أكدت المملكة المغربية وجمهورية التشيك، اليوم الخميس بالرباط، إرادتهما المشتركة القوية للارتقاء بعلاقتهما الثنائية إلى مستوى استراتيجي لفائدة دينامية وصفها الطرفان ب"غير المسبوقة"    بايتاس: إصلاح التعليم خيار استراتيجي ورفع الأجور يشمل 330 ألف موظف    مجلس الحكومة يصادق على مقترحات تعيين في مناصب عليا    مجلس الحكومة يصادق على مشروعي مرسومين يتعلقان بانتخاب أعضاء مجلس النواب    الجابر يحصد جائزة "القيادة العالمية"    معظم الأساتذة بالمغرب غير راضين عن أجورهم ويشتكون من كثرة المهام البيداغوجية والإدارية    كلميم.. "فيدرالية اليسار" تستنكر خرق شركة النقل لدفتر التحملات وتطالب بالتدخل لوقف الزيادات الأحادية    بايتاس: تلقينا نحو 68 ألف طلب للاستفادة من دعم النقل    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    السنغال تتمسك باللقب وترفض إعادة كأس إفريقيا إلى المغرب        البرلمان الأوروبي يوافق على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة بشروط    "أسود الأطلس" يبدأون عهد محمد وهبي بمواجهة "إلتري كولور" في مدريد    نشرة إنذارية.. زخات رعدية محليا قوية مع تساقط البرد يومي الخميس والجمعة بعدد من مناطق المملكة    استئنافية طنجة تُخفّض عقوبة التكتوكر آدم بنشقرون    رئاسة النيابة العامة تكشف عن خارطة طريق استراتيجية 2026-2028 لتعزيز منظومة العدالة    الحرب تؤجل قرعة نهائيات كأس آسيا    العصبة الاحترافية تتسلم رسالة ودادية    "تلوث" وراء سحب دواء في المغرب    بعد المواجهات التي خلفها فتح طريق لمقلع أحجار بقلعة السراغنة.. مطالب باعتماد الحوار بدل القوة        بنسعيد: وتيرة التطور في الذكاء الاصطناعي تتجاوز آليات المراقبة الأكاديمية    معرض يحتفي بالمكسيكيات في الرباط    وفد أممي يختتم زيارة ميدانية لتقييم أداء "المينورسو" في الصحراء المغربية    مونديال 2026.. المرحلة الأخيرة من بيع التذاكر تفتح في الأول من أبريل المقبل    فينيسيوس يحسم الجدل: مستقبلي مع ريال مدريد ولا أفكر في الرحيل    اتفاقية مغربية-فرنسية لاستغلال بيانات السجل المدني في أبحاث الوفيات والأسرة    بعد جمع حوالي 300 ألف توقيع إلكتروني.. إطلاق عريضة قانونية لإلغاء الساعة الإضافية    كفاءة مغربية تنضم لخبراء "S&P Global"    توقيف المغني Gims رهن التحقيق.. هل تورط في شبكة دولية لتبييض الأموال؟    مكناس تحتضن الدورة ال18 للمعرض الدولي للفلاحة في صيغة موسعة تمتد لتسعة أيام    صحيفة La Razón الإسبانية: المغرب وإسبانيا... تحالف أمني نموذجي في خدمة استقرار المتوسط    إجهاض مخطط للهجرة السرية بأكادير وتوقيف المتورطين    تمهيدا للمصادقة النهائية.. الكنيست الإسرائيلي يقر مشروع قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين    الأداء السلبي يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    المكتب الوطني المغربي للسياحة يعزز الشراكة مع الفاعلين الأمريكيين ويعزز ثقة السوق في وجهة المغرب    فاس.. عرض "نوستالجيا" يغوص بالجمهور في أبرز محطات تاريخ المملكة        دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    مدرب إسبانيا: لامين يامال موهبة فريدة ولمساته سحرية    اليابان تواصل اللجوء للنفط الاحتياطي    المغرب ‬الصامد ‬الواثق ‬من ‬نفسه ‬وسط ‬العواصف ‬الجيوسياسية    صدمة ‬أسعار ‬المحروقات ‬تكشف:‬ المغرب ‬يضاعف ‬زيادات ‬الأسعار ‬مقارنة ‬مع ‬دول ‬أوروبية    دولة تنهار وأخرى تتقهقر    ترامب يؤكد أن إيران تريد اتفاقا لإنهاء الحرب وطهران تقول إن لا نية للتفاوض    الجيش الإسرائيلي يشن ضربات "واسعة النطاق" في إيران وطهران ترد بصواريخ على إسرائيل ودول خليجية    اعتقال مغني الراب "ميتر جيمس" بفرنسا    "كلام عابر": تحول النص والمعنى والوجود في الهيرمينوطيقا والتأويل عند بول ريكور        3 ملايين يورو مقابل التنازل.. دفاع سعد لمجرد يفجر مفاجأة "الابتزاز" أمام محكمة باريس    بمناسبة اليوم العالمي.. وزارة الصحة تكشف نسب حالات السل الجديدة بالمغرب    بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة السل.. وزارة الصحة: 53 في المائة من حالات السل الجديدة المسجلة بالمغرب خلال سنة 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    وزارة الصحة: أكثر من نصف حالات السل الجديدة في المغرب عام 2025 تتعلق بالأشكال خارج الرئة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موضوعة السينما في رواية" أوراق" لعبد الله العروي

إن فهم السينما باعتبارها فنا متعددا يفسح المجال أمام تحقيق فهم جيد للأعمال الإبداعية برمتها. لأن السينما توجد في ملتقى الطرق بين علم الجمال والتاريخ. إنها فن من فنون التأويل مثلما هو الفن الموسيقي أو التمثيل. لقد تعرف "إدريس" في فرنسا وبسرعة فائقة على الأشكال السينمائية كما تعرف على الإنارة والمرآة والصوت واللقطة والإيقاع والسيناريو. فانبهر بهذا الاكتشاف الجديد. غير أن فرنسا لا يمكن أن تختزل إلى هذه الأداة السحرية الآلية فقط، وإنما:"ذوق إدريس تكون بالتأكيد في عاصمة فرنسا...باريس عاصمة السينما" .
"السينما تحفة شاملة، فن أسمى بامتياز"
Roland Recht,inSuzanne Liandrat-Guigues,Jean Louis Leutrat,
Penser Le Cinéma,Klinksiek,Paris,2001,p.66.
إن الجهود التي بذلها نقاد الأدب و مؤرخوه لتأسيس نظرية أدبية حديثة، قد تطورت بفضل الدراسات المتمركزة حول مضمون الأعمال الإبداعية.ذلك أن الهم الذي شغل مؤسسي هذا المجال من البحث، هو إعادة إدماج هذه الدراسات في موقعها الصحيح داخل شبكة الأشكال الأدبية و الفنية بعامة،و استخراج البنيات الشكلية التي توجه التنظيم الأدبي بخاصة.
ولقد اهتمت النظرية الحديثة الخاصة بالموضوعات الأدبيةThèmes Littéraires بقضايا من قبيل: التضريس الموضوعاتي Relief Thématique والبنية الداخلية للموضوعاتية، أي العناصر المكونة للموضوعاتية و معجمها، والموضوعاتية وعلاقتها بالقراءة، والموضوعاتية والتاريخ الثقافي. وارتباطا بهذا الموضوع الأخير، فإن مسعانا في هذه المقاربة يتغيى إبراز الطريقة التي تشتغل بها موضوعة السينما في رواية "أوراق "لمؤلفها عبد الله العروي في ارتباطها بموضوعات أدبية أخرى وأفكار جمالية وتاريخية وعاطفية.
يطالعنا الناشر، وهو يتحدث في مقدمة الكتاب عن "إدريس" الشخصية المحورية بعبارات من قبيل: "...إنه غادر السياسة ليتفرغ إلى الفن..." و"اللغة الفنية تجريدية أكثر من اللازم، صورية في السينما، اشتقاقية في مقالات الحريري" و"يصر على فهم تجربة إدريس مع الفن، مع الصورة..." و"من وراء التساؤلات حول الموضوع و الأسلوب، حول تقنيات السرد الروائي، حول الكلمة والصورة..." .
وتكشف هذه العبارات منذ الوهلة الأولى عن تناقض أولي بين السياسة والفن، بين الكلمة والصورة. فإذا كان "إدريس" قد غادر السياسة لأنها تؤثر في الفن وتحاكمه، فإنه أدرك فيما بعد أن الفن، والفن السينمائي تحديدا هو الميدان الأعمق و الأقرب من حياة الفرد والجماعة: "بعد ذلك تعددت تجاربه...تجربة الذوق بواسطة الفن السينمائي.عبر عن تجربة الجماعة بواسطة الحب وعن فلسفة الحب بواسطة السينما وعندما عبر أعني تخيل، قطر، صفى." ومن ثمة فإن الشكل المناسب للتعبير عما يمكن اعتباره جوهر الحياة، في نظر إدريس، ليس هو الأفكار الواضحة وضوحا منطقيا، وإنما هو الصور الخيالية.
إن هذا الاحتكاك الشخصي لإدريس مع "منتجات "الفن السينمائي جعله يدرك منذ البداية التباين القائم بين مبدع الكلمات أو اللغة، الذي يؤلف عالمه الفني من خلال المزج بين الاستعارات و المجازات. وهو مزج محدود نسبيا، وبين السينمائي الذي يتوفر على أدوات بلاغية ووسائل تقنية تمكنه من التقريب بين نظرات ورؤى مختلفة، أو بين أجزاء صغيرة من الواقع.لقد بات واضحا أن السينما تمثل طريقة أخرى للكتابة وتعتمد مادة أخرى غير الكلمات :" وهذه النزعة التبريرية هي الدليل الوحيد على أن الفيلم عمل أول لمثقفة موهوبة تحب السينما لكنها لازالت تفكر ،بسبب عدم احتكاكها بالصناعة السينمائية بوسائل الأداء الأدبي" . وتحيل هذه الفكرة على قضية أساسة تهم المواجهة بين المحكي الروائي والسردانية الفيلمية، وتحيل من ثمة على فكرة تالية مفادها أن السينما تختلف عن الأدب عموما والرواية بخاصة. فبالإضافة إلى اختلاف أسناديهماSupports الكتاب والشريط، فإن المبدعين السينمائيين يواجهون مشكلة رئيسة تتمثل في المرور من الإبداع الفردي: الأدب إلى الإبداع الجماعي: السينما، الذي يظل في بعض الأحيان رغبة مؤلمة.كما يوضح بجلاء أن الكلمات تغاير الصور تغايرا جذريا.
إن اهتمام "إدريس" بالسينما يجد تبريره من خلال سياق من الانشغالات الفنية التي قادته إلى أن يركز تفكيره على الذوق و الأشكال الفنية و "في ظلمة قاعات العرض تكون ذوق إدريس ونما وعيه بقضايا الشكل والتعبير." لقد استوعب الراوي كما استوعب "إدريس" درس السينما التي تقترح باستمرار ،وعلى طول تاريخها القصير ، تعاصرية الأشكال المتغايرة. وهو الدرس الذي استمدته من تاريخ الفن الذي أبان دفعة واحدة عن أشكال بطيئة ومتأخرة معاصرة لأخرى مبتكرة وسريعة ومتزامنة معها.
إن نمو هذا التفكير بقضايا الشكل والتعبير والتأثير المتواصل للمغامرات الشخصية والنقاش واللقاءات مع الآخرين قاد "إدريس" إلى إقامة نوع من العلاقة التناضجيةRelation Osmos النظرية بين السينما ووسائل الإبداع الأخرى : "أدرك أن أصالة الفن السينمائي تكمن في كونه ملتقى للفنون الأخرى من أدب وموسيقى ورسم وطراز ومعمار ومسرح-كل فن لا يعرف إلا بالممارسة لكن التفكير في خصوصية الفن السينمائي يكشف عن خصوصيات الفنون الأخرى" .
إن فهم السينما باعتبارها فنا متعددا يفسح المجال أمام تحقيق فهم جيد للأعمال الإبداعية برمتها. لأن السينما توجد في ملتقى الطرق بين علم الجمال والتاريخ. إنها فن من فنون التأويل مثلما هو الفن الموسيقي أو التمثيل.
لقد تعرف "إدريس" في فرنسا وبسرعة فائقة على الأشكال السينمائية كما تعرف على الإنارة والمرآة والصوت واللقطة والإيقاع والسيناريو. فانبهر بهذا الاكتشاف الجديد. غير أن فرنسا لا يمكن أن تختزل إلى هذه الأداة السحرية الآلية فقط، وإنما:"ذوق إدريس تكون بالتأكيد في عاصمة فرنسا...باريس عاصمة السينما" .
إن هذه التجربة الجديدة متمثلة في الصورة السينمائية قد غيرت نظرة "إدريس" للأشياء من حوله. فإدراك العالم، هو تمرن وممارسة تقوم هذه الآلة الحديثة بتجليته. فهل يمكن القول والحالة هذه إن "أوراق" تقدم السينما باعتبارها وسيلة للتعبير وليست أداة بسيطة تعيد إنتاج صور الواقع. وهذا ما تشربته شخصية إدريس بقوة:" في الوقت الذي كان إدريس يمر بتجارب عاطفية مختلفة تتعلق بالوطنية، بالثورة الاجتماعية، بالحب،بالعزلة،كان يفكر، رغما عنه أحيانا،في الشكل الملائم لكل تجربة، بل في الشكل الذي يوحد في مجال الوعي عواطف متعددة. عبر السيناريو تحقق لديه مفهوم السيروية، عبر التقطيع مفهوم الإيقاع، عبر الإيقاع مفهوم اللغة الوصفية، عبر الديكور مفهوم الهيكل،الخ.كان يعلم أن آلته هي الكلمة وأنها محدودة التعبير إذا قورنت بالصورة الشمسية" .
وتمنح الصورة بفضل وسائلها التعبيرية المتنوعة للعروي الراوي ولإدريس الشخصية إمكانات متعددة لاختيار وجهات النظر التي تخول له نوعا من الحرية في التعبير عن وعيه العاطفي والفني تعبيرا حقيقيا. ومن ثمة فإن الصورة لا تستمد قوتها المُقْنِعة من كونها تحاكي الواقع فقط، بقدر ما تستمدها من غنى سننها الثقافي و التعبيري، و من كونها تمثل المؤول القوي للعالم اللاواقعي أو التخييلي.
ومن المؤكد أن الراوي استوعب أهمية "إدماج" الصورة السينمائية في سيرة إدريس الذهنية باعتبارها جزءا من تجربته الذوقية والشعورية. لأن الصورة هي شكل التعبير المباشر والقريب مما لا تستطيع التجربة المعيشة التعبير عنه بواسطة اشتغال الكلمات.
ومن الواضح أن هذه الاستشهادات السينمائية المتعددة التي تحفل بها "أوراق" تكتسي في عمومها قيمة رمزية أو كونية:تعدد المرجعيات التي يستمد منها الروائي مادته والتي تحيل في الآن معا على سؤال ثقافي يهم اللقاء بين الذاكرة الشرقية أو العربية، ذاكرة إدريس أو "الحريري"، أي ذاكرة الكلمة، والذاكرة الغربية البصرية، أي الذاكرة الأيقونية المتحركة بقوة. بحيث يمكن القول إن العروي كان يبحث في السينما عن المادة الأساسية الخاصة بالرواية .
ولا تقتصر هذه المادة السينمائية على تأصيل الإبداع الخيالي في مسار حياة إدريس و منحه دلالة، وإنما تمزج كذلك بين هذا الإبداع وبين شكل سيروي "ينتزعه" الروائي من العالم ويقوم عبره «بترشيح» تجاربه المتعددة. ودليلنا على ذلك هو:إن أي مبدع مهما كان يدرك الواقع «المرشح» من خلال تصورات جماعية موروثة في البداية، ثم يقوم فيما بعد وبشكل غير محسوس بإعداد تصوراته الخاصة. هكذا نلاحظ أن اهتمام إدريس بالفن السابع يغذيه تذوقه للسينما الفرنسية من خلال أفلام الموجة الجديدة La Nouvelle Vagueأو سينما المؤلف التي فتحت عينيه على باريس:"ولكنه عرفها، وهي تتهيأ لاستقبال ما سمي بإنتاج الموجة الجديدة..." . وللسينما الإيطالية أو الواقعية الجديدة :"...يحتوي الشريط على فيلمين: الأول يصف واقع السكان على طريقة المدرسة الإيطالية وبخاصة عمل فيسكونتي...والثاني نفساني يشرح انهيار حب كما فعل روسيللييني في جولة عبر إيطاليا" . وللسينما السوفياتية:"نشاهد هذا القسم معجبين ونقول: هذه مسودة الفيلم العظيم الذي حلم به ايزنشتاين ولم يستطيع إنجازه" . وهي تغذية تتقاطع وتلتقي مع قراءاته للروايات الطلائعية : روايات جويس ومالرو وأندري جيد ومارسيل بروست:"هكذا تهيأ لاستيعاب درس بروست ولو بكيفية مجملة جزئية. فهم مغزى تلك السنوات العديدة التي قضاها بروست عاجزا عن الكتابة، ظانا أنه يبحث عن موضوع في حين أنه كان يبحث عن شكل ملائم، شكل شامل يجمع فيه، يتجاوز به أسلوب برجوت، بريق الستير، نغمة فانتوي...، عظمة كنائس الماضي، شكل يشبه في آخر تحليل الفن السينمائي شمولية واكتمالا." وكذلك يظهر أن الممارسة السينمائية وفرت للروائيين إمكانات جديدة للكتابة أسهمت في تغيير الشكل الروائي. وجعلت قضية الترابط بين هذين الفنين تقع في مركز الأسئلة الثقافية التي أفرزتها الحداثة الفنية في الغرب.هكذا قام أندري مالرو مثلا، بتأليف كتاب يحمل عنوان:« ملخص حول سيكولوجية السينما» Esquisse d'une psychologie du cinéma بسط فيه بعضا من التقارب بين الرواية والسينما وكذلك التحولات التي عرفها الجنس الروائي من خلال العودة إلى التجربة الفنومينولوجية التي كانت تغذي الممارسة السينمائية.
وهكذا تكتسي السينما في "أوراق"أوجها متعددة : وجه أنييس فاردا ورني كلير وجون أستروك وآندري بازان...وهم مخرجون ونقادا وأفلاما وتفكيرا حول السينما. تجربة يتقاطع فيها السينمائي بالأدبي والروائي. بحيث تصبح السينما زينة تزين الأدب وتضخ فيه دماء جديدة تعيد إليه نظارته. مما يوحي بأن السينما، في نظر العروي، يمكن أن تكون فنا ملازما للإبداع الروائي.
وإذا كان إدريس يستحضر تجربة السينما الإيطالية بقوة، فإنه أراد أن يعبر في نظرنا عن فكرة الفيلم الوطني، أو عقدة الأمم حسب تعبير العروي ذاته :"...أدرك فيسكونتي أن قوام الفن التوازن ومغالبة استدراج الواقع القائم أو سحر الماضي البائد.تحرر من هوسه الفرويدي، عندما أنجز فيلم الفهد فأعطى لإيطاليا شريطها الوطني." إن ما ينسحب على فيسكونتي، ينسحب كذلك على السينمائي الأمريكي دافيد ورك غريفيتD. W. Griffith الذي منح لأمريكا فيلمها الوحدوي: ميلاد أمة (1915)The Birth of Nation . فإذا كانت أفلام ايزنشتاين تمثل حسب تعبير آندري مالرو، التعبير الحقيقي للفن الاشتراكي . وتمثل روايات دستويفسكي وتولستوي عقدة روسيا حسب تعبير العروي . فما الذي يمثل عقدة المجتمع العربي ونخبه الجديدة ؟
يرى العروي أن رواية نجيب محفوظ لم تكشف عن العقدة المصرية... "ألمس في فيلم شادي عبد السلام المومياء نوعا من ملامسة العقدة وإن لم يصل إليه" . إن الرهان، إذن، على الرواية وحدها لنقل تمثلاتنا الذهنية وإدراكاتنا، بالرغم من كونها "أعلى وأرقى الفنون الأدبية كلها" ، يظل رهانا ضعيفا ما لم يتم تلقيح الكلمة باعتبارها الشكل المتميز للوعي بالإبداع التصويري والتجربة الحسية، أي بعمل الخيال واللاوعي والحلم.
فالإدراك البصري الذي فطن إليه "إدريس" كما الراوي لم يكن أبدا أداة للتيه والخداع والغواية، بقدر ما هو وسيلة تتيح للوعي الصافي أن يدرك العالم بواسطة السنن السينمائية : "تزامنت في وعي إدريس تجربة ذوقية بثانية شعورية وثالثة سلوكية وتوحدت التجارب الثلاث بسبب قاسمها المشترك، أعني حركة الذات، التأطير، التقصيص، الإنارة، التلفيف النغمي. هذه عمليات ذاتية تجرب على مادة الحياة" . ونظن أن العروي ، وهو يستعمل هذه الأثار البصرية Iimpressions Visuel يكشف عن إرادة قوية في بحث سؤال الذوق الفني والجمالي لأن : "النشاط الجمالي يتحول من كونه شكلا للعمل الاجتماعي ليصبح شكلا للوعي الاجتماعي، أي ليصبح تفكيرا فنيا" .
ولم يكن هدف الراوي لفت نظر القارئ إلى الحركة والتأطيرات وزوايا النظر والتبئيرات ... لفتا شاذا. وإنما نستشف أن هذا الحضور المستمر للسينما في أفق المؤلف كان له تأثير واضح في كتابته ل"أوراق".
إن المادة السينمائية مدعوة بشكل صريح، وفي أكثر من مرة لإخراج واستحضار الجدل السردي دفعة واحدة، جدل مكن الشخصية من الانتقال من التاريخ (وضعية المغرب المستعمر) إلى الحب (مسارات إدريس في أقبية الحب الباريسي).
تكمن بعض خصوصيات رواية "أوراق" في كونها تكشف عن فهم للذات وللعالم، فهم يتقاطع مع الفهم الذي تعرضه السينما نفسها، فإدريس تربطه بالفيلم علاقة حميمية شبه يومية. فعلاوة على كونه يمثل وسيلة للتسلية، فإن الفيلم يتيح لنا فرصة لمشاهدة واقع مغاير استنادا إلى فكرة "إدريس" نفسه وهو يستحضر تجربة الواقعية الجديدة بإيطاليا : "كل من فيلليني وفيسكونتي وأنطونيوني أدرك وجعلنا ندرك أن الواقع خلاب يموت به الفنان إذا لم يقاومه وتلك المقاومة هي ما يسمى بالوعي الفني" . وكأنها دعوة مبطنة يوجهها الراوي / العروي إلى الرواية والسينما على حد سواء بحيث ينبغي أن تكونا ملجأ للمتخيل وليست نظاما تصوريا أو رسما خداعا.
ولقد جعلنا "إدريس" ندرك أن العنصر المهم في الممارسة السينمائية هو : غنى التجربة الحواسية Sensorielle L'Expérienceالمستجدة المتمثلة في الكاميرا، والتي تنضاف إلى تجربة الإبداع الروائي.
وكذلك وجد العروي في المادة السينمائية نظاما للإبداع الذي جعل الكتابة الروائية في "أوراق" تقترب من نموذج من المؤلفات الروائية التي تحاور بجلاء موضوعة السينما في النص الروائي، كما تمثل ن "أوراق "نوعا من «السيرة الفنية» Art - Biographie مثل كتاب : غودار بواسطة غودار Godard par Godard للمخرج الفرنسي نفسه جون لوك غودار.
إن تأثير السينما في الأفق «السيروي» للعروي إلى جانب فنون أخرى كالرواية والمسرح يدل على أن السينما تُشَغِّل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أشكالا سردية متنوعة استقدمت بعضها من الأدب. فأصبح بإمكان السينمائيين اليوم إنجاز : فيلم "الذاكرة" و"التحليل الذاتي" وفيلم "المذكرات"، وفيلم "الرواية الجديدة".
و كذلك لم يتطرق النقد الروائي في المغرب بصورة منتظمة إلى تأثير السينما في الكتابة الروائية في "أوراق" بحيث لم نلاحظ أي وصف للأثار البصرية المنتشرة في الرواية بواسطة «اللغة الواصفة» الخاصة بالنقد الأدبي.
وإذا كان العروي يدعونا إلى الوعي بسوسيولوجيا الأشكال والكتابة، ألا يمكن أن نجد موقعا لسوسيولوجيا الموضوعات التي تعرف بوظيفتها، أي بوظيفة الموضوعات في السير الاجتماعي للنصوص ؟ كيف يتمفصل الأدب مع السينما، وكيف تتمفصل بدورها مع الأخلاق والدين والعلم والتجربة الشخصية؟

هوامش:
- يرى شلومون ريمون كينانSh.R.Kenan: أن الموضوعةThème يعرفها الجميع، وهي تتعلق بالموضوع الذي يدور حوله العمل الأدبي. كأن نقول إن رواية مادام بوفاريه مثلا، تدور حول العلاقات التي تربط بين إيما وشارل.Poétique, n° 64,Novembre,Seuil,1985,p.397.
-عبد الله العروي، أوراق، ط5، المركز الثقافي العريي، البيضاء، 2002.
- أوراق، 2002، ص : 5.
- أوراق2002، ص : 7.
- أوراق2002، ص : 7.
- أوراق2002، ص : 8.
- أوراق2002، ص : 235.
- أوراق2002، ص : 178.
- أوراق2002، ص : 173.
-يقول العروي:"...إنما هناك تباعد بيني كراو وبين إدريس، لأن هناك من يعتبره نسخة مني." محمد الداهي، عبد الله العروي من التاريخ إلى الحب، منشورات الفنك، 1996 ، ص : 55.
- أوراق2002، ص : 173.
- أوراق2002، ص : 172.
- أوراق2002، ص : 73.
-يستعمل العروي كلمة«سيروية» كمرادف لمصطلحRomanesque ، محمد الداهي، مرجع سابق، ص:30.
-يقول العروي:"...أوراق سيرة ذاتية دون أن تكون سيرة ذاتية. سيرة ذاتية مفجرة من الداخل".محمد الداهي، مرجع سابق، ص،49.
- أوراق2002، ص : 173.
- أوراق2002، ص : 175.
- أوراق2002، ص : 185.
- أوراق2002، ص : 174.
- أوراق2002، ص : 188.
- André Malraux in J. Marie Clerc, Ecrivains et Cinéma, Des mots aux images, des images aux Mots, Adaptations et Ciné- Romans, Presse Universitaire de Metz, Metz, 1985, p. 42.
-محمد الداهي، مرجع سابق، ص:80.
-المرجع نفسه، ص:45.
-عبد الله العروي ، الإيديولوجية العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء1995، ص:218.
- أوراق2002، ص : 235.
-غيورغي غاتشف، الوعي والفن، ترجمة نوفل نيوف،سلسلة عالم المعرفة،ع 146 ،فبرير1990، ص:50.
- أوراق2002، ص : 187.
حسناوي ابراهيم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.