وزان .. إعتداء عنيف على طبيب بمقر عمله    بعد مقاطعة الأمريكيين للهواوي الصينيون يردون الصاع صاعين    الوداد تخيب امال جمهورها بتعادلها أمام الترجي في ذهاب عصبة الأبطال الإفريقية (فيديو)    المنتزه الطبيعي أقشور مراقب بشكل كامل بواسطة كاميرات متطورة    «يوميات روسيا 2018».. الروسية أولا وأخيرا -الحلقة15    تأملات في عقيدة لزمن الشؤم..التأصيل يعني التضييق ! -الحلقة15    جبران ل"البطولة": "تفاجأنا بسيناريو اللقاء .. وينتظرنا شوط ثاني في تونس"    عصيد: المخزن رخص للPJD لحماية الملكية وشعر ببنكيران يحاول إضعافها في لقاء ببني ملال    الزمن الذي كان.. سفر في ذاكرة الإدريسي -الحلقة15    هذه حقيقة توقيف شرطي لسيارة نقل أموات أثناء جنازة ببركان حسب مصدر أمني    “الوداد البيضاوي” و”الترجي التونسي” يتعادلان في ذهاب نهائي أبطال إفريقيا    معز بنشريفية: "مهمتنا لن تكون سهلة في مباراة الإياب والبنزرتي مدرب كبير"    فيديو يكشف عن “سر” مخفي في علب المشروبات الغازية    بعد تصاعد التوتر مع إيران.. الولايات المتحدة ترسل 1500جندي إضافي إلى الشرق الأوسط    الإعلام المصري: جهاد جريشة.. الوجه القبيح للتحكيم ومباراة عالمية    "الشعباني:"كنا قريبين من الانتصار..واللقب لم يحسم بعد"    "اليونيسف" تدعو المغرب إلى إنهاء ظاهرة تشغيل الأطفال في المنازل    اهداف مباراة الاهلي والاسماعيلي (1-1) الدوري المصري    الخطايا العشر للحركة الأمازيغية والوصايا العشر لمحبي الأمازيغية    «رائحة الأركان».. لالة يطو: منة من الزمن الجميل -الحلقة15    تعزية في وفاة عم الزميل المصور الصحفي نبيل بكري بالزمامرة    الفيس بوك يعطل حسابي للمرة الرابعة    النقابات التعليمية الخمس تشرح أسباب ودواعي مقاطعتها الاجتماع مع وزير التربية الوطنية    " إحترام القانون "    تعادل بطعم الهزيمة في ذهاب دوري الأبطال الأفريقي    حملات طرد جماعي وعزل للقيادات تضرب “البام”    الجزائر: في الجمعة 14 من الحراك الشعبي، اعتقالات بالجملة والأوضاع مرشحة للتصعيد !!    ميضار : تلقي طلبات الترشيح لشغل منصب مستمعة    منارات و أعلام “الشاعرة وفاء العمراني.. إشراقات شعرية    السيارة المحترقة بالرباط تعود إلى دبلوماسي عربي    الأمم المتحدة.. تكريم جندي مغربي قضى خلال عمليات حفظ السلام بميدالية "داغ همرشولد"    افران.. حجز وإتلاف 470 كيلوغراما من المواد الغذائية غير الصالحة    السلطات تهدم 78 بناية عشوائية بقصبة تادلة    فيديو.. احتساء برلمانية للخمر في رمضان يثير جدلا في تونس    البيضاء.. توقيف إسبانيين ومغربيين لحيازتهما كميات من الذهب يشتبه في ارتباطها بأنشطة إجرامية    المغرب.. صعوبات تواجه مساعي فرض ضرائب على فيسبوك وأمازون    عزيزة جلال: لص هو سبب زواجي – فيديو    اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية تعلن إجراءات جديدة للحماية من الرسائل القصيرة المزعجة    الشرطة الجزائرية تعتقل عشرات المتظاهرين    ماي تعلن عن يوم استقالتها    الصين تحتج رسميا لدى الولايات المتحدة بخصوص هواوي    مزوار:” المنافسة الشريفة و المنصفة ، رافعة للنمو الاقتصادي”    أكادير تتجاوز سقف مليون ليلة سياحية مع نهاية الفصل الأول من 2019    الملك يؤدي صلاة الجمعة ب »مسجد الإسراء والمعراج » بالدار البيضاء    أحرار: الأفضل “نغبر فشي كتاب”    مسجد طارق بن زياد بالشرافات .. حكاية أول مسجد بني بالمغرب    تصنيف المغرب في المرتبة 42 من أصل 178 بلدا عالميا في مجال البيانات المفتوحة    فريد القاطي يتعاون مع فنان جزائري    نقابة: تشغيل “سامير” هو الحل للتحكم في أسعار المحروقات وليس خيار “التسقيف”    برامج “الأولى” الاختيار الأول للمغاربة في الأسبوع الثاني من رمضان تم تسجيل 84 % من نسبة المشاهدة    رائحة الفم… العزلة    نصائح لتجميد الطماطم    «يوميات روسيا 2018..» في حضرة الجمال والجلال -الحلقة14    الفضاء العام بين "المخزن" والمحافظين    “صحتنا في رمضان”.. وجبة السحور الصحية – فيديو    بركة: استثمارات الدولة تراجعت ب50% .. والفقر يُورّث جينيا بالمغرب‬    الجزائر تقضي على واحد من أشد الأمراض فتكا في العالم    بوصوف يراهن على الحياد في جائزة المغرب للكتاب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الرواية صوت الحياة
( حول الأعمال الروائية للميلودي شغموم)
نشر في طنجة الأدبية يوم 29 - 03 - 2008

في الساعة التاسعة والنصف من يوم الجمعة 25 مارس 2008، بقاعة الندوات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء وسط جو ربيعي دافئ..بحضور الكاتب الروائي الميلودي شغموم، كعادته بشوشا وواثقا، إلى جانب عدد من المبدعين والباحثين والنقاد والطلبة والقراء عموما...التأمت أشغال الندوة الوطنية حول المتن الروائي لشغموم، والتي نظمها مختبر السرديات.
الساحر ومراياه
وقد افتتح شعيب حليفي ( رئيس مختبر السرديات، الجهة المنظمة)اللقاء بإعطاء الكلمة لعبد القادر كنكاي نائب عميد الكلية والذي أشار إلى أهمية الفعل الثقافي والجامعي ضمن الأنشطة البحثية، كما تطرق إلى تجربة الميلودي شغموم باعتباره واحدا من الروائيين المغاربة الذين صاغوا الوجدان المغربي ورسموا خريطة متخيلنا الجمعي.
في كلمة شعيب حليفي قدم ورقة تمهيدية تحدث فيها عن السرد الروائي عند شغموم الذي يدخل ضمن حلقة نقدية، هي مشروع لقراءة الرواية المغربية والمشاريع التأسيسية في تجربتها الممتدة لعقود.واعتبر الميلودي شغموم واحدا من مؤسسي صرح السرد المغربي الحديث، يكتب الرواية والقصة منذ أربعة عقود، ومنذ البداية وهو يجيد تحبيك الحكايات بأنفاس المبدعين المجددين.. لأنه يمتاز بقدرته على أن يولد مع كل نص جديد، بفضل صياغته لملامح المراحل عبر وسمها بفكره وترويضها بجرأته التي تجري في اللغة وفي الدلالات التي يزندها زندا. وهو، كما يقول عن نفسه، مختصرا مساره المهني:(مؤكد أني ولدت يوم 12 ربيع الأول فسميت الميلودي والباقي كله ظن، وإن كانت ذاكرة شيوخ الأسرة، خاصة النساء، تضع هذه الواقعة بين 1947 و 1950، أنا الآن متقاعد، في إطار المغادرة الطوعية، بعد 39 سنة من العمل. بدأت التدريس معلما مؤقتا للفرنسية سنة 1966 ثم حصلت على باكالوريا آداب عصرية وتخرجت من مركز تكوين أساتذة السلك الأول فرنسية سنة 1974 ثم نلت إجازة في الفلسفة سنة 1975 ودبلوم الدراسات العليا سنة 1982 فالتحقت بكلية الآداب بمكناس كمدرس وفيها هيأت دكتوراه الدولة سنة 1990 ومنها خرجت متقاعدا سنة 2005 بوضعية أستاذ التعليم العالي.)
لذلك يكتب، شغموم، بمخيلة عابرة للزمن، نصوصا سردية نسجت، وما تزال، حكايات مغربية لا تعكس ولا تنوب عن أحد، وإنما تؤسس لتخييل يولد حالات من الواقع والتوقع.
يقول عن نفسه: ( لقد عشت، والله ما تركت فرصة حقيقية تمر بدون أن أستغلها، ولو تعلق الأمر فقط بفيلم أو قصيدة أو أغنية: إني من أنصار استغلال كل الإمكانات التي تمنحها الدنيا؛ الفائدة والمتعة في كل شيء، حتى في العمل، أي عمل ليس فيه فائدة، أو إفادة، ومتعة يؤدي إلى الشقاء.)
ويضيق شعيب حليفي بأن شغموم كاتب روائي فضل الانتماء إلى الإنسان عوض مدرسة أو تيار لافت، ومن ثم فقد أعار صوته للأصوات التي لم تجد أبدا من يسمعها أو ينوب عنها..لقد اختار أن يكون بكتاباته المنحازة إلى التخييل المعقلن أن يكون روائيا وليس عرافا. أن يكون مبدعا وليس ملفقا، ثائرا يثأر بالكتابة من زيف اللغات والحقائق. يزاوج بين الكتابة والتفكير. بل يشتغل بالتفكير في الحكي، و بالحكي في التفكير... ضمن انشغال متعدد بالكتابة في السرد والفكر والترجمة والدرس الجامعي. يقول شغموم عن نفسه: (لقد بدأت في النشر، على حسابي، سنة 1972 بمجموعة قصصية متواضعة، لكني بفضلها دخلت إلى اتحاد كتاب المغرب، عنوانها أشياء تتحرك ثم نشرت بعض القصص على صفحات الجرائد والمجلات المغربية قبل أن تصدر لي روايتان، الضلع والجزيرة 1980، ببيروت، في كتاب واحد وتتبعهما رواية ثالثة، الأبله والمنسية وياسمين، عن دار أخرى ببيروت، قابلها النقاد باحتفاء كبير، وكانت كلها قد كتبت قبل 1980 ثم جاءت ترجمتي لكتاب هنري بوانكري، قيمة العلم 1982، وكتابي عن الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث، عن دار التنوير ببيروت كذلك، وكانت قد صدرت لي قبل هذا الأخير مجموعة قصصية، سفر الطاعة، عن اتحاد كتاب العرب بدمشق. وتوالت الروايات، مرورا بعين الفرس المقررة في برامج الثانوي، ومسالك الزيتون، وشجر الخلاطة، وخميل المضاجع، ونساء آل الرندي التي نالت جائزة الدولة للكتاب وحولت إلى فيلم تلفزي من ثلاث حلقات، والأناقة، وانتهاء بأريانة ثم المرأة والصبي، وقد جمعت الروايات، غير أريانة و المرأة والصبي، من طرف وزارة الثقافة المغربية في ثلاثة مجلدات تحت عنوان الأعمال الروائية الكاملة كما ترجمت بعض هذه الروايات، جزءا أ وكلا، إضافة إلى بعض القصص إلى الفرنسية والإسبانية والألمانية.)
ويختم رئيس مختبر السرديات كلمته التقديمية مؤكدا أن شغموم روائي خبير في صوغ التأملات والقضايا والظواهر ضمن تخيييلات ومرايا مغامرة، تجازف بالبديهي لصالح التجديد، وتشكيل رؤية وهوية وصوت.. كل ذلك من خزائن شغموم السرية والمعلنة: من المحلي والشخصي إلى العالمي، من الأشياء البسيطة إلى النظريات الكبرى (والثقافات).. يعبر بوثوق الكاتب ويبحر في كل الأزمنة مجربا الأساليب وتوظيفات تبني خصوصية متخيله وذوق تأملاته ودينامية شخوصه ورموزه وأمكنته وآفاق التأويلات.
صباح الخير أيتها الحكايات
افتتح عثماني الميلود الجلسة النقدية الأولى بمداخلة حول ("مسالك الزيتون " والتعدد كقيمة سردية وجمالية) هادفا " إلى إثبات صحة الفرضية التي تقول أن لا وجود للمفرد والواحد،وأن المتعدد هو الأساس الإدراكي والمعرفي لأي ممارسة فنية أو أدبية أو علمية. ويبرز التعدد، في الرواية باعتباره سياقيا وتداوليا وحكائيا، يتجلى في: تعدد مرجعي تمتح منه الرواية، وتعدد المضمون الروائي،وتعدد الأشكال السردية الموظفة،وتعدد الصيغ الحكائية.
وأشار الباحث أيضا انه بفضل بحوث باختين وأورباخ ودريدا يمكننا اليوم، أن نزعم أن الواقعية الأدبية هي واقعة قابلة لأن تعالج، بشكل ملموس وقياسي،على العكس من النداءات التي طالما بشرت بموت الأدب منذ بلانشو إلى تودوروف. ودعا هذه الواقعية الأدبية الغنية والمتنوعة بالمتعدد الأدبي. مفسرا انه يمكن ضم وتقريب مجموعة نصوص أدبية كبرى، لكونها تتجاوب فيما بينها، بشكل مثير للاستغراب، رغم الفروق الجوهرية في مصادرها ورؤيتها. وهي نصوص طالما وظفنا مصطلحات نظير البوليفونية، والتعدد الدلالي والتجانسية.. وهكذا كان النقد الأدبي يشتغل كما لو أن المتعدد يمكن ردُّهُ، رغم الصعوبات، إلى الواحد "ضمير المتكلم الثابت"(كاتب النص ). تماماً كما لو أن الإيحاء المتعدد، والتعدد الأسلوبي لهذا الأخير ليس إلا حصيلة إسراف إبداعيٍّ (Profusion Créatrice). لكن باختين جعل من أهدافه دراسة المتعدد الأدبي في ذاته، لأنه حامل لدلالة، والدلالات خاصة. ويمكن أن نلمس أهمية بحوثه في وقوفه على حالات محدودة للتعدد: رابلي ودوستويفسكي.
إن التعدد الذي نتخذه فرضية لهذه المداخلة –يقول الباحث- يقوم على وسم "مسالك الزيتون" بالتشتت الخلاق الذي يمنح القارئ المتعةَ وصقل تفكيره. بهذا التعدد ستحدث هذه الرواية ثقباً هائلا في الذوق "الكلاسيكي". إن التعدد، عندنا، أوسع مما قاله باختين وأورباخ وكريستيفا وأوزفالد ديكرو، لأن التعدد الذي نقصده لا يفصل بين الأدبي والفكري، التخييلي والإبستيمي. فالرواية هي تفكير في التخييل، وتخييل يفكر في العالم.فسطحيا تبدو مسالك الزيتون كرواية يستعان في بنائها اعتمادا على عناصر أوطوبيوغرافية لشخصية الكتابة، وتطبيقاً دقيقا لخلفية نظرية وثقافية هائلة، واستعادة حادة وقاسية لسنوات الألم والخوف والرعب،وتوقا إلى خلق أثر أدبي متميز ينزاح، بمقدار ملموس، عن أشكال الكتابة وصيغ التعبير وطرائق السرد وطبيعة اللغة،عما يعتبر نصوصا روائية تقليدية. هذا ما تمنحه مسالك شغموم للقارئ العادي، لكن مسالك الزيتون تخفي نظرة مختلفة لكل ذلك من خلال:
1-وجهة نظر روائية مختلفة سواء في دلالاتها أو أبنيتها وطرائق السرد.
2-تعدد مرجعيا يتمثل في تعدد الأنساق التي تمتح منها مسالك الزيتون.
3-تعدد الأشكال السردية التي أتاحت للرواية خلق أنزياح مرئي وملموس قياسا مع الرواية التقليدية التي كتبت خلال بداية السبعينات خاصة.
4- تعدد الصيغ الحكائية التي مكنت النص الروائي من الانفتاح على السيري والواقعي والرمزي والصوفي والعجائبي والأدبي والفقهي، بقصد هضمها وتحويلها إلى جزء من النسيج العام، سعيا إلى خلق أسس رومانسكية عربية بديلا لأسس الرومانيسك الغربية.
وتلاه عبد المجيد نوسي بمداخلة موسومة ب"البناء الروائي في رواية نساء آل الرندي" مؤكدا أن الرواية تتأسس على مجموعة من المقاطع والتي لا يمكن فهم بنائها إلا من خلال الربط والتراكب بين مقاطعها. كما أبرز أن السارد يرصد ويشخص التحولات السوسيوثقافية المتسارعة في مسارات الشخصيات وهي تحولات كارثية في غالب الأحيان في علاقة بمجموعة من المفاهيم. كما بين أن بناء الرواية يتم من خلال لغة متعددة محملة بمعرفة فلسفية ونفسية بالعوالم السردية والقضايا والشخصيات. لغة توظف عدة مقولات معرفية أهمها مقولة المدنس والمقدس.
أما عبد الحق لبيض فقد تدخل بقراءة موسومة ب"انتصار الحكي على المسخ في رواية شجر الخلاطة" مؤكدا أن تتوسل بكتابة روائية تعلن صرختها ضد صمت المعيش، ومقاومة المسخ الذي يصير إليه الواقع والقيم عبر الحكي، وحتى لو استحال إلى هذيان فهو أفضل من الصمت. مما جعل الرواية تتراوح بين الهواجس الفكرية الأكاديمية وبين هواجس الذات وعلائقها بالتاريخ والأسطورة. كما بين أن الرواية تتعمد خلق التباس لدى القارئ لما تُحول السرد إلى هذيان انسجاما مع هذيان الواقع. إضافة إلى جعل الحوار يحتوي السرد ويراقبه على عكس ما هو معهود.
وحول (التخييل الأسطوري في رواية"الأناقة") توقف الحبيب الدائم ربي عند الجانب الأسطوري في رواية الأناقة على مستويين، مستوى الانبناء المعماري للمتن الحكائي، من جهة، والمستوى الأطروحي من جهة أخرى، متوقفة عند تجليات التخييل الأسطوري المختلفة، وتوالده التكراري عبر تنويعات عدة، بما هو استعارة متدرجة من المجرد نحو المشخص، ومن اللامعقول إلى المعقول، ومن الخرافة إلى التاريخ،مع ما يراقف هذا العبور من تشييد دلالي يتغيا خلق الأساطير ( القديمة والجديدة)و تفكيكها في آن.
أما المداخلة الأخيرة في الجلسة الصباحية فقد قدمها عبد اللطيف محفوظ وكانت تحت عنوان " الميتا سرد في رواية عين الفرس" وقد افتتحها بفرش نظري أشار فيه إلى مفهوم "الميتا سرد" في الكتابات الغربية والعربية. وانتهى إلى تحديد كيفية توظيفه له في مداخلته، باعتباره كل تفكير نسقي في مجمل أطوار الكتابة السردية، والتي تدخل بوعي في تكوين النص الروائي. معتبرا من ثمة أن رواية الفرس هي رواية الميتا سرد بامتياز، نظرا لكون مادتها الدلالية تتخلق في قسمها الأول من سجال بين السارد الذي هو في نفس الوقت مؤلف حكايتها، والمسرود لهم المفترضين، موضحا كيف أن السرد ينبني انطلاقا من الجدل حول الكتابة انطلاقا من فكرة جاهزة في الذهن والكتابة العفوية التي تفرز في النهاية الفكرة. وقد ختم قراءته لهذا القسم بتحليل الامكانات الدلالية التي تؤشر عليها، حيث انتهى إلى اعتبار الاختلاف بين الشكلين أيقونة على الاختلاف النظري حول كتابة الرواية، هل هي عملية إنتاجية تعتمد منذ البداية على خطاطة مضبوطة، أو أنها فقط كتابة إبداعية تقودها الموهبة الفذة لكي تنتج في النهاية شكلها الدال.
أما القسم الثاني من الرواية فقد ربطه بإدماج النقاشات النظرية حول علاقة المؤلف بنصه وامكانية انقلات دلالات النص من مقصدياته، ثم كيف يتحول النص في أذهان المتلقين إلى خطاب مخالف تماما لنوايا المؤلف، وخصوصا كيف يمكن للعالم الممكن للنص أن يتطابق مع عالم فعلي ما. معتبرا أن هذه الأسئلة النظرية هي التي شكلت مادة القسم الثاني.
وقد خلص عبد اللطيف محفوظ في ختام مداخلته إلى تقديم تحليل سيميائي للمناطات الأساسية التي تضمنها الميتا سرد في رواية (عين الفرس) حيث وقف كثيرا عند العنوان والبداية والتحبيك والصوغ السردي ومجرة مؤولات الأدلة الملغزة..
المتخيل والخطاب
في الجلسة الزوالية، تحدث نور الدين صدوق،رئيس الجلسة، عن تموقع شغموم روائيا وأهمية التراكم الذي حققه.ليعطي الكلمة للناقد عبد الرحمان غانمي الذي قدم ورقة بعنوان (المرأة والصبي: تعدد أبعاد تسريد الذات) مبرزا كيف أن شغموم يرتاد عوالم تخييلية جديدة على خلفية ما كتبه وما يكتبه، حيث تتبدى صور تشخيصية تنهض بهز أركان الحكي والحكاية، التي لا ترسو على شاطئ، إذ كلما لامست مستوى ما أو طبقة تخييلية معينة، إلا وتلاشت تلابيب الشخصيات ونواصي الأحداث، والحوارات، في رحلة روائية حكائية سردية من الرباط إلى المحمدية والدار البيضاء ومن تم إلى مراكش والصويرة والجديدة، وهي الرحلة التي تتمظهر مكانيا وزمانيا، كي يلغي بعضها البعض أو تغوص في أسرار غامضة، مثلما تتباين هواجس الشخصيات، في هذه الرحلة التي تتقمص البحث عن لوحة تشكيلية أو الفنان العجوز أو عن شيء مجهول، وهي أي الشخصيات إذ تتقاسم أشواطا من الحياة وعبورا وانتقالا في الزمان والمكان، تعجز عن الانخراط في "الشراكة" النفسية والوجدانية والثقافية المتقلبة والمترسبة، دون أن يتعثر الحكي في الخوض في هذا المجهول الذي يؤسس، لحكايات لم تكتب بعد.
وانطلق رشيد الإدريسي في مداخلته (النص المفتوح وقراءة الألغاز أو"أريانة" والتوظيف الحكائي للتصوف)من كون كل نصوص الروائي الميلودي شغموم تنطوي على جانب هام من اللامعقول؛ بحيث تفسح المجال للعناصر العجائبية التي تنفلت من قيود المنطق لكي تشارك في صنع أحداث الرواية وتتحكم في مصائر الشخوص وتوجهها، مشيدة بذلك ما يشبه الأسطورة المعاصرة التي تجري أحداثها في العالم الواقعي حسب قواعد وشروط يوظف فيها الكثير من آليات التصوف والتفكير العرفاني بصفة عامة.
وهذه التقنية في الكتابة- يضيف رشيد الإدريسي- تعطي لإبداعات الميلودي شغموم نكهة خاصة، كما تفرض على المتلقي تغيير عناصر أفق انتظاره وتوقع مواجهة الكثير من الألغاز. كما تضفي على النص نوعا من التعقيد شديد العمق، يتطلب من القارئ بذل جهد تأويلي مضاعف للإمساك بالدلالات المستترة التي لا تقرأ إلا فيما بين السطور.ورواية "أريانة" نموذج واضح لذلك، إذ يمكن اعتبارها نصا مفتوحا بشكل مقصود، وهو ما نلمسه من خلال أسلوب الكتابة ومن خلال عتبات النص (العنوان الاستهلال...) وكذا من خلال أسماء الشخوص وصفاتهم وتحولاتهم والرموز التي تؤثث عوالمهم...والتي تكشف عن توظيف مجموعة من عناصر التراث وتقنيات الرواية الحديثة، من شأن الوقوف عليها إضاءة النص والكشف عن الكثير من أسراره.
في بداية مداخلته الموسومة "سؤال الحكاية والرواية في رواية الأبله والمنسية وياسمين" عمل بوشعيب الساوري على تأطير رواية الأبله والمنسية وياسمين ضمن المشروع الروائي للميلودي شغموم. الذي أكد أنه ينقسم إلى مرحلتين؛ مرحلة مساءلة الحكاية وإعادة إنتاج المتخيل وتحريره بما يتيحه من إمكانات ومساحات، ومرحلة الانفتاح على الواقع اليومي والغوص فيه ويعيد بناءه روائيا بوجدانه وأرق أسئلته. مثبتا أن الرواية المدروسة تدخل ضمن المرحلة الأولى من التجربة الروائية الشغمومية.
وبين من خلال هذه القراءة كيف عمل السارد على طرح الحكاية بوصفها مشكلا يحاول من خلاله التمرد عليه(الحكاية) وعلى أساليب السرد التقليدية. من خلال الإجراءات التالية:
- رفض السارد المقدمات الطويلة وعدم استساغته تسلسل الرواة دون انقطاع.
- رفضه تقاطعات الحكاية التقليدية، واستطراداتها وانتقالات الجدة من حكاية إلى أخرى.
- التشكيك في صحة حكاية الجدة. وفي ذلك إشارة إلى زيادات الذاكرة وتحويراتها وتشويهاتها للحكاية.
- الإشارة إلى زيادات الرواة.
وذلك بهدف الاختلاف والتمايز عن السارد التقليدي الذي شكلت شهرزاد نموذجا له والتي كانت الحكاية عندها وسيلة للاستمرار في الحياة، لتصير عند السارد وسيلة للموت.
ثم خرج من الحكاية إلى الواقع باحثا عن ما سمعه من أستاذه وجدَّيْه مسافرا إلى قرية المنسية، ليصطدم بتأويلات متعددة للحكاية واختلافها، وليفهم لماذا اختلفت كتب التاريخ حولها، وكذلك باقي الناس، أستاذه، وجديه. إن المنسية هنا هي الحكاية التي اختلف حول صحتها وفي طريقة سردها كل الناس، وتصرفوا في أحداثها، إنها الحكاية التي لا توجد إلا في أذهاننا. لينتهي إلى هدم الحكاية مؤكدا أنها لا توجد إلا في الخيال.
ليستنتج في الختام أن الحكاية كانت تيمة أساسية في هذه الرواية، وموضوعا للتأمل والنقد، إذ راهن الميلودي شغموم على الميتانص منطلقا من الحكاية الشعبية وطقوسها عبر المساءلة حينا، والهدم حينا آخر، بغية الوصول إلى كتابة نص روائي يرفض أن يُصَنف ضمن الأشكال السردية التقليدية.
الورقة الأخيرة في هذه الجلسة كانت عبارة عن قراءة عبد الفتاح الحجمري لرواية " خميل المضاجع بعنوان ( رواية إحساسٍ بِالضّيْق يَعْدِلُ الوحْدانية)(وقد قرئت بالنيابة )عالجت كيف تتخذ الرواية من سيرة علي الرماني سبيلا للتفكير في مصير جيل بأكمله ؛ مصير الوحدانية التي غزت القلوب والبيوت والعلاقات. قد تختلف أسباب هذا المصير الضاغط على الكيان باختلاف الأسباب، وتبقى لكل واحد " ذنوب عظيمة "جارت العقل والكيان، لحظة، هي عند محمود " مول اللواني "، وعند الفكاك" الخدامة "، وعند المهدي " الذكر الذي لن يحمل اسمه "، وعند مصطفى " المرأة التي تزوج من البار "، وهي عند علي الرماني " وحدانية " دفينة وعتيقة.
هكذا، تتأكد لشخصيات الرواية أن انقلاب القيم يصبح مأساة حقيقية لا يشكل، ضمنه، الإحساس بالوحدانية إلا لحظة واحدة من لحظات مواجهة مصير مشترك يحصد الخيبة وعدم تقدير المودة واحتقار العواطف.
وأشار الحجمري إلى كون الحكاية في رواية ( خميل المضاجع )، تعرض ضمن مشاهدها الحدثية، إلى لحظتين أساسيتين تعكسان جملة من التقديرات الدالة والمتصلة بموضوع الرواية وفكرتها المركزية: مشاعر الارتباط السعيد والإحساس بالضيق الذي يعدل الوحدانية. اللحظة الأولى وتبرزها المحاضرة التي ألقاها محمد مختار " بقاعة اباحنيني " في موضوع: " هندسة البيوت والحب"، يضاف إليها القصة التي يرويها للدكتورة ليلى المجاطي ولسائر النساء الحاضرات وللرجال كذلك وعنوانها: الرهن. أما اللحظة الثانية فهي متصلة بالأولى وتمثلها الرسالة التي بعث بها علاّل مختار إلى ولده محمد عقب استماعه للمحاضرة السالفة.
وخلص الباحث إلى أن الرواية تؤكد على صورة الوحدانية،والتي تنبض بتجربة شخصية لعلي الرماني، تنصهر مع تجربة جيل بأكمله وفئة اجتماعية بعينها. لأجل ذلك، تتداخل اللحظات وتتشابك اللقطات معلنة عن بنية سردية متدفقة، تخرج كل شخصية من شخصيات الرواية عن صمتها ووحشتها. وهذا ما يقرن البنية السردية لرواية ( خميل المضاجع ) بتوصيف عام، يميز تشخيص الخطابات المسرودة والمنقولة والمعروضة، بصياغة شفوية للغة من الحديث اليومي، تحوّل كلام الشخصيات إلى أفكار نابعة من التجربة سواء تعلقت بالألفة، أو الاتصال الحميم، أو الرغبات الخبيئة.
وكما عرفت نهاية الجلسة الصباحية نقاشات في صميم التجربة الروائية لشغموم وعطاءاتها، عرفت نهاية الجلسة المسائية نقاشا انصب حول الحكاية والخطاب في مجموع أعمال هذا الكاتب الذي يؤسس لتخييل مغربي ما زال في حاجة إلى حلقات نقدية لاستكناه عوالمه الثرية.
الكلمة كلمتي
وفي ختام هذا اللقاء أخذ الميلودي شغموم الكلمة، وقد حرص اليوم كله، على تتبع كل المداخلات والمناقشات، متحدثا عن علاقته بالرواية والنقد الروائي بالمغرب، لينتقل الى قراءة مقاطع من روايته الجديدة التي صدرت في نفس اليوم وهي بعنوان (فارة المسك )منشورات الريشة السحرية.2008 مكناس.يعالج فيها تخييليا صفات التنكر والتوهم.تتكون الرواية من 13 فصلا على امتداد 134 صفحة تفتتح بتمهيد بعنوان الجريمة جاء فيه:
"مع نهاية الالفية الثانية تناقلت الصحف الوطنية، وعلى مختلف صفحاتها، الخبر التالي:
طبيبة تقتل عشيقها ثم تنتحر
وكالعادة تكاثرت التعليقات، والتأويلات وتباينت خاصة منذ أن عرف أن القاتلة طبيبة أخصائية، اسمها سميرة القط، اشتهرت، وهي لا تزال طالبة في كلية الطب بلقب زوجة كبار الأساتذة، وأن القتيل فنان تشكيلي مغمور، اسمه محمد الذئب، كان يعيش في باريس، على حساب النساء، قبل أن يصبح عشيقها ويعود معها إلى المغرب، ليعيشا معا في بيتها بحي الرياض، في الرباط.
ثم عادت القضية لتحتل الصفحات، مرة أخرى، تحت عنوان لا يتصرف فيه إلا نادرا منذ أن التقطه أحد الصحافيين: "جديد القط والذئب ".وذلك بعد أن عثرت الشرطة على مسودة رسالة كان الذئب قد بعث بها إلى صديقة له في فرنسا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.