يخلّد المغرب، على غرار كل سنة، اليوم الوطني للسلامة الطرقية الذي يصادف 18 فبراير، باعتباره محطة سنوية للتوعية بخطورة حوادث السير، واستحضار الأرواح التي تُزهق يوميًا على الطرقات. غير أن رمزية هذا اليوم لا ينبغي أن تختزل في أنشطة ظرفية أو شعارات موسمية، بل يفترض أن يشكل مناسبة متجددة لترسيخ ثقافة مرورية قائمة على احترام القانون وصون الحق في الحياة. تكتسي أهمية تخليد هذا اليوم بعدًا تربويًا عميقًا، خاصة في ما يتعلق بتنشئة الأجيال الصاعدة. فالمدرسة، إلى جانب الأسرة، مطالبة بغرس قيم احترام قانون السير منذ السنوات الأولى، ليس فقط عبر دروس نظرية، بل من خلال برامج تطبيقية وأنشطة تحسيسية مستمرة. فالتربية الطرقية ليست مادة هامشية، بل هي مدخل أساسي لبناء سلوك مدني مسؤول، يعي أن الطريق فضاء مشترك تحكمه قواعد ضامنة لسلامة الجميع. وتكشف الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA) أن حوادث السير ما تزال تحصد آلاف الضحايا سنويًا، بين قتلى وجرحى، في نزيف بشري واقتصادي مستمر. ويُعدّ عدم احترام قانون السير، من سرعة مفرطة، وتجاوز خطير، وعدم استعمال حزام السلامة أو الخوذة الواقية، من أبرز أسباب هذه الحوادث. كما أن الاستهتار بقواعد العبور من طرف بعض الراجلين، وعدم الانتباه أثناء السياقة بسبب استعمال الهاتف، يفاقمان من خطورة الوضع. وهو ما يبرز ارتفاع على مستوى الاحصائيات المسجلة سنة 2025 مقارنة بسنة 2024 حيث تم تسجيل 160.347 حادثة سير بدنية، أي بزيادة قدرها 12,7٪، و 4.577 قتيلاً، بزيادة قدرها 25,5٪، و10.333 جريحًا بجروح بليغة، أي بزيادة قدرها 10,8٪، و 214.451 جريحًا بجروح خفيفة، بزيادة قدرها 11,2٪. إن السلامة الطرقية مسؤولية جماعية لا يمكن اختزالها في جهاز أمني أو مؤسسة بعينها. فالسائق مطالب بالتحلي باليقظة والانضباط، والراجل مدعو إلى احترام ممرات العبور وإشارات المرور، كما أن المسؤولين الحكوميين معنيون بتجويد البنية التحتية، وتعزيز المراقبة، وتكثيف حملات التحسيس المستدامة. إنها مسؤولية تقاسم أدوار بين مختلف الفاعلين، لأن الطريق فضاء عمومي مشترك، وأي إخلال من طرف واحد قد تكون له عواقب مأساوية على الجميع. غير أن اللافت هو الغياب النسبي لدور مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى، كالجمعيات ووسائل الإعلام والأندية الثقافية والرياضية، في ترسيخ ثقافة السلامة الطرقية بشكل دائم. فالتوعية لا ينبغي أن تظل رهينة بيوم وطني أو أسبوع تحسيسي، بل تحتاج إلى مقاربة مستدامة تُدمج في البرامج الإعلامية والتربوية والاجتماعية طيلة السنة. كما أن احتفال هذه السنة مرّ في أجواء خافتة نسبيًا، سواء على مستوى الإعلام الرسمي أو حتى عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقارنة بحجم التحديات التي يطرحها هذا الملف. فضعف التغطية الإعلامية يقلل من الأثر التواصلي لهذه المناسبة، ويحدّ من قدرتها على تحريك النقاش العمومي حول سبل الحد من حوادث السير. إن تخليد اليوم الوطني للسلامة الطرقية ينبغي أن يكون لحظة تقييم ومساءلة بقدر ما هو مناسبة للتحسيس. فالحفاظ على الأرواح مسؤولية أخلاقية وقانونية مشتركة، تتطلب وعيًا جماعيًا دائمًا، وإرادة حقيقية لتحويل ثقافة السير من سلوك ظرفي إلى ممارسة يومية راسخة.