يعرض علينا المفهوم الاختباري عن المعرفة عملية تتم بين موضوع معطى وذات معطاة. وهو لا يعير كبير اهتمام لوضعية تلك الذات (فيما كانت سيكلوجية أو تاريخية أم لا ) ولا لذلك الموضوع ( فيما إذا كان منفصلا أو متصلا، متحركا أو ساكنا).... (...). إن تك الذات وذلك الموضوع المعطيين، والسابقين بالتالي على عملية المعرفة، يحددان مسبقا مجالا نظريا أساسيا ولكنه لا يمكن أن ينعت في هاته الحالة بالاختباري. إ ن ما يجعله كذلك هو طبيعة سير عملية المعرفة ذاتها، وبعبارة اخرى،فإن ما يضفي عليه طابع الاختبارية هو نوع العلاقة التي تحدد المعرفة،بما هي كذلك، تحددها بدلالة الموضوع الواقعي الذي تكون هي معرفة عنه. إن عملية المعرفة بكاملها تتمثل، في نظر النزعة الاختيارية، في عملية التجريد التي تقوم بها الذات العارفة. وحينئذ تكون المعرفة عبارة عن تجريد الماهية عن الموضوع الواقعي، تلك الماهية التي يكون تملك الذات لها معرفة (...). لنول الآن اهتمامنا لبنية المعرفة الاختبارية من وجهة نظر انتقادية. فباستطاعتنا أن نحدد تلك البنية علي أنها مفهوم يعتبر معرفة الموضوع الواقعي جزءا واقعيا من ذلك الموضوع الذي تكون علينا معرفته. وحتى إن قيل عن هذا الجزء إنه جوهري وباطني وخفي، وبالتالي لا يرى للوهلة الأولي، فيتبقى أن ذلك الجزء يعد، حتى في خصائصه، جزءا واقعيا يشكل حقيقة الموضوع الواقع في تركيبه مع جزئه غير الجوهري (...) هاهنا تكون المعرفة حاضرة حضورا واقعيا في الموضوع الواقعي الذي تبغي معرفته في صورة تنظيم لهذين الجزأين الواقعيين. وعندما أقول إن المعرفة تكون بكاملها ماثلة مثولا واقعيا لا أقصد موضوعها فحسب، أي ذلك الجزء الواقعي الذي تطلق عليه ماهية، بل إنني أعني كذلك عملية المعرفة التي هي التمييز بين جزأي الموضوع الواقعي ووضعهما الذي يتمتع بوجود واقعي. هذان الجزءان يمثل أحدهما (وهو الجزء غير الجوهري) الجزء الخارجي الذي يغلف الآخر (أي الماهية أو الجزء الباطني) ويخفيه. هذا الاستثمار للمعرفة، من حيث هي جزء واقعي لموضوع واقعي، في البنية الواقعية للموضوع الواقعي، ذلك هو ما يؤلف الإشكالية الخاصة التي تميز المفهوم الاختباري للمعرفة (...).