حذرت دراسة أكاديمية حديثة من المخاطر المتزايدة للتكنولوجيا الرقمية على الديمقراطية، مؤكدة أن التحولات الرقمية أصبحت فاعلا مؤثرا في توجيه الرأي العام والسلوك السياسي، بما قد يضعف المبادئ الديمقراطية الأساسية.
الدراسة، التي أنجزها عبد العلي حامي الدين أستاذ القانون العام والعلوم السايسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، بعنوان "التكنولوجيا الرقمية كتهديد للديمقراطية: من زاوية الفلسفة السياسية"، والصادرة ضمن العدد ال53 من مجلة "كلية القانون الكويتية العالمية"، سعت إلى تفكيك التحولات العميقة التي أحدثتها المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في المجال العام وفي الممارسة السياسية المعاصرة.
وأبرزت أن التفاؤل الذي رافق بدايات الثورة الرقمية، باعتبار الإنترنت وسيلة لتعزيز المشاركة السياسية وتوسيع هامش حرية التعبير، لم يصمد أمام التحولات الواقعية، فقد أفرز الفضاء الرقمي، بحسب الباحث، مجالا عاما جديدا تحكمه الخوارزميات ومنطق الربح، بدل النقاش العقلاني والتداول الحر للأفكار، مسجلة أن المحتوى السياسي المتداول عبر المنصات الرقمية أصبح خاضعا لاقتصاد "الانتباه"، حيث يتم تفضيل المواد المثيرة والمستقطبة، ما يسهم في تغذية الاستقطاب وإضعاف الثقة في النقاش العمومي.
وتوقفت الدراسة عند تأثير التكنولوجيا الرقمية على العمليات الانتخابية، مشيرة إلى أن الحملات السياسية باتت تعتمد بشكل متزايد على الإعلانات الرقمية الموجهة وتحليل البيانات الشخصية للناخبين، وهو ما يطرح إشكالات تتعلق بتكافؤ الفرص ونزاهة الاختيار الديمقراطي.
وفي السياق المغربي، أبرزت الدراسة أن الفضاء الرقمي أصبح عنصرا مؤثرا في العملية الانتخابية، حيث لعبت الحملات الرقمية دورا محوريا في نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021، حيث كشف الباحث أن حجم الاستثمار في الإعلانات الرقمية واستهداف الناخبين عبر البيانات الشخصية أصبح عاملا حاسما في التنافس السياسي، ما أعاد ترتيب أولويات الحملات الانتخابية من الخطاب السياسي إلى أدوات التأثير الرقمي.
وتشير أرقام الدراسة إلى أن حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي احتل المرتبة الأولى في انتخابات 8 شتنبر 2021، كان الأكثر إنفاقا في الحملات الرقمية على صفحاته الرسمية على فيسبوك وإنستغرام، حيث بلغ إنفاقه حوالي 252 633 دولارا، يليه حزب الاستقلال ب 25 668 دولارا، بينما لم يتجاوز إنفاق حزب العدالة والتنمية 2 055 دولارا فقط.
وتكشف أرقام مدى الوصول الرقمي الذي حققته الحملات المختلفة أن حزب التجمع الوطني للأحرار وصل إلى 245.3 مليون شخص، فيما وصل خطاب حزب العدالة والتنمية إلى 166.5 مليون شخص فقط.
ولا يقتصر التأثير الرقمي في المغرب على حجم الإنفاق فحسب، بل يمتد إلى مدى وصول الرسائل وتأثيرها على السلوك السياسي. فقد بينت الدراسة أن الحملات الرقمية استطاعت الوصول إلى مئات الملايين من المستخدمين عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو رقم يفوق بكثير ما كانت تستطيع وسائل الإعلام التقليدية تحقيقه في السابق.
وتناولت أيضا المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة، مثل العدالة والأمن، مؤكدة أن الاعتماد غير المنضبط على هذه التقنيات قد يؤدي إلى انتهاك حقوق أساسية، من بينها قرينة البراءة والمساواة أمام القانون.
وخلصت الدراسة إلى أن التكنولوجيا الرقمية تحولت إلى فاعل مؤثر في المجال السياسي يوجه السلوك الانتخابي بآليات غير مرئية، ضمن ما يسمى ب"رأسمالية المراقبة"، حيث يتم جمع وتحليل المعطيات الشخصية للتنبؤ بالاختيارات السياسية والتأثير عليها، مبرزة أن هذا التحول الرقمي العميق يضعف النقاش العمومي القائم على التداول العقلاني ويجعل الديمقراطية المغربية تواجه تهديدا بنيويا مرتبطا بتحويل مراكز القرار من المؤسسات المنتخبة إلى منصات رقمية وشركات تكنولوجية عابرة للحدود، بما قد يقوض حرية التعبير والاختيار السياسي.