إنه سؤال أنطولوجي طرحه المرحوم محمد الكغاط وثريا جبران في مسرحية رائعة لهما بنفس العنوان، وتحكي أن أية انطلاقة تكون مصحوبة بخيبات الأمل والاعتراض ليعاد دائما طرح سؤال: "إمتا نبداو؟". نظن أن منظومة التربية والتكوين باقتراحها لهيكلة جديدة للأكاديميات والمديريات وما رافقها من اختصاصات تتلمس الطريق في محاولة منها للإجابة عن هذا السؤال. الهيكلة الجديدة لا محالة ستبصم المنظومة بتزامنها مع طرح رؤية جديدة للإصلاح سجلت حولها بعض التوافق وهو مالم يحصل سابقا إلا مع الميثاق. هذا التوافق جاء نتيجة المشاورات المفتوحة مع كا فئات الشعب المغربي وأنتجت توصيات خرج من رحمها نص الإصلاح فكانت الهيكلة الجديدة ، التي نظن أنها ستبقى ناقصة إن لم نستطع الإجابة عن سؤال عريض مطروح أمام الجميع: "هل نريد مدرسة تدمج التلاميذ المغاربة في العصر الحديث أو مدرسة غارقة في إشكاليات الماضي ومفصولة عن تحديات زمنها؟" ودائما عندما نحاول الإجابة عن مثل هذا التساؤل يتم الرجوع إلى الهوية والأصالة والتراث، و لكن دون تحديد واضح ودون ضبط للعلاقة بين الأصالة و المعاصرة. ففي نقاشات و مقاربات قضية التربية و التعليم تستحضر دائما ضرورة انغراس المدرسة في التربة المغربية الاجتماعية و الاقتصادية و الهوياتية و الثقافية، لكن يغفل جانب هام وهو الاندماج في العصر. هذا النوع من التعاطي مع المسألة أدى إلى تغليب الجانب الهوياتي والتراثي على الجانب التحديثي للمدرسة المغربية. من هنا يجب تبني نظرة دينامية للتراث و الإقرار بأنه متغير و متجدد و متكيف مع السياق التاريخي و المحيط الدولي. تبني هذه النظرة الدينامية كاف لإجلاء هذا التعارض بين الأصالة و المعاصرة، فلا أحد يمكنه القول أن الحداثة تتحقق بالضرورة على حساب الماضي و التراث، بل المفروض أن نصير حداثيين بتوظيف المكتسبات الإيجابية في ماضينا و تراثنا، و هذا يفترض تغيير نظرتا وتعاطينا مع التراث. فلا هو مضاد للحداثة ولا هو بديل عنها، إنه قوة حضارية و ثقافية يجب توظيفها بالطريقة الأمثل خدمة للحداثة والاندماج في العصر. وقبل هذا وذاك يجب العمل على تأهيل الأسرة المغربية و ضمان حقوق أعضائها. فإذا كانت حقوق الطفل غير مضمونة داخل الأسرة، و إذا كان الطفل يشغل وهو صغير السن لدرجة أنه يخرج أحيانا من المدرسة للاشتغال في الورشة أو الحقل، فإن أي إصلاح للمنظومة سوف لن يبلغ المرجو منه. وبموازاة هذا يجب العمل على تقوية جاذبية المدرسة التي بدأت تتراجع يوم ما بعد يوم نتيجة لتنامي أعداد المعطلين، الاكتظاظ المهول لأعداد المتعلمين ، والاعتداء على العاملين والأطر التربوية،وانعدام تجهيزات أساسية والاشتغال في بنايات مهترئة،... لا بد من تعزيز حرمة المدرسة و تفعيل نظام جديد للتتبع و تقديم الدعم للمدرسين مع إشراك الآباء ومدهم بثقافة بيداغوجية لجعلهم يحرصون على أن تكون للمؤسسة التعليمية الجاذبية المرجوة. كما يتعين نقل المدرسة من مؤسسة للتعليم والتدريس إلى مؤسسة تربوية بكل ما في الكلمة من معنى، تزرع في عقل الطفل ووجدانه القيم الأخلاقية الأساسية والقيم العقلانية والمدنية وقيم السلم والمواطنة وتنميها باستمرار.