كشف عبد الله بوانو عن مجموعة من المعلومات والحقائق بالأرقام والوثائق، والتي تبرز "فضيحة" صفقة الأدوية بين وزير الصحة أمين التهراوي ووزير التربية الوطنية سعد برادة، مبرزا مجموعة من المعطيات التي تكشف تعاقد وزارة الصحة مع شركة "فارما بروم" وتحويلات مالية مهمة منذ سنة 2023. واتهم رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش، ب"التطبيع مع الفساد" منذ سحبها للقوانين المتعلقة بمكافحته، مثل قانون الإثراء غير المشروع واحتلال الملك البحري والمقالع، وسقوط رئيس الحكومة في تضارب المصالح في صفقة تحلية مياه البحر، وتزويد المكتب الوطني للكهرباء بالفيول، معتبرا أنه مهد الطريق لبعض الوزراء للحصول على صفقات بدورهم والسقوط في تضارب المصالح. وأوضح بوانو أن قضية استفادة وزير التعليم من صفقة الأدوية لم تكن في الحسبان أو تم التوجه إليها مباشرة، بل جاءت نتيجة بحث ودراسة قامت بها المجموعة النيابية لحزبه، لمشروع قانون المالية 2026، والذي عرض بالبرلمان للمناقشة، بهدف البحث عن بعض الإشكالات، لكن ما أثار الشكوك والتساؤلات هو الإجراءات المتخذة في قطاع الأدوية، خاصة وأن الحكومة أدرجت الأدوية في قوانين المالية السابقة: 2022 و2023 و2025، ثم في سنة 2026، تتعلق بتخفيض الإعفاءات الجمركية ل 500 نوع من الأدوية، من 30 % إلى 2.5 %، مشيرا إلى أن المشكل ليس شخصيا مع الوزراء أو مع أي شركة كيفما كانت، بل إن الأمر يتعلق بمسار للبحث في الإجراءات تتضمنها قوانين المالية، مبرزا أن هناك شركة مغربية تشتغل منذ عقود في قطاع الأدوية، وكانت تنتج وتوزع مادة البوتاسيوم، وقامت بتوسيع المصنع وتقدمت بطلب إلى وزارة الصحة من أجل الحصول على الإذن لإعادة إنتاج وبيع الدواء، وظلت تنتظر 6 أشهر دون جواب من الوزارة، حيث تم تهميش الشركة بعد نفاذ المخزون وعدم التجاوب مع طلبها، وعوض منح الوزارة رخصة التصنيع والاستيراد للشركة صاحبة الإذن، منحت رخصة الاستعمال المؤقت لشركة "فارما بروم" التي كان يسيرها الوزير سابقا، مستغربا من توصل شركة الوزير بالمعلومة بخصوص النقص في مادة البوتاسيوم في القطاع العام والخاص، وكيف قامت بإعداد الملف في ظرف قياسي يتطلب بعض الوقت لمعرفة حجم الخصاص، لتحصل على الترخيص ضمن 350 رخصة منحت للشركات في هذه السنة. وحسب بوانو، فإن شركة وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة "فارما بروم"، توجد في وضعية تحليل، حيث تشتغل فقط في الاستيراد، وتمتلك رخصة "مؤسسة صناعية"، لكنها في الواقع لا تصنع الدواء المطلوب (كلوريد البوتاسيوم)، بل تستورده، مبرزا أن الوزارة الوصية عوض أن تطرح طلب عروض دولي للاستيراد كما يقتضي القانون، تم منح هذه الشركة "رخصة مؤقتة للاستخدام"، لا سيما وأن صفقات وزارة الصحة 50 % منها تمر عبر "التفاوض المباشر" وليس عبر المنافسة بين الشركات، موضحا أن مسار "فارما بروم" التي تأسست في 2010، عرف تطورا ملحوظا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ عاشت وضعية مالية صعبة بسبب انخفاض رأسمالها لأقل من الربع، ولم تحصل على أي صفقة في سنة 2021، لكن في سنة 2024، حصل تطور في الشركة، إذ تم استوزار رئيسها في أكتوبر 2024، وفي فاتح نونبر قدم استقالته من الشركة، وتم تعيين مدير جديد بعده، لكن في ثاني دجنبر تلقت الشركة مساهمات وتبرعات من مساهمين آخرين بدون تحديد صفقتهم، مضيفا أن الشركة بعد ذلك حصلت على صفقات من الإدارة المركزية للصحة حوالي 3 ملايير في 2024، ثم ثلاثة ملايير ونصف في سنة 2025، بمجموع 47 مليون درهم في ظرف سنتين فقط، وأكد أن معاملات وأرباح "فارما بروم" تضاعفت، ومن ذلك تضاعف النشاط التجاري للشركة ب 85 % خلال 2024، وتضاعفت الأرباح بثلاث مرات بعد أن بلغت 200 %، حيث حصلت على 39 % من الصفقات سنة 2024 و61 % في 2025. وقدم بوانو مجموعة من المعطيات الدقيقة حول علاقة الوزير مساهما أو مسيرا لشركة "فارما بروم"، من بينها وثائق (محاضر اجتماعات الجمعية العامة للشركة) تحمل توقيعه وتواريخ لاحقة لتعيينه في الحكومة (مثلا تعين في أكتوبر 2024، وتوقيع محاضر في نونبر 2024)، إذ أن محاضر الشركة تؤكد حضوره لبعض اجتماعات مجلسها الإداري وغيابه عن بعضها في سنة 2025، معتبرا أن الاستقالة لم تكن قانونية أو مفعلة في السجل التجاري إلا بعد فوات الأوان وبعد تمرير صفقات، مما يثبت حالة تضارب المصالح الصريح. وتحدث عبد الله بوانو عن وجود احتكار وأرباح فاحشة في سوق الأدوية، من خلال كشفه عن أرقام صادمة، حيث يتم استيراد مواد أولية أو أدوية بأسعار بخسة (درهم أو درهمين) ويتم بيعها للمستشفيات والعموم بأسعار خيالية (تصل ل 290 درهما)، محققين هوامش ربح تصل إلى 25000 % في بعض الحالات، أو فوارق ب 320 مليون درهم تكلفة إضافية ناتجة عن الفارق بين سعر الاستيراد وسعر البيع، وأشار إلى أن صفقات وزارة الصحة 50 % منها تمر عبر "التفاوض المباشر" وليس عبر المنافسة الشريفة، متسائلا عن الجدوى من الإعفاءات الجمركية إذا لم تنخفض أسعار الأدوية في السوق الوطنية رغم الإعفاءات الضريبية التي أقرتها الحكومة (TVA ورسوم الاستيراد)؟ وأين تذهب هوامش الربح الناتجة عن هذه الإعفاءات؟ كيف تم منح رخص "الاستخدام المؤقت" (ATU) لشركة معينة لاستيراد دواء، بدلا من اتباع مسطرة طلبات العروض الدولية لضمان الشفافية وأفضل الأسعار؟ كيف يوقع وزير على محاضر شركات خاصة بصفته مسيرا أو مساهما وهو يمارس مهامه الحكومية في نفس الوقت، ضاربا المادة 33 من القانون التنظيمي للحكومة بعرض الحائط؟ ولماذا تقف مؤسسات الرقابة (مجلس المنافسة، الهيئات الحكومية) عاجزة أو صامتة أمام هوامش الربح الفاحشة التي تصل إلى 25000 % في بعض الأدوية الحيوية ؟ وتكشف دراسة أنجزها صندوق الضمان الاجتماعي وإدارة الجمارك، أن أسعار الأدوية في المغرب مرتفعة مقارنة مع فرنسا وبلجيكا، إذ تتراوح فوارق الأسعار بين المغرب وبلدان المقارنة من 1 % إلى 1158 %، وبالقيمة المطلقة من 1 درهم إلى 23 ألف درهم، أما هوامش الأسعار المصرح بها في الجمارك وأسعار البيع للمستهلك، فتتراوح من 13 % إلى 278 %، تتعلق ب 95 دواء مستوردا، وقيمة الفرق هي 320 مليون درهم هي التكلفة الإضافية الناتجة عن الفارق بين أسعار المغرب وأسعار الدول الأخرى، مشيرا إلى أن عدد الأدوية المستوردة التي جاءت بها الحكومة في قانون المالية، يتم بيعها في السوق بنسبة أرباح تتراوح بين 100 % و260 % يقول بوانو، مشيرا إلى أن المجلس الأعلى للحسابات تحدث – في تقرير له – عن اختلالات في تدبير صفقات الأدوية، أبرزها الاحتكار وغياب المنافسة الحقيقية، مما نتج عنه ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر، 1229 يعني 25 % من الأدوية توجد في وضعية احتكار، وهوامش الربح في المغرب تتجاوز بكثير تلك المعمول بها في الدول السبع المعيارية (فرنسا، تركيا، البرتغال، مصر، والسعودية...)، وأيضا مجلس المنافسة يقول بأن الإطار القانوني لمنح الإذن بالعرض في السوق غير كاف ومتجاوز، وأن سوق الأدوية سوق احتكارية أو شديدة التركيز في مجالات حيوية، مثل اللقاحات وبعض علاجات السرطان، إلى جانب المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذي بدوره رصد بأن 40 % من الحاجيات نستوردها من الخارج.