أشياء كثيرة و جميلة تحققت بمجرد فوز فريق أتليتيكو تطوان بأول بطولة احترافية لكرة القدم المغربية، وأشياء أخري ليست بالجميلة على الإطلاق، و إن كانت بادية للعيان من زمان، إلا أن المناسبة سلطت عليها الضوء بقوة، و جعلتها عناوين لأبرز محاور النقاشات، التي فتحت على مستويات مختلفة، في الشوارع و المقاهي، كما في البيوت و الإدارات. ومابين الأولى و الثانية كان الحزن الشديد، و امتزج الفرح بحرقة الفراق، و اقترنت الاحتفالات بالنصر بموكب جنائزي، لم يَقِل في حجمه ذلك الذي كان في استقبال أبطال تطوان، إن يكن قد فاقه في العدد و الأهمية، لِما كان له من وقع مؤثر على كل ساكنة الحمامة البيضاء، التي فقدت في يوم عرسها التاريخي ثلاثة من أبنائها، كانوا قد سعوا في سبيل حمل فرحة كانت حلماً مرتقباً، لولا خيانة الأقدار، و استعجال الأعمار، و حلول أجل كان محتوماً. رحمة الله على الجميع. أشياء لم تكن لتتحقق لولا التألق المستحق للنادي التطواني، و الذي صار نادي الجهة ككل - بعد الحب الكبير الذي ناله - أي جهة طنجة - تطوان بكل مدنها، هذا ما ردده بعض المستشارين أعضاء الجهة خلال أشغال الدورة التي انعقدت الخميس الماضي، و هذه أولى المكاسب التي حققها فوز الأتليتيكو التطواني بالبطولة، و كم هو جميل أن تجد فريقا يتعدى عشقه حدود مدينته، ليس بمفهوم فريق الأمة كما يُرَوَّجُ لبعض الأندية، و لكن فريق المنطقة، فالأمة دائما ما يكون قلبها معلقا بمن يمثلها إقليميا، و قاريا، و دوليا، و التمثيلية تتغير حسب الفوز بالبطولة و الكأس، و بذلك يكون فريق الأمة هو من يمثل البلد في مناسبات مختلفة، فلا طالما كان الرجاء فريق الأمة، كما كان الجيش الملكي، و الوداد البيضاوي، و المغرب الفاسي، و غيرها من الفرق التي شدت أنظارنا تجاه الملاعب التي نازلت فيها خصومها، ووحدتنا في تشجيعها و الهتاف لها، و الدعاء. منافسة المغرب التطواني على لقب البطولة وحدت أيضاً كل جماهير المنطقة، و أذابت ذلك الجليد الخفي الذي أحدثه الانقسام في حب الفريقين الإسبانيين " البارصا " و " المدريد "، هذا الانتساب الذي كانت له مخلفات عديدة، توزعت بين المشاحنات، و المشادات الكلامية، التي أوصلت أصحابها في كثير من الأحيان إلى ما لا تحمد عقباه، أُرْكِنَتْ كلها في جانب معزول، و حمل الجميع قميص الفريق المحلى، و هتف الكل بحب الأتليتيكو، فكان الفوز الذي لم يترك لأحد فرصة للحديث عن " الميرينكي" و لا عن " البلوغرانا " و غابت تلك المواضيع المتكررة، من قبيل تعاقدات هذا الفريق، و التصريحات النارية لمدرب الفريق الآخر...التي كانت تطبع جلسات المهتمين بكرة القدم في المنطقة، و هذا أيضا مكسب كبير. لكن هذا الحدث و إن كان جميلا و مفرحا، إلا أنه فتح النقاش مجددا في مواضيع، لم تكن غائبة، بقدر ما كان تجنب الخوض فيها أريح، و هي التي تتعلق بإمكانية مواصلة هذا التألق في ظل ضعف الإمكانيات المتوفرة، التي لا يختلف إثنان في كونها لا تتلائم و المشروع المسطر من طرف القائمين على النادي، والمتوخى منه الحفاظ على المكتسبات التي حققها الفريق، و على رأسها الملعب الذي لايشرف الفريق، و لا المدينة، و لا حتى البلد، خصوصا و أن المغرب التطواني و بصفته بطلا للدوري، صار مؤهلا للمنافسة على كأس عصبة أبطال إفريقيا، و هذا ما سيجعله محط متابعة قارية و دولية، و قبلة لفرق عريقة، و ذات اهتمام إعلامي دولي. و بذلك يكون ملعب سانية الرمل معقله الأساسي و الوحيد، و إن كان قد احتضن أطوار المنافسة على اللقب، و للتطوانيين فيه ذكريات جميلة، إلا أنه صار أقل حجما مما ينبغي أن يكون عليه ملعب مدينة حققت حلم الشمال بأكمله، و أدخلته التاريخ من باب البطولة الاحترافية، كما أن الإشكال الذي يطرح عشب الملعب الذي لا يتوافق مع العشب الذي تطالب به الفيفا، ربما يؤدي إلى حرمان الفريق من المنافسات على الكأس العصبة الإفريقية، الأمر الذي فرض طغيان الموضوع على أشغال دورة شهر ماي لمجلس الجهة ، الذي صادق فيها المتدخلون على الزيادة في الدعم المخصص للفريق، قصد تمكينه من تغيير عشب الملعب، و استوفاء الشروط التي تفرضها الجامعة الدولية لكرة القدم، حتى يتسنى له المشاركة في دوري عصبة الأبطال الإفريقية الموسم المقبل، و هو الأمر الذي دفع أيضا الجماهير التي تجمعت أمام قصر البلدية يوم حفل الاستقبال، إلى المطالبة بملعب كبير، يليق و المستوى الذي وصله الفريق المحلي، حيث رُدِّدَ شعار" الشعب يريد ملعب جديد" و قد شوهد رئيس الجماعة الحضرية لتطوان و هو يحرك يديه مطالبا برفع الأصوات، و الاستمرار في المطالبة، خصوصا و أن كاميرا تلفزية كانت حاضرة لتغطية الحدث. طبعا لم تكن الكاميرا تابعة للقناة الثانية، و هذه أيضا من الأشياء التي تحز في النفس، و جعلت الجمهور التطواني يتساءل عن سبب هذه اللامبالاة التي يعتمدها الإعلام العمومي في حق فريقهم و انجازه التاريخي، الأمر الذي دفعهم إلى التظاهر و على مدى يومين، ضد سياسات الإقصاء والعنصرية السائدة في وسائل الإعلام المغربية اتجاه كل ما هو شمالي - حسب تعبير المحتجين - ، الذين هتفوا مطالبين برحيل مديرة الأخبار "سميرة سيطايل"، بعدما اتهموها ب"الإقصاء المتعمد" لحق التطوانيين في الإعلام العمومي، في الوقت الذي حظي فيه الحدث باهتمام كبير من طرف وسائل إعلام أجنبية عديدة، و على رأسها الإسبانية. و فعلاً " جارك القريب ولو بإسبانيا، خير من أخيك البعيد و إن كان بالدار البيضاء"، المهم أن فوز الأتليتيكو بهذا اللقب، أفرز العديد من السلبيات التي تقف حجر عثرة أمام تطور اللعبة بالمنطقة، كما بالمناطق الأخرى، التي لا تشملها الخريطة الرياضية للمغرب. نتمنى من المسؤولين أن يرفعوا أكفهم بالدعاء لتصحيحها.