الصحافة هي المهنة التي تقوم على جمع وتحليل الأخبار والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور(1)، كما يصفها البعض بأنها صاحبة الجلالة والسلطة الرابعة باعتبارها أداة من أدوات تحقيق التنمية والديمقراطية في المجتمع إضافة إلى السلطات الثلاث التقليدية، التنفيذية، التشريعية والقضائية. من هذا التعريف البسيط نستنتج أن الصحافة تلعب دورا محوريا في حياة الدول والمجتمعات، بل من خلال تطور الصحافة ومهنيتها نأخذ فكرة عامة عن مجتمع ما، نعم الصحافة تتطلب مناخا صحيا حتى تنشأ فيه وتعطي ثمارها، لكن هذا لم يكن في يوم من الأيام حائلا في أن تقوم الصحافة بدورها على أكمل وجه في إيصال المعلومة وتنوير الرأي العام، ودائما في إطار التحلي بالمهنية في تحليل الأخبار ونشرها والتأكد من مصداقيتها، فقد مرت الصحافة من مراحل متعددة وطورت نفسها وكانت دائما تجدد نفسها سواء في الشكل أو في المضمون.
لكن، ومع الأحداث المتسارعة التي أصبح يعرفها العالم بصفة عامة والمنطقة العربية بصفة خاصة، تجدر دور الصحافة وأصبحت تلعب أدوارا غير التي كانت تلعبها من قبل، فإن كانت الجرائد الحزبية قد أنشأت لتكون عصا في يد الأحزاب تهش بها على من يخالفها الرأي، وهذا أمر سار به العمل في كل ربوع الدنيا، إلا أن الجديد هو ظهور جرائد كانت بالصبح القريب ترفع شعار الحياد وتدعي أنها لا تميل إلى أي جهة، لكن الخط التحريري الذي تتبناه يفضح هذه التقية التي تعتنقها، ويكفي لأي مطلع على الجرائد أن تصدم عيناه كثرة العناوين التي تنهل من مشكاة واحدة.
كنا ننتظر بعد الأحداث التي عرفها المغرب أن تتغير العقليات وتتوحد الرؤى لصالح هذا الوطن، فمهما كانت اختلافاتنا فما يوحدنا هو أننا في الأول و الأخير مغاربة. التدافع بين الأطراف المختلفة أمر محمود بل ومطلوب لما في ذلك مصلحة الوطن، لكن أن يتحول هذا الاختلاف إلى زرع بذور الفرقة وجلب سمعة سيئة للوطن فهو أمر مرفوض.
فليس هناك أي معنى بأن تنشر جريدة ما خبرا يتعلق بتعرض مواقع أثرية للتخريب وتستقي معلوماتها عن طريق مهاتفة شخص ما دون التأكد من إدعاءاته، خصوصا وأن التهمة ثقيلة جدا، فالمهنية تتطلب التأكد من الخبر إما بالمعاينة أو استقاء الخبر من مصادر موثوقة، وإلا سيصبح بإمكان أي صحفي أن يجلس في مكتبه وينتظر أن يتصل به أحدهم ليقول له أي خبر فيقوم بنشره دون تأكد ودون الاتصال بالأطراف المعنية بالخبر لتؤكد له أو تنفي الخبر.
لهذا يجب على الدولة أن تفتح تحقيقا مع مسرب هذا الخبر للتأكد من صحته، أو تتم متابعته طبقا للقانون، فإذا كان مسرب وثائق مزوار قد تمت متابعته بتهمة تسريب وثائق خاصة، فإن ذاك الناشط الحقوقي يجب أن يتابع هو الأخر بنشر خبر كاذب من شأنه تشويه صورة المغرب في الخارج، خصوصا ونحن في مرحلة نحاول فيها جاهدين تلميع صورة المغرب باعتباره بلدا آمنا لجلب الاستثمارات وتحقيق التنمية، وهذا ما يقوم به الملك من خلال زيارته لدول الخليج، فكيف لشخص أن يأتي ويصور المغرب كأفغانستان حيث تنسف التماثيل الأثرية، وإلا أن يتابع هؤلاء الذين حاولوا القيام بذلك العمل التخريبي الخطير، الذين قالت عنهم إحدى الجرائد بأنها قامت باستجواب سكان تلك المنطقة وتبت لها بأنهم قاموا أو حاولوا تخريب تلك الآثار القديمة.
فإذا كان الجميع ينتظر صدور قانون الصحافة الجديد، فإنه أصبح من الواجب أن تكون لدينا صحافة مواطنة، تعرف ما لها وما عليها، فليس هناك معنى لجريدة تصرخ كل صباح بأنها محايدة لكن ما ينشر على صفحاتها يقول أنها محايدة عن الحياد، فليس من المهنية في شيء أن يتحول شجار عادي يقع كل يوم في مختلف مناطق المغرب إلى مادة صحفية عنوانها شاب ملتح يضرب أحد السكان، ولا وجود للمهنية في نقل أطوار برنامج معين شاهده الملايين من المغاربة و يأتي صحفي ويبدأ في تحليل نفسية وزيرة قالت كلاما في سياق معين ليتم الركوب عليه ومحاولة جرنا إلى نقاش هامشي لا محل له من الإعراب في مغربنا الحديث، ولا وجود للحيادية في جريدة تقطر شمعها الأحمر وتشحذ افتتاحياتها وصفحاتها لمهاجمة طرف معين.
فإذا كان لدينا متطرفون فيجب احتوائهم وليس دفعهم إلى المزيد من التطرف، ثم إن المهنية الصحافية تتطلب أخد أراء باحثين حقيقيين وليس أراء باحثين عن الشهرة، وإلا ما معنى أن نأخذ رأي باحث في الجماعات الإسلامية مثلا ونحن نعرف مسبقا أن هذا (الباحث) يعادي هذه الجماعات ويختلف معها إيديولوجيا، هل سيكون رأيه محايدا؟
المواطن المغربي لم يعد كما كان، فرغم كثرة الجرائد فإنه أصبح يفرق مابين الغث والسمين، أصبح يفرق مابين الجرائد الجادة، والجرائد التي تدغدغ غرائزه سواء بمواضيع عن الجنس أو بصور لممثلات وعارضات أزياء عاريات، وأصبح يفرق أيضا بين الجرائد التي تحقق السبق الصحفي والجرائد التي تبني شهرتها على أسس أخبار كاذبة ومشكوك في مصادرها، بل وتعتمد على مراسلين يحترفون سرقة الأخبار من مواقع الكترونية معروفة.
التاريخ لا يرحم أحدا ولا يحابي أحدا، ففي الأخير لا يصح إلا الصحيح، فمن كان يرتكز على أسس متينة سيستمر، أما غير ذلك فإلى زوال، وهذه هي سنة الحياة.
إذن فلنقارن التعريف الذي سقناه في الأول للصحافة لنعرف هل ينطبق هذا التعريف على الصحف التي ذكرنا أم لا، ولكم واسع التعريف.