الاتفاق الموقع يوم 15 يونيو1972، بين المغرب والجزائر والمنشور في الجريدة الرسمية الجزائرية، ينص بشكل مباشر على أن حديد منجم غارة جبيلات الواقع في منطقة تندوف، سيتم استغلاله بشكل مشترك بين المغرب والجزائر. اتفاق يتم اليوم بعد 54 عاما من خروجه إلى العلن خرقه من طرف السلطات الجزائرية التي راهنت على العامل الزمني للتراجع عن تقاسم موارد المنجم، وهو ما يعيد النقاش إلى السطح حول ما إذا كان المغرب سيطالب بحقوقه المشروعة وفق الاتفاقية الموقعة. وبالعودة إلى ما نشر في تلك الفترة في الجريدة الرسمية الجزائرية عام 1973، نقرأ ما يلي: "باسم الشعب، إن رئيس الحكومة رئيس مجلس الوزراء بناء على تقرير وزير الشؤون الخارجية، وبمقتضى الأمرين رقم 63 – 182 ورقم 20 – 53 المؤرخين في 12 ربيع الأول عام 1385 الموافق 10 يوليو سنة 1965 و 18 جمادى الأولى عام 1390 الموافق 21 يوليو سنة 1970 والمتضمنين تأسيس الحكومة، وبناء على التصريح الجزائري – المغربي الصادر بالرباط في 3 جمادى الأولى عام 1392 الموافق 15 يونيو سنة 1972، وبعد الاطلاع على اتفاقية التعاون المبرمة بين الجزائر والمغرب من أجل استثمار منجم غارة جبيلات، والموقعة بالرباط في 3 جمادى الأولى عام 1392 الموافق 15 يونيو سنة 1972 . يأمر بما يلي: المادة 1: يصادق على اتفاقية التعاون المبرمة بين الجزائر والمغرب من أجل استثمار منجم غارة جبيلات، والموقعة في الرباط في 3 جمادى الأولى عام 1392 الموافق 15 يونيو سنة 1972، وتنشر في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. المادة 2: ينشر هذا الأمر في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. وحرر بالجزائر في 14 ربيع الثاني عام 1393 الموافق 17 مايو سنة 1973 . التوقيع هواري بومدين". الجريدة الرسمية نشرت تفصيلا للاتفاقية تحت عنوان "اتفاقية للتعاون بين المغرب والجزائر من أجل استثمار منجم غارة جبيلات" تقول حرفيا: "إن جلالة ملك المغرب وفخامة رئيس مجلس الثورة رئيس مجلس وزراء الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية تطبيقا للاتفاق التاريخي الحاصل في تلمسان في 11 ربيع الأول عام 1390 والموافق 27 ماي سنة 1970 بين جلالة ملك المغرب وفخامة رئيس مجلس الثورة، رئيس مجلس وزراء الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، وحرصا منهما على تمتين الروابط بين البلدين، وخاصة في الميدان الاقتصادي، ونظرا لأن الجزائر هي مالكة منجم حديد غارة جبيلات في ترابها والخاضع لسيادتها الكاملة والشاملة. ونظراً لأن المغرب يتوفر بواسطة ترابه خاصة على إمكانيات لتصريف معدن حديد غارة جبيلات وشحنها عن طريق ميناء مغربي يقع على شاطئ المحيط الأطلسي، يقرران في إطار استثمار منجم غارة جبيلات، أن يعملا على تظافر جهودهما، وأن يتعاونا وفق أفضل الشروط الاقتصادية وأن يبادرا للعمل في أقرب الآجال. وبناء على ذلك عينا مفوضيهما سعادة السيد أحمد الطيبي بن هيمة وزير الشؤون الخارجية للمملكة المغربية وسعادة السيد عبدالعزيز بوتفليقة، وزير الشؤون الخارجية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية اللذين بعد أن تبادلا وثائق تفويضهما المعترف بصحتها صيغة وقانونيا. اتفقا على المقتضيات الآتية: المادة الأولى: يتم عند دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ وفي أقرب الآجال تأسيس شركة جزائرية مغربية لاستثمار منجم غارة جبيلات ويشار إليها في ما يلي باسم الشركة الجزائرية المغربية. وبأحرفها الأولى: ش.ج. م. المادة الثانية: تقوم هذه الشركة بالمهمة التالية: نقل 700 مليون طن من معدن حديد غارة جبيلات بواسطة سكة حديدية من المنجم حتى ميناء الشحن، وشحنها على البواخر وتسويقها، وتقوم الشركة بنفسها عند الاقتضاء بعمليات النقل البحري. القيام بجميع الدراسات الفنية والاقتصادية والمالية المتعلقة باستخراج معدن غارة جبيلات وبتهيئته، وكذلك تلك المتعلقة بالنقل والشحن على البواخر والتسويق لكميات المعدن المبينة في الفقرة السابقة وذلك طبقا لأحكام هذه الاتفاقية. السعي للحصول على كل الوسائل التمويلية الكفيلة بتحقيق مهمتها.
مناورات جزائرية
لم ير نص الاتفاقية النور سوى بعد مناورات طويلة من طرف الجانب الجزائري، والذي حاول أكثر من مرة تقديم تفسيره الخاص لمفهوم التعاون المشترك في استغلال موارد المنجم. عبدالهادي بوطالب في كتابه "نصف قرن من السياسة" يكشف بعض التفاصيل، كواحد ممن ساهموا في المفاوضات المغربية الجزائرية حول ترسيم الحدود بين الطرفين، والتي أفضت في النهاية إلى الوصول لاتفاق عام 1972. فيؤكد أن الملك الراحل الحسن الثاني كشف له عن فحوى ما اتفق حوله مع بومدين، وهو ما أشار إليه بقوله: "قال لي إن الاتفاق مع الجزائر تضمن شقين: هما تسليم المغرب للجزائر التراب المختلف عليه وقيام الطرفين بوضع معالم حجرية على الحدود القائمة بما يجعل من التراب المغربي ترابا جزائريا. ومن جهة أخرى تم الاتفاق على إقامة شراكة ثنائية مغربية – جزائرية في منجم غارة جبيلات الواقع في ما كان يسمى التراب المغربي: يتم إنتاجه مناصفة بين البلدين، على أن يؤمن المغرب للجزائر المرور عبر سكة حديدية لإفراغ إنتاج المنجم في ميناء مغربي على المحيط الأطلسي لتصديره وتسويقه".
لم يكتف الحسن الثاني بإخبار بوطالب بما تم التوصل إليه فقط، لكن أيضا تم تكليفه بمتابعة تنفيذ الاتفاق مع عبدالعزيز بوتفليقة، وأوصاه بما وصفه في ذات الكتاب عندما قال: "عجل بهذا الموضوع حتى يدخل الاتفاق حول منجم غارة جبيلات حيز التطبيق". هذا التعجيل جعله يلاحق بوتفليقة الذي كان يتهرب من الجلوس معه حتى التقيا في لوساكا الزامبية في قمة إفريقية. وما تلا ذلك من مماطلات يرويها بالتفصيل الممل بوطالب في كتابه، إلى أن نجح في حمله على الجلوس من أجل معالجة موضوع المنجم تنفيذا لتعليمات الملك الحسن الثاني.
يضيف بوطالب أن بوتفليقة عاجله بسؤال مفاجئ بقوله: كيف تفهمون في المغرب محتوى الاتفاق على شراكتنا في منجم غارة جبيلات؟ فقلت: نفهمه كما قيل عنه (بصيغة المجهول) أن ما ينتج من منجم غارة جبيلات تسوقونه أنتم عن طريق سكة حديدية عبر المغرب باتجاه ميناء مغربي يقع على المحيط الأطلسي. ويقسم ريعه مناصفة بيننا، فكان تعليقه: الأمر كذلك. لكن كيف تفهمونه؟. فقلت له: الكلام واضح بما لا يقبل أية إضافة فكيف تفهمون أنتم ذلك؟ هل لكم فهم آخر؟. فقال: نفهم أننا اتفقنا أولاً على أن التراب الذي يقع فيه المنجم هو تراب جزائري. قلت له: وماذا بعد؟ فأضاف: وأيضا على أن نتقاسم مناصفة ما يفضل عن حاجات الجزائر الذاتية وحاجاتها للتصدير والتسويق فسألته: ومتى تتوقف حاجاتكم عن المزيد: إن معنى ما قلته أن الاتفاق لن ينفذ أبدا. فقال: لا تعط الموضوع كل هذه الأهمية، فنحن على استعداد لتنفيذه، لكننا أحق الناس بمنجمنا وبعد ذلك نتقاسم مناصفة. قلت له: أهكذا تفهم أنت الاتفاق؟ فكان جوابه: هذا ليس فهمي، بل هذا موقف الجزائر: موقف الرئيس بومدين وموقف جبهة التحرير الجزائرية. وبلغوه هكذا إلى جلالة الملك.
تجاهل وتنويم لاتفاقية شرعية
لقاء بوطالب وبوتفليقة، أدخل الاتفاقية إلى المجهول، لكون ما قاله ممثل الجزائر يؤكد رغبة مبطنة منذ أزيد من خمسة عقود في عدم تطبيق أي مما ورد في هذه الاتفاقية، خاصة بعد تفجر ملف الصحراء المغربية التي حاولت الجزائر استغلاله من أجل البحث عن منفذ عبر المحيط الأطلسي دون أن تكلف نفسها عناء الوفاء بتعهداتها وفقا لهذه الاتفاقية، التي شكل التراجع عنها انتهاكا للقانون الدولي.
هذا ما يطرح السؤال اليوم حول ما إذا كان المغرب سيطالب بحقوقه التي تم توثيقها في اتفاقية 1972 بهذا الخصوص، في ظل إصرار جزائري يصل إلى درجة الاستفزاز في الاستفراد باستغلال موارد هذا المنجم التي تصل حسب ما كشفه الجانب الجزائري نفسه إلى حوالي 3.5 مليار طن من الحديد، منها 1.7 مليار طن قابلة للاستغلال مع رواسب تمتد على طول 131 كيلومتر مربع، وتوقعات بأن تصل إيراداته السنوية إلى 10 مليار دولار.
خرق للقانون الدولي
وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل الجزائري، سعيد سعيود، قام يوم الجمعة 23 يناير 2026 بزيارة لموقع جبيلات في تندوف وأطلق تصريحات صحفية من هناك يؤكد من خلالها أن المنجم قد دخل فعليا مرحلة الاستغلال، معتبرا، وفقا لما نقله موقع "قناة الجزائر الدولية AL NEWS 24″، أن "استغلال هذا المنجم كان حلما طال انتظاره لدى الجزائريين، ليصبح اليوم واقعا ملموسا بفضل الحضور القوي للدولة واعتمادها على كفاءات وشركات جزائرية، سواء من حيث الموارد البشرية أو الإمكانيات المادية" معلنا عن الشروع في تسويق أولى شحناته قبل نهاية الربع الأول من عام 2026 . قبل ذلك، تم تجنيد الآلة الإعلامية الجزائرية من أجل تبشير المواطنين هناك بمنافع هذا المنجم وما سيجلبه لهم من خيرات، مع تبرير التأخر في استغلاله بأنه راجع إلى "واقع سياسي وأمني معقد خاصة في ظل هشاشة الأوضاع في الجهة الغربية للوطن. إضافة إلى عدم امتلاك التكنولوجيا المؤهلة لاستخلاص الحديد من نوعيته ذات الفوسفور العالي"، كما كتب موقع "الجزائر اليوم" يوم 10 دجنبر الماضي، دون أن تتم الإشارة من طرف هذا الإعلام لاتفاقية 15 يونيو 1972 لا من قريب أو بعيد، في تماه تام مع ما سبق أن أعلنه الرئيس عبدالمجيد تبون يوم 16 نونبر الماضي عندما قال في أعقاب اجتماع مجلس الوزراء بأن "الشروع في الاستخدام والاستغلال المحلي لخام الحديد المستخرج، من منجم غارة جبيلات، بداية من 2026، سيكون الحدث الأهم من نوعه في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال".
أمام هذا الواقع، نعيد طرح سؤال سبق للمستشار المتخصص في العلاقات الدولية بالأمم المتحدة الدكتور محمد بنيس أن نبه قبل إليه قبل خمس سنوات عندما تساءل في مقال له بعنوان "قرار الجزائر استغلال منجم غارة جبيلات يشكل انتهاكا لاتفاقية 1972 وهدية للمغرب": هل سيكون توقيع الجزائر لاتفاق استغلال المنجم مع أي طرف مخالفا للقانون الدولي، وهل ستكون الجزائر ملزمة بتنفيذ اتفاقية التعاون التي أبرمتها مع المغرب بتاريخ 15 يونيو 1972 حول استثمار منجم غارة جبيلات؟!