ليست المشكلة اليوم في ما كان، بل في ما لا يزال كائنًا. فالعالم تغيّر، وموازين القوى تبدّلت، وشعوب إفريقيا لم تعد تلك التي تُدار من خلف الستار، ومع ذلك، تصرّ فرنسا على التعامل مع القارة وكأنها امتداد جغرافي لنفوذها، وخزان مفتوح لثرواتها، ومجال حيوي لمصالحها الاستراتيجية، ولو على حساب كرامة الشعوب واستقلال القرار. فرنسا التي تتغنّى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، تجد نفسها اليوم في قلب تناقض صارخ: خطاب حداثي في الداخل، وممارسات وصائية في إفريقيا. لا تزال العديد من الدول الإفريقية ترزح تحت تأثير مباشر أو غير مباشر لقرارات باريس، سواء عبر العملة، أو الاتفاقيات الاقتصادية غير المتكافئة، أو حتى من خلال التدخلات السياسية والأمنية التي تُبرَّر تارة بمحاربة الإرهاب، وتارة بحماية الاستقرار... بينما الحقيقة أن المصالح الاقتصادية تظل هي البوصلة.
الفرنك الإفريقي : عملة ببصمة وآثاراً استعمارية
إن ما يُسمى ب (الفرنك الإفريقي) ليس مجرد عملة، بل رمز لعلاقة مختلة، تُبقي اقتصادات دول بأكملها رهينة لسياسات نقدية لا تملك قرارها. وما يُقدَّم كدعم تنموي، غالبًا ما يتحول إلى أداة ضغط، تُفرض من خلالها شروط قاسية، تُفرغ السيادة من مضمونها، وتجعل من القرار الوطني مجرد توقيع على ما يُملى من الخارج.
يعيش الفرنك الإفريقي اليوم على وقع تناقض واضح بين استمرارية شكلية ورفض متصاعد في العمق الإفريقي، حيث لا يزال قائماً ومدعوماً بربطه بعملة (اليورو)، وضمان فرنسا، مما يمنحه استقراراً نقدياً ظاهرياً، لكنه في المقابل يقيّد السيادة المالية للدول التي تستعمله. ولم يعد هذا النظام يُنظر إليه من طرف فئات واسعة من الأفارقة كخيار اقتصادي بريء، بل كعملة تحمل بصمة وآثاراً استعمارية واضحة، تذكّر بعلاقة غير متكافئة تُبقي القرار النقدي خارج الحدود الوطنية. ومع صعود أنظمة شابة وواعية، رافضة للوصاية والابتزاز، بدأت تتشكل إرادة جماعية لإعادة النظر في هذا الإرث، سواء عبر إصلاحات عميقة تقلّص النفوذ الخارجي، أو عبر التوجه نحو بدائل نقدية مستقلة كلياً. وفي ظل هذا التحول، يبدو أن مستقبل الفرنك الإفريقي لن تحدده فرنسا بقدر ما سترسمه الشعوب الإفريقية نفسها، التي باتت أكثر إصراراً على امتلاك مفاتيح اقتصادها، وقطع ما تبقى من خيوط التبعية التاريخية
الأخطر من ذلك، أن فرنسا لا تزال تنظر إلى إفريقيا ك(مورد مالي) لا ينضب، تُستخرج منه الثروات الطبيعية (من ذهب ويورانيوم ونفط وغيرها ...) بأثمان بخسة، بينما تعيش شعوب تلك الدول في فقر مدقع، وتُحرم من أبسط حقوقها في التنمية والعيش الكريم. إنها معادلة غير أخلاقية: ثراء هناك، وبؤس هنا... ووسيطها نظام دولي يُغضّ الطرف، أو يتواطأ بصمت.
ولأن الزمن لم يعد يقبل هذه الازدواجية، بدأت شعوب إفريقيا تستفيق. من مالي إلى بوركينا فاسو، ومن النيجر إلى تشاد، تتعالى الأصوات المطالبة بإنهاء الهيمنة الفرنسية، واسترجاع القرار السيادي، وفتح أبواب الشراكات المتكافئة مع قوى دولية أخرى. لم تعد إفريقيا حديقة خلفية لأحد، بل فضاءً مفتوحًا للتنافس، ومن لا يحترم قواعد اللعبة الجديدة، سيجد نفسه خارجها.
إن استمرار فرنسا في هذا النهج، لا يهدد فقط علاقتها بإفريقيا، بل يهدد صورتها الدولية. فالدول لا تُقاس فقط بقوتها الاقتصادية أو العسكرية، بل بمدى احترامها لكرامة الشعوب الأخرى. والاستعلاء لم يعد مقبولًا في عالم يتجه نحو التعددية والندية.
هنا، يصبح القولان الصادمان (فرنسا بلا إفريقيا... تأكلها الأزمات) و(فرنسا بلا عرب ... يأكلها الجرب) ليس مجرد شعارين، بل توصيفًا لواقع محتمل. ففرنسا التي بنت جزءًا من قوتها على امتداداتها الإفريقية من بينها دول عرب شمال إفريقيا..، قد تجد نفسها أمام فراغ استراتيجي واقتصادي إن استمرت في فقدان شركائها واحدًا تلو الآخر. وليس المقصود هنا الشماتة، بل التنبيه إلى أن العلاقات غير المتوازنة لا تدوم، وأن من يزرع التبعية، يحصد الرفض.
إن إفريقيا اليوم لا تطلب المستحيل، بل تطالب بما هو بديهي: شراكة قائمة على الاحترام، وتبادل المصالح، واعتراف كامل بالسيادة. وهي رسالة يجب أن تصل بوضوح إلى باريس: زمن الوصاية انتهى، وزمن الابتزاز ولى، ومن لم يراجع حساباته، سيجد نفسه معزولًا في عالم لا يرحم المتأخرين عن فهم تحولات التاريخ.
وفي الأخير، قد يكون من الحكمة لفرنسا أن تنظر إلى إفريقيا لا كغنيمة، بل كشريك... لأن من لا يتقن فن الشراكة، لن يُجيد إلا العزلة.
المغرب: من موقع التابع إلى شريك يُفرض احترامه
في خضم هذا التحول الإفريقي العام، يبرز المغرب كنموذج استثنائي في إعادة ضبط علاقته مع فرنسا، ليس بالصدام، بل بالوضوح الاستراتيجي والندية المتزنة. فقد تمكنت الرباط، بقيادة محمد السادس، من نقل العلاقة من منطق الإرث الاستعماري إلى منطق المصالح المتبادلة، حيث لم يعد القرار السيادي المغربي قابلاً للمساومة، سواء في القضايا الداخلية أو في الملفات المصيرية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية. اعتمد المغرب على تنويع شراكاته الدولية، والانفتاح على قوى اقتصادية وسياسية جديدة، دون قطع الجسور مع باريس، لكنه في المقابل فرض قواعد جديدة: الاحترام مقابل التعاون. كما أن حضوره القوي في العمق الإفريقي، عبر استثمارات نوعية ومبادرات تنموية وروحية، جعله فاعلاً إقليمياً لا يمكن تجاوزه، وهو ما دفع فرنسا إلى مراجعة مقاربتها، والانتقال من موقع الوصاية إلى موقع الشريك الذي يُدرك أن المغرب لم يعد ذلك البلد الذي يُملى عليه، بل دولة تصنع خياراتها وتفرض موقعها بثقة وذكاء.
حين يتحول الاتكاء إلى عبء
تسير فرنسا اليوم، بكل المؤشرات المقلقة، في اتجاه انكشاف اقتصادي حقيقي، ليس فقط بسبب التحولات العالمية، بل نتيجة تراكمات سياسة خارجية بنيت لسنوات على استنزاف إفريقيا بدل بناء شراكات متوازنة معها. فبعد أن بدأت دول إفريقية عديدة، بأنظمة شابة وواعية، ترفض منطق الابتزاز والوصاية، وجدت باريس نفسها أمام واقع جديد لم تُحسن الاستعداد له. لقد نامت فرنسا طويلًا في "حضن إفريقيا"، واعتبرت مواردها امتدادًا طبيعيًا لاقتصادها، فترسخ نوع من الكسل الاستراتيجي، وغابت الرؤية التجديدية، وتراجعت القدرة على الابتكار الاقتصادي الحقيقي. اقتصاد لم يُبنَ على استثمارات شفافة ومستدامة بقدر ما اعتمد، في جوانب منه، على ما يمكن تسميته ب"الدوباج الإفريقي"؛ أي دعم غير مباشر مصدره علاقات غير متكافئة. واليوم، مع تصدّع هذه المعادلة، يطفو الخلل إلى السطح، ويصبح احتمال الاهتزاز، بل وحتى الانهيار الجزئي، واردًا في أي لحظة إذا لم تُبادر فرنسا إلى مراجعة جذرية لسياساتها، وبناء اقتصاد قائم على الإنتاج الحقيقي لا على إرث نفوذ آخذ في التلاشي.