة للتصرف، ولا يملك أولياء الأمور أي سلطة قانونية أو أخلاقية للتنازل عنها، خصوصاً عندما يكون هذا التنازل موجهاً لحماية المعتدي داخل الأسرة نفسها. وأكدت النيابة العامة أن دور القضاء يتجاوز الرغبات العائلية، مشددة على ضرورة ترتيب الأثر القانوني الكامل والصارم على الأفعال المرتكبة. هكذا، وبصدور الحكم القاضي بسبع سنوات من السجن النافذ، تكون محكمة الاستئناف بطنجة قد أعلنت فشل كل المحاولات الرامية إلى إبقاء القضية حبيسة الجدران العائلية. وأعاد القرار النهائي ترتيب وقائع هذا الملف الثقيل، موجهاً رسالة واضحة بأن سلطة القانون تقف فوق كل الاعتبارات الأسرية عندما يتعلق الأمر بحماية القاصرين، ومنهياً مأساة عائلية اختبرت حدود العدالة في مواجهة صمت البيوت الموصدة.