لم يكن أحد من الذين ينفذون إلى عمق الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية يشك لحظة واحدة في أن يعود للإدارة الأمريكية وعيها ويستيقظ ضميرها لحظة واحدة، وتنظر إلى واقع القضية انطلاقا من القناعة بقيم الإنسانية، وليس نتيجة الرضوخ لضغوط الأسياد من الأوساط الصهيونية النافذة إلى مسالك دماء جسدها، لا أحد كان ينتظر أن تنتصر الإدارة الأمريكية للحق خلال تصويت مجلس الأمن الأخير حول بناء الدولة الفلسطينية المستقلة، جميع أحرار العالم كانوا يدركون مسبقا أن الإدارة الأمريكية لن تفعل وسترضح مرة أخرى لمن عهدت الرضوخ إليه، وستتصدى للحق وللشرعية وللمشروعية الحقيقية، وستقبض من جديد برقبة مجلس الأمن والأمم المتحدة، ولن تسمح لهما بالالتفات إلى ما حولهما والنظر إلى الوجهة الأخرى للعملة، وأنها ستنهار خائرة أمام السيد، وهذا ما حصل بالفعل بأن ما أن تراءى لها قليل من شعاع الحق يطل من بعيد حتى أخرجت سيفها وأشهرته في وجه الجميع، وأخرجت الحاضرين من المحفل معلنة عن نهاية لقطات ممتعة من الكاميرا الخفية، ليعود جميع الممثلين أو اللاعبين إلى مواقعهم التقليدية. والحقيقة أن مقدمي المقترح اعتقدوا أنهم نجحوا على الأقل في إحراج الإدارة الأمريكية أمام العالم، وهذا جوهر الخطإ في اعتقاد تتجدد سيادته باستمرار، لأنه وببساطة كبيرة، هذه الإدارة لم يعد ما يحرجها في هذه القضية، لأن دورها في هذه القضية يقتصر فقط على الرضوخ والسجود للسيد الذي يقبض بالرقبة ويضرب بالعصا من الخلف. إن هذا الأداء السيء جدا الذي يسيء للولايات المتحدة نفسها قبل أن يسيء للآخرين ينزع آخر أوراق توت الحيادية والموضوعية عن الإدارة الأمريكية، وبذلك فإنه ينزع عنها مصداقية الوسيط النزيه في هذا الملف، فمن يستخدم أسلحة الدمار الشامل في المجال الديبلوماسي لترجيح كفة طرف على الآخر لا يمكن أن تصلح وسيطا يسعى إلى تقريب وجهات نظر الأطراف المتخاصمة، ويدعي بأنه بصدد البحث عن حل يرضي جميع الأطراف. مع كامل الأسف، فإن الموقف الأمريكي يعطي الحق والمشروعية الشعبية لدى الشعوب الإسلامية للتنظيمات المتطرفة التي نفضت يدها من أي دور يمكن أن تقوم به الإدارة الأمريكية في هذا الشأن، واختارت الجهاد ضدها، وإن كابرت هذه الشعوب في اعتبار هذه التنظيمات إرهابية، فإن الولاياتالمتحدةالأمريكية حينما تشهر سلاح الفيتو لحماية حكومة الكيان الإسرائيلي فإنها تعلن رسميا دعمها لإرهاب الدولة للإجرام، للإبادة، وهذا لا يقل خطورة بل إنه يتجاوز خطورة ما تقترفه التنظيمات الإرهابية.