خارجية ألمانيا تدعو سفيرة المغرب لتقديم توضيحات بخصوص قطع التواصل مع سفارتها    مجلس النواب يصادق على مجموعة مشاريع القوانين    مندوبية التخطيط تكشف عن تأثير ضريبة القيمة المضافة على القطاع غير المهيكل    "البوليساريو" تصاب بخيبة أمل أمام محكمة العدل الأوروبية    إطلاق سراح مشروط لرئيس برشلونة السابق    ركلات الترجيح تؤهل "الماص" لربع نهائي الكأس    المغرب الفاسي يقصي نهضة بركان من كأس العرش بركلات الترجيح    ارتفاع نسبة حوادث السير داخل المناطق الحضرية خلال شهر فبراير    "استئنافية الحسيمة تخفف الحكم على ناشط في "حراك تماسينت    التوزيع الجغرافي حسب المدن والجهات: سوس ماسة تتراجع إلى المرتبة التاسعة وطنيا، و أزيد من ثلثي الحالات سجلت بجهة واحدة ..التفاصيل    مجلس جهة سوس ماسة يصادق على نقط جدول اعمال دورة مارس 2021    الدكتور نزار بركة رئيس مؤسسة علال الفاسي عضوا في مجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات    صحيفة إيطالية: المغرب يتفوق على أوروبا في تلقيح سكانه ضد كورونا    مئات الطلبة الجزائريين ينزلون للشارع للمطالبة برحيل النظام    بعد الاكتظاظ الكبير.. عودة النظام لمركز التلقيح بحي الألفة بعد تدخل السلطات    العجر التجاري للمغرب يتجاوز 11 مليار درهم مع متم يناير 2021    كاتبان مغربيان ضمن القائمة الطويلة لجائزة "البوكر" للرواية العربية    النواب يصادقون بالأغلبية على تعديل قانون التعيين في "المناصب العليا"    رسميا.. الموعد النهائي لمباراة الرجاء وبرشيد    صفر إصابة بفيروس كورونا بتطوان    إشادة بعملية التلقيح بالحي الحسني بالبيضاء.. وسيدة: الوالدة عمرها 93 سنة وجلبات ودبا تهنيت الحمد لله -فيديو    تطوان تعيد مشاهد طنجة على طريقتها    بعد عرض بودي جارد.. دانا ابو زيد: عملي مع «عادل امام» بصمة في مشواري الفني    مبارزة خاصىة لسايس في قمة الزعيم    انخفاض منتوجات أسماك الصيد الساحلي والتقليدي    تفكيك شبكة عابرة للحدود وحجز أكثر من 3000 جهاز هاتف محمول    كورونا إفريقيا.. تسجيل 3,936,001 حالة إصابة مؤكدة منذ بداية الجائحة    نهضة بركان المغرب الفاسي: أجمل قمم الكأس؟    "مراسلون بلا حدود" ترفع دعوى قضائية ضد ولي العهد السعودي على خلفية مقتل خاشقجي    صحف تتوقع إبعاد زياش عن الرسمية أمام ليفربول!    السعودية.. لقاح كو رونا "شرط رئيسي" لأداء فريضة الحج هذا العام    السيول تتسبب في قطع الطريق الساحلية بين تطوان والحسيمة في عدة محاور    بعد تأجيل محاكمته.. المتضامنون مع الصحافي الريسوني يحتجون للمطالبة بإطلاق سراحه    صاعقة رعدية تقتل قاصرين بزمران الشرقية بقلعة السراغنة    نادي قضاة الغرب يعلن عن تأجيل "محاكمة" قضاة نشروا تدوينات في "فايسبوك"    مع نهاية فبراير الماضي.. أزيد من 4 مليون عاطل عن العمل بإسبانيا    بثلاث أضعاف السعر المتوقع لها.. لوحة رسمها تشرشل لمسجد الكتبية تباع ب9.7 مليون دولار    الحبس لصحافي جزائري أجرى تحقيقا حول قضية تهريب الكوكايين    هجوم جزائري جديد على المغرب.. تبون: 97 في المائة من الإشاعات التي تستهدفنا تأتي من "جيراننا"    المغرب يفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان بمخيمات تندوف أمام المجلس الدولي    المغرب يحتضن إنتخابات الكنيست الخميس المقبل    للمرة الثالثة.. حاكم نيويورك متّهم بالتحرش الجنسي    خسارته أمام الوداد عمقت جراحه.. الصحافة الجنوب أفريقية تلمح ل"ثورة مرتقبة" في كايزر شيفس برحيل العديد من الأسماء في نهاية الموسم!    الشرقاوي: قطع المغرب لعلاقاته مع ألمانيا سيدفع برلين إلى إعادة حساباتها ضمن سياق إقليمي ودولي مرن    الخارجية المغربية: نريد الحفاظ على علاقاتنا مع ألمانيا وتعليق التواصل بمثابة تنبيه    عداء مغربي يقطع 200 كيلومترا جريا من خريبكة إلى الجرف الأصفر من أجل "التلقيح ضد كورونا"    دعت إليها الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغرى والمتوسطة : رفع تمديد تدابير الإغلاق ليلا وإلغاء شهادة التنقل من طرف السلطة    أدونيس وقد بلغ التسعين : طائر الفينيق الأبدي    دنيا باطما.. خفايا قضية «حمزة مون بيبي»    طقس الثلاثاء | استمرار هطول أمطار الخير.. والحرارة تنزل ل3- درجات بهذه المناطق    رواق جنوب إفريقي يستضيف أعمال فنانة مغربية    ‪سكنفل: قراءة الراتب تعكس تدين المغاربة شرط تجنب إزعاج مكبرات الصوت‬    وثائق الأديب القلالوسي تعزز "أرشيف المغرب"    فضل شاكر يطلق أغنيته الجديدة "لسه الحالة ما تسرش"    معتقل سلفي سابق يفضح ادعاءات وكذب محمد حاجب الهارب إلى ألمانيا (فيديو)    التخليص الموضوعي لصوفية التحقيق من متمصوفة الزيف والتلفيق    الشيخ نجيب الزروالي.. المرأة التي جاءت تشتكي الى رسول الله من كثرة ضُيوف زوجِها    من ذاكرة المسيد والقبيلة:التحريرة والشرط    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حلم العدالة الاجتماعية والتعطش إلى عودة زمن الخلافة
نشر في العمق المغربي يوم 15 - 01 - 2021

الإسلام كنظام سياسي له تجربة حكومية غنية في مجال سياسات الحماية الاجتماعية. ففي زمن حكم محمد (عليه الصلاة والسلام) وكذا الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم أجمعين)، كانت الدولة الإسلامية تخصص ميزانيات ضخمة للقضاء على العبودية. ففي تلك الحقبة، جزء كبير من مداخيل الزكاة والصدقات وغنائم الحرب كان يتم تخصيصه لهذا المبتغى. وبالموازاة مع هذا، كانت الدولة الإسلامية تشجع الأعمال الخيرية الهادفة إلى تحرير العبيد من عبوديتهم.
الدولة هذه لم تكن تكتفي بتخليص العبيد من قيود العبودية بل زيادة على هذا كانت تخصص مساعدات مادية لمن لم يتمكنوا منهم من الحصول على عمل لتمكينهم من عيش حياة كريمة. كما كانت تشجع على إدماج الأحرار الجدد واعتبارهم بشرا كغيرهم من البشر وكذا تعمل على تيسير زواجهم وتكوينهم لأسرهم وذلك بنشرها لثقافة دينية تجعل من أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة.
كما تميزت الدولة الإسلامية في ذلك العهد بنهجها لسياسات اجتماعية تهدف إلى حماية الأرامل واليتامى من التشرد والفقر. فقد شهدت تلك الفترة دخول هذه الدولة في العديد من الحروب نتج عنها ارتفاع أعداد الأطفال اليتامى والنساء الأرامل بشكل مهول. ولامتصاص ضريبة الحروب هذه، قامت الدولة الإسلامية بتخصيص إعانات مادية لهؤلاء الصبيان والنساء.
الأرامل واليتامى لم يكونوا كلهم محتاجين، إذ كان منهم من هم ميسورين. هؤلاء، حرصت الدولة الإسلامية آنذاك على استثمار أموالهم لكي تتزايد ولا تتآكل بالزكاة والانفاق على الأكل والشرب وغير هذا من النفقات. وعلى مستوى آخر، عملت على نشر ثقافة دينية تشجع على كفالة اليتامى وتعدد الزواج وحاربت الثقافات الجاهلية التي كانت تحتقر النساء الأرامل وكذا المطلقات وتحرمهن حقهن في حياة زوجية ثانية.
المساعدات المادية الممنوحة من قبل الدولة الإسلامية آنذاك لم تكن حكرا فقط على الأحرار الجدد واليتامى والأرامل بل كانت تشمل بقية الفقراء والمحتاجين وبما في ذلك عابري السبيل. هذه المساعدات لم تكن تقدم دائما على شكل عطايا أو هبات، إذ في بعض الحالات كان يتم تقديمها كقروض أو إقطاعيات.
فالراغبين في الاستثمار في عوالم التجارة أو الصناعة والذين هم في حاجة إلى سيولات مالية، كانت هذه الدولة تمنحهم ما يلزمهم من مال وتشترط عليهم بالمقابل حصة من الأرباح. كما كانت تقوم بالأمر ذاته مع الراغبين في امتهان الزراعة، إذ كانت تقطعهم أراضي يقومون بزراعتها مقابل جزء من المحصول أو من عائدات المتاجرة فيه.
كما أولت الدولة الإسلامية في ذلك العهد عناية خاصة بتطوير العمران وتنمية البنى التحتية. ولرابع الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم أجمعين) مقولة مأثورة في هذا الباب : "من طلب الخراج بغير عمارة أضر بالبلاد وأهلك الناس". إذ عرف هذا العهد بناء العديد من الجسور وحفر الكثير من القنوات والعيون والأنهار، من أشهرها إقدام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) على حفر خليج بين النيل والبحر الأحمر أو ما يعرف اليوم بقناة السويس.
سياسات الحماية الاجتماعية كانت كذلك جزءا لا يتجزأ من السياسات القضائية الإسلامية. فقد كان الفقه الإسلامي يأمر بالتكفير عن بعض الذنوب والمعاصي بعتق أو تحرير رقبة أو بإطعام عدد من المساكين أو كسوتهم. كما جعل هذا الفقه التعليم مقابلا لفداء بعض الأسرى، إذ فادى الرسول (عليه الصلاة والسلام) البعض من أسرى الحرب على تعليم جماعة من المسلمين القراءة والكتابة… وعلى مستوى آخر، حرم هذا الفقه الربا والدعارة وشرب الخمر ولعب القمار حماية للأسر من الفقر والإفلاس.
زيادة على كل هذا، كان الحكام آنذاك شديدي الحرص على خفض الأجور العامة والنأي بالذات عن بذخ وتبذير حكام الدول المجاورة وكل ما من شأنه أن يجعل منهم – هم وأقاربهم – طبقة أعلى من الطبقات الشعبية. كما كانوا شديدي الحرص على العدل في توزيع غنائم الحرب وعدم التفريق بين هذا وذاك وكذا محاربة الفساد والإثراء الغير مشروع وذلك بالتدقيق في مراقبة العمال والولاة وما يمتلكونه من ثروات.
إلا أنه في عهد حكم عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، وقعت بعض التحولات وكذا الانفلاتات الإدارية نتجت عنها ثورات شعبية انتهت بمقتل ثالث الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم أجمعين). إذ بدأ الفساد الإداري يسود بعض الأقاليم، ناهيك عن الرفع من قيمة الرواتب العامة وميل بعض الولاة إلى تشييد القصور والمغالاة في مظاهر البهرجة، الشيء الذي تمخض عنه سخط شعبي أودى إلى ما يعرف بالفتنة الكبرى أو الفتنة الأولى.
هذه الفتنة ستتلوها فتن أخرى، كان السبب فيها ومازال اللاعدالة الاجتماعية. فاللاعدالة هذه أسقطت بالماضي العديد من الأنظمة الإسلامية واليوم هي تلعب دورا محوريا في تفكك العديد من بلدان العالم الإسلامي ودخولها في حالة من عدم الاستقرار. فهي المحرك الأساسي للعديد من الحركات الاحتجاجية – الربيع العربي وحراك الريف كأمثلة حديثة – وسبب ظهور بعض النزعات الانفصالية وكذا تنامي ظاهرة الإجرام وتزايد الإقبال على الحركات الإسلاموية الداعية إلى العودة إلى الأصل – السلمية منها والإرهابية -… باختصار، هي الخطر المهدد لوحدة وأمن البلاد.
فلا سلام ولا استقرار دائمين بدون عدالة اجتماعية. هذه العدالة أساسية لقيام أنظمة ومجتمعات مستقرة وآمنة. غيابها أو ضعف حضورها يقودان إلى ظهور العديد من الأزمات والآفات المجتمعية التي تنتج عنها هي الأخرى العديد من الاحتجاجات والثورات، ناهيك عن تفشي الظواهر الإجرامية والإرهابية وتزايد الحنين إلى عودة العهد الذهبي لزمن الخلافة.
فتواجد فئات مظلومة ومحرومة هو كالقنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في وجه المجتمع والنظام في أية لحظة. تفشي ظاهرتي الإجرام والإرهاب وتكاثر الدعوات إلى إسقاط النظام أو الانفصال والتعطش إلى عودة زمن الخلافة وما ترمز إليه في المخيال الشعبي من عدل ومساواة، كلها ظواهر تتغذى من اللاعدالة الاجتماعية. الفقر والبؤس والإقصاء الاجتماعي والبطالة، هم الأسباب الجذرية لهذا الحنين إلى الماضي وهذه الظواهر والمخاطر التي تهدد أمننا ووحدتنا الترابية.
فإن أمعنا النظر في الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية وكذا الحركات الانفصالية والتنظيمات السلمية الحالمة ببعثة الخلافة فسنجد أن الغالبية الساحقة من أعضائها تأتي من البيئات الاجتماعية الأكثر عرضة للفساد والظلم والقهر والفقر المدقع والتوزيع الغير عادل للثروة. الفقر والقهر والتعدي على حقوق الإنسان وما يتولد عنهم من إحساس بالظلم وتشاؤم حول الآفاق المستقبلية يوفرون أرضية خصبة لجميع أشكال العنف ومظاهر اللاوطنية.
فالبشر ميالون إلى مقارنة أنفسهم بغيرهم من الناس وتقييم أوضاعهم على هذا الأساس. المقارنات التي تظهر أن المجموعة المنتمى إليها تتعرض لمعاملة أقل جودة مقارنة بغيرها من الجماعات تساهم في توليد مشاعر شديدة من الظلم والغضب أو السخط وهي عوامل تغذي وتساعد على نمو اللاوطنية والتطرف والعنف… الشيء الذي يدفع إلى القول أن الرضا باللاعدالة الاجتماعية هو بمثابة الرضا بانعدام الاستقرار وغياب الأمن وكذا رضا بالتفكك والانهيار.
*كاتب مغربي مهتم بالإسلام السياسي والقضايا الإسلامية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.