دخلت الحرب العدوانية الصهيو-أمريكية ضد إيران شهرها الثاني دون ظهور أي مؤشر على بلوغ الأهداف الاستراتيجية المعلنة من طرف مقترفيها رغم حجم الضربات الجوية , ونوعية الاغتيالات التي طالت مستويات عليا من قادة النظام الإيراني وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي . لقد تبخر رهان نتانياهو وتابعه ترامب على نصر سريع وساحق يجتث النظام الايراني ومؤسساته في أربعة أيام وذلك بفعل الاستعداد القبلي المنظم لكل أجهزة الدولة الايرانية لمواجهة مثل هذا العدوان الثنائي , وبفعل الدعم الشعبي العارم الذي أسقط الرهان الغبي على معارضة الداخل الرافضة للطبيعة الشمولية للنظام الإيراني ., وهكذا تحولت الرهانات العنترية لرئيس البيت الأبيض إلى ورطة أبعدت عنه حلفاءه في أوروبا والناتو , وفجرت في وجهه غضبا شعبيا داخليا غير مسبوق في جل الولاياتالأمريكية عبرت عنه حشود بلغت ما يناهز عشرة ملايين من مواطني ومواطنات الشعب الأمريكي الرافضين لهذه الحرب العدوانية , واللادستورية كذلك. إنها حرب عدوانية لا يمكن, من الناحية المبدئية, تبريرها تحت أي ذريعة كانت. ولأن أطوارها متواصلة إلى هذه اللحظة , ومفتوحة على جميع الاحتمالات بما فيها أن تقود غطرسة الحليفين إلى استعمال القوة لفتح مضيق هرمز , أو التدخل البري في جزيرة خرج , أو محاولة الوصول إلى عمق المنشآت النووية الإيرانية , أو توريط أنظمة دول الجوار في الانخراط المباشر فيها ,كما يتمنى ويلوح ترامب بذلك , فإن شهرها الأول المنقضي , يتيح الوقوف عند بعض لاستخلاصات ألاولية منها هي بمثابة وضع نقط على حروف جدالية وحارقة : _ إن هذه الحرب هي حرب جيواسترتيجية في الدرجة الأولى , وامتداد لحروب سابقة لفرض الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية وتأمين المصالح الأمريكية في المنطقة والعالم في مواجهة القوى الصاعدة ( الصين خاصة), وعليه , فكل اختزال لهذه الحرب العدوانية ضد إيران في أبعاد سياسية داخلية ( ضد الاستبداد ) أو دينية مذهبية وطائفية( سنة وشيعة) أو قومية ( عرب وفرس ) هو تضليل متعمد غايته إضفاء الشرعية على هذه العدوانية باسم المفاهيم المجردة للحداثة التي تعد إسرائيل كدولة دينية أول من يدوس عليها يوميا بشكل مقزز ومستفز للضمير الإنساني , وليس إقرار الكنيسيت الاسرائيلي أمس لقانون تنفيذ عقوبة الإعدام في حق الأسرى الفلسطسنيين سوى حلقة أخرى ,ىشاهدة على ذلك, من حلقات جرائم هذا الكيان ضد الإنسانية كما تابع العالم مشاهدها طيلة عامين في غزة الأبية. _ إن بناء القوة الذاتية , المستقلة في مختلف المجالات هو ما يؤهل أي دولة للتحكم في مصيرها في عالم "جعل من القوة حقا وعدالة" ( ب باسكال ), فذلك هو ما يحمي الاوطان من التبعية بمختلف وجوهها, ويؤهلها لاحتلال مكانة بين القوى العالمية والمشاريع الإقليمية , ويحصنها من عوارض الزمن التي قد تهدد وحدتها الترابية فتعرضها لخطر المقايضة , والتفريط في السيادة طلبا للحماية. في هذا السياق يجوز التساؤل : ما مصير منطقة الخليج في حال نجح العدوان الصهيو- أمريكي في تدمير القوة الذاتية لإيران ؟ لمصلحة من سيكون هذا المصير ؟ هل ستتحقق فيه الديمقراطية والعلمانية والأمن والسيادة والسلام لدول الخليج العربية ؟ أم أن الجميع سيدخل في معطف الكيان الصهيوني العنصري الدموي ؟ هي تساؤلات على "المبررين بلاحدود " للعدوان , والمتطلعين من بني جلدتنا لتفكيك القوة الإيرانية , أنظمة و"نخبا" إعمال التفكير العقلاني والواقعي فيها , بدل واقعيتهم " الوقوعية" _ وحدة قوى الشعب على اختلاف إيديولوجياتها ومذاهبها الدينية وطوائفها ومشاريعها السياسية وانتماءاتها العرقية ..الخ هي العامل الحاسم في إفشال الأطماع الأجنبية , ولاشك في أن أكبر سقطة ترامبية هي رهانه الغبي على جعل جزء من شعب إيران يقف إلى جانب المعتدين , فعلى صخرة وحدة الشعب والنظام تحطمت أوهام ترامب ونتانياهو ومن والاهما في استثمار الطبيعة الشمولية للنظام , ومطالب الدمقرطة لدى نخب وقوى مجتمعية في تحقيق هدف إسقاط النظام وتفكيك عناصر قوة الدولة, وهكذا بدل أن يخرج الإيرانيون مرحبين بالعدوان الحامل لتباشير الديمقراطية , نزلوا بالملايين إلى الشارع طيلة شهر, معارضة وموالاة وحشود ليقفوا سدا منيعا دفاعا عن الوطن أولا, مؤجلة خلافاتها لما بعد العدوان, وللتدبير الذاتي المستقل عن أية وصاية أجنبية وأ طماع في الأرض والثروة . _ عدم رد دول الخليج العربية على ضرب إيران الاضطراري للقواعد العسكرية الأمريكية الجاثمة التي انطلق منها العدوان مسألة إيجابية لحد اللحظة , وقد لن يفلح تحريض ترامب لها على التدخل المباشر للتخفيف من حجم ورطته .,ويبقى المأمول هو أن يكون عدم الرد هذا مدخلا لمراجعة جذرية للسردية الصهيو- أمريكية والخليجية حول إيران كخطر يهدد أمن المنطقة , وكعدو أول للأمة العربية والإسلامية,بينما الواقع يؤكد عكس ذلك تماما : العدو الأول هو دولة إسرائيل الدينية الدموية والعنصرية , فهي مصدر كل الحروب التي عرفتها المنطقة , و تلك التي مازالت تخطط لها وتعلنها أمام مرآى ومسمع العالم من أجل بلوغ حلم " إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل ". لقد آن الأوان لإعادة النظر في تدبير الخلافات العربية الإيرانية تدبيرا يخدم المصلحة المشتركة وعلى رأسها دحر المشروع الصهيوني الامريكي في كل بلدان المنطقة وخاصة في فلسطينالمحتلة , ووقف مختلف أشكال واتفاقات التطبيع المشرعنة, موضوعيا , لجرائم الكيان الصهيوني ومخططاته التوسعية المعلنة . لقد أكدت الحرب العدوانية الجارية ضد إيران الارتباط الوثيق بين مصالح شعوب المنطقة العربية , كما أكدت وحدة الوجدان والتطلعات إلى الكرامة والعدالة والسلام المنصف والعادل ,لذلك ,فكل احتماء بنزعة انعزالية تزعم البعد الجغرافي تارة , "والمصلحة الوطنية" المفترى عليها تارة أخرى لا يمكن أن يصمد ( الإحتماء) أمام صلابة حقائق الجغرافيا والتاريخ والثقافة والإرث الحضاري العربي الإسلامي المشترك , فهذه هي خلفية النهوض العربي والإسلامي , وأساس الصمود والنجاح في مواجهة عنجهية "حق وعدالة القوة " التي لن ينجو من حرائقها وشظاياها أي بلد من بلدان المنظومتين العربية والإسلامية اختار الانعزال و"النأي بالنفس" أو التطبيع المذل …