مثلت نتيجة استفتاء السويسريين خيبة أمل كبيرة للمسلمين في كافة بقاع المعمور، وطرحت إشكاليات حقيقية على مستويات عديدة جدا. فمنع بناء المآذن في هذا البلد الذي اشتهر بديمقراطيته وحياده عن جميع النزاعات والقضايا المثيرة للخلاف. اوجه ضربة عنيفة جدا لمجمل منظومات الشعارات التي تغنى بها الغرب لحقب طويلة، أولى هذه الاشكاليات تتعلق بحرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائرالدينية، إذ ما فتئ الغرب يتحين كل فرصة ومناسبة ليشهر سلاح المواثيق الدولية التي تنص على الحق الطبيعي للانسان في أن يختار عقيدته ويمارس شعائرها في إطار الضمانات القانونية التي يجب أن توفرها كل دولة، وحينما تخل هذه الدولة بتوفير هذه الضمانات فإنها تصبح في مواجهة مع المجتمع الدولي، الذي من المفروض أن يكون حاميا لما تنص عليه المواثيق الدولية، وما تفتأ هذه الدول الغربية أيضا في أن تتصيد كل كبيرة وصغيرة تعتقد أنها تمس بهذا الحق الطبيعي، ولم تتوقف أقلام وعيون المنظمات الدولية في ترصد ممارسة حق الانسان في اختيار العقيدة. وهاهي سويسرا تقدم من جديد الدليل على اهتزاز كل هذه الشعارات، فحرية العقيدة كما تعرضها نتيجة هذا الاستفتاء الغريب تنحصر في العقيدة التي يختارها الآخر، وفي الطريقة والمنهجية التي يراها هذا الآخر مناسبة لممارسة الشعائر. وماذا بقي من قول بعد كل هذا عن حوار الأديان والحضارات؟ نعم لاننكر وجود إرادات حسنة في هذا الغرب تناضل من أجل تشييد قنوات هذا الحوار بهدف البحث عن مناطق التلاقي للتقريب بين الشعوب والحضارات والأديان والأعراف لضمان تعايش انساني حقيقي، لكن اليمين المتطرف في أوربا عامة، والذي ناب عنه هذه المرة اليمين السويسري المتطرف، ورط الشعب السويسري فيما حدث. وهذا يعني أيضا أن هناك في نفس هذا الغرب من يجاهد من أجل قطع شرايين هذا الحوار والتواصل، وأن الحل بالنسبة إليهم هو في تصادم وتطاحن الحضارات والأديان بما يلبي لديهم رغبة ملحة في تدمير البشرية جمعاء. انهم يريدون عالما ملتهبا بالصراعات والنزاعات والحروب، إنهم الفيروس الذي لايعيش إلا في كل ماهو خبيث، وإذا ما سلمنا بالمنطق العنصري المتخلف الذي جسدته نتيجة الاستفتاء، فإن ذلك يعني أيضا أن نتيح ونعطي للمسلمين وغيرهم الحق في أن يمنعوا بناء الكنائس في بلدانهم ويحظروا جميع الرموز الدينية التي لاتنتمي الى دياناتهم، ولم لا الاقتداء بهم في الدعوة الى طرد أي شخص آخر يعتنق ديانة أخرى؟ أهذا هو حوار الأديان الذي يريدونه لهذا العالم ؟، أهذه هي حرية المعتقد التي لم يفتروا يوما في رفعها كمقصلة فوق رؤوس المسلمين على الخصوص؟؟ إن أخطر ما في الأمر ياسادة أن نتيجة هذا الاستفتاء الرهيب تدعم وتحفز وتشجع على التطرف في استعداء الآخر. وتغذي جذور العداء بين الانسان وأخيه الانسان، وتوفر شروط استنبات إرهاب حقيقي بين شعوب العالم، فالذي لايعترف بحرية الآخر في اختيار المعتقد والشعائر التي يمارسها به، فإنما يشهر سلاح القتل والغدر ويزرع هذا العالم بالقنابل الموقوتة التي تهدد في كل لحظة وحين بأن تهز الأرض من تحت أقدامنا، ومع كل ذلك فإننا لاندعو الى المعاملة بالمثل لأننا نعتبر أن الاسلام الحنيف والعظيم أكبر بكثير من هذه العقول الصغيرة وحتى الحقيرة التي تلخص قيم الانسانية في الحقد والضغينة والكراهية والعنصرية والعداء، بينما إسلامنا العظيم يحتم علينا أن ننظر الى العالم والى الانسانية نظرة تستند الى حب الخير للجميع، والى ضمان شروط سيادة هذا الحب من خلال التسامح والوسطية والعدل، لذلك لن ندعو الى استعدائهم لأننا نؤمن أن الاسلام أكبر وأعظم وأعتى من هاته الفخاخ التي يزرعونها تحت الأرض.