توقعات أحوال الطقس اليوم السبت 10 دجنبر 2022    بعد 13 عام على طرح الجزء الأول.. "أفاتار" رجع بالجزء الثاني    أكبر دار أوبرا في ميريكان قرصنو ليها البيانات    إدارة أولمبيك مارسيليا تهتم بخدمات أوناحي    لاعب جزائري بارز يقرر مساندة المنتخب المغربي.    رونالدو كيحزر البرتغاليين باش يشجعوه ضد المغرب وها شنو قالهم    رئيس دولة آسيوية يشجع "أسود الأطلس" أمام البرتغال    حافلة تقتل شخصا بأولاد تايمة    جلالة الملك يوجه خطابا إلى القمة العربية الصينية الأولى التي تستضيفها المملكة العربية السعودية    سلوان : سرقة المنازل تعود بقوة بدوار الكشاضية    طقس السبت.. استمرار أمطار الخير في مناطق من المملكة    كيف تنظر الولايات المتحدة إلى زيارة الرئيس الصيني للسعودية؟    هذا ما جاء في "إعلان الرياض" بشأن الاحتلال الغاشم لفلسطين    مجهودات المخابرات المغربية تساهم في تخليص ألماني من قبضة إرهابيين    بينها طنجة والحسيمة .. تعيينات وتغييرات تهم عددا من مناصب المسؤولية بجهاز الأمن بالمغرب    تتويج الفائزين بالجائزة الوطنية الكبرى للصحافة في دورتها العشرين    مجلس المنافسة: غياب إطار قانوني للمصحات الخاصة وغموض يلف سوق الرعاية الطبية التي تقدمها    تفاصيل هروب متهم في جريمة قتل من محكمة سطات    السوق الوطنية للرعاية الطبية المقدمة من لدن المصحات الخاصة.. أبرز توصيات مجلس المنافسة    دراسة.. لاعبو كرة القدم معرضون لأمراض الدماغ بعد ال 65 عاما    "أشخاص مبتورون".. المرصد المغربي لمناهضة التطبيع يدين زيارة عمدة فاس للكيان المحتل    أمطار غزيرة تغرق شوارع وتجرف سيارات بطنجة -صور    موقف موسكو من الصحراء المغربية.. روسيا تستقبل وفدا من "البوليساريو"    الركراكي: "لدينا الكثير من الإصابات"    المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية يؤكد على مواقفه وقراراته الثابتة الداعمة لمغربية الصحراء    جبهة إنقاذ لاسامير لوزيرة الانتقال الطاقي: راه المصلحة الوطنية تقتضي العمل على الإنهاء العاجل لأزمة المصفاة    بلاغ مشترك: الولايات المتحدة والمغرب تشجع جميع بلدان المتوسط وإفريقيا على الانضمام إلى المبادرة الأمنية لمكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل    هذه حصيلة الرصد الوبائي بالمغرب    السكوري يسلم رسالة من الملك إلى سال    توقيف ممثلة لبنانية بتهمتي "تبييض أموال وإثراء غير مشروع"        شكوك فحضور أكرد ضد البرتغال ؟ .. ها شنو قال الركراكي    الأمطار الأخيرة تنعش حقينة السدود بجهة سوس ماسة… التفاصيل بالأرقام و النسب.    مقاييس الأمطار الخير المسجلة في المغرب خلال ال24 ساعة الماضية    المكتب الوطني المغربي للسياحة فخور بالإشعاع الذي حققه أسود الأطلس    الداخلة تعيش على إيقاع الدورة الأولى لمهرجان «عرس الصحراء»    هذا ما قاله الركراكي عن الحالة الصحية للاعبين.. ويكشف الحلول البديلة    بين فاس والدوحة مونديال قطر وحوار الحضارات    سوس ماسة : 9 إصابات جديدة ب«كورونا» في الجهة…التفاصيل        مستجدات هروب مهاجرين مغاربة من طائرة ببرشلونة وتهم ثقيلة في انتظارهم    المؤبد لمغربي حاول ارتكاب مجزرة داخل قطار امستردام -باريس    علي لمرابط يلتحق بجماعة المفترين، ويدعي أن بوعشرين والريسوني والراضي بدؤوا إضرابا عن الطعام داخل السجن    الطب الجينومي بإفريقيا يجمع خبراء في الرباط    منتدى مراكش البرلماني للمنطقة الأورو متوسطية والخليج يدعم مشروع أنبوب الغاز نيجيريا – المغرب    فسِيروا إلى نصْرٍ بيُمناهُ إبْهارٌ    اختتام مهرجان "القدس للفنون الشعبية"    على هامش الجدل حول مدونة الأسرة    أسعار العملات اليوم الجمعة 9 دجنبر 2022، في المغرب بالدرهم المغربي (MAD)    تقديم وتوقيع المجموعة القصصية "كماءٍ قليل" للقاص محمد الشايب    الشارقة تستضيف ورشة عمل حول مشروع متاحف غرب السودان المجتمعية    إطلاق الدراسات التقنية لإنجاز أول محطة عائمة للغاز الطبيعي المسال في المغرب    برلمانيون ورجال أعمال يناقشون في منتدى بمراكش تحديات الفجوة الرقمية    ‫ماذا تعرف عن الانسداد الرئوي؟    الأمثال العامية بتطوان... (296)    أركمان : دعوة الى المحسنين للمساهمة في بناء مسجد الغفران بحي بوسطو +حساب البنكي    د.الروكي يرثي الشيخ شرحبيلي بقصيدة بعنوان "وداعا شرحبيل المكارم"    التوحيد والإصلاح تعلِّق على كلمة وليد الركراكي "ديرو النية"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رؤية الأنا للآخر في الخطاب السفاري المغربي خلال القرن 19 م : «تحفة الملك العزيز بمملكة باريز» نموذجا (الحاج إدريس بن الوزير سيدي محمد ابن إدريس العمراوي)
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 14 - 09 - 2010

يعتبر مغرب القرن 19 م نتاج تطور تاريخي داخلي من جهة ، و ضغوط خارجية عليه بلغت أوجها نهاية القرن 19 و أفضت الى استعماره من طرف فرنسا و اسبانيا من جهة أخرى . لم يكن لتلك الضغوط الأوربية على المغرب أن تتوج باستعماره من طرف القوى الأجنبية لو لم تكن بنياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية متأخرة و متخلفة تعاني منذ زمن طويل من تناقضات مستعصية لم تجد لها حلا في اتجاه التطور الرأسمالي العالمي آنئذ . لذا فإن الإجماع الأساسي حول مغرب القرن 19 يكمن في كونه مغرب الصدمة مع الحداثة الأوربية ، و مغرب الصدمة مع الأجنبي من خلال هزيمتين عسكريتين لا تفصل بينهما سوى ست عشرة سنة : هزيمة ايسلي أمام فرنسا سنة 1844 ، و هزيمة حرب تطوان أمام اسبانيا سنة 1860 . هاتان الهزيمتان العسكريتان المتواليتان جعلتا المخزن المغربي ، و النخبة المغربية يطرحان تساؤلات حول أسباب توالي هذه الهزات العسكرية على المغرب التي أثبتت مدى تجذر أزمة الدولة و المجتمع في مغرب القرن 19 .
كان الاصطدام بالأجنبي محطة تاريخية استوقفت الرحالة المغاربة كثيرا خلال هذه الفترة، خاصة على مستوى نظرة الأنا المغربية للآخر الأجنبي ، و التي كرست ضعف الأنا ، و انهزاميته في مقابل تفوق الآخر على جميع المستويات ، و استيعابه لمعطيات المرحلة ، و مواكبته للتطور العالمي اقتصاديا . و إذا كنا قد قدمنا في المقال السابق ( خطاب الرحلات السفارية المغربية خلال القرن 19 م : «الرحلة الابريزية إلى الديار الانجليزية» نموذجا ، جريدة الاتحاد الاشتراكي العدد 9557 ) ، رؤية الأنا للآخر من خلال نموذج أبي الجمال محمد الطاهر الفاسي ، و التي كانت أكثر انغلاقا ، و محافظة و معاداة للانفتاح على أوربا ؛ فإننا في هذا المقال سنقف على وجهة نظر أخرى بمنظار أكثر استيعابا للحظة الهزيمة ، و أكثر انفتاحا على الأخذ بمقومات الحداثة الأوربية ، و الاستفادة منها كأساس لتحديث المجتمع المغربي أو على الأقل كأساس لتحديث الدولة المخزنية . هذا النموذج الذي سنتناوله هو رحلة « تحفة الملك العزيز بمملكة باريز « للكاتب الوزير : الحاج ادريس بن الوزير سيدي محمد ابن ادريس العمراوي ، حيث سنحاول من خلالها تتبع نظرة الجناح المتنور داخل المخزن المغربي لمظاهر الحداثة الأوربية في فرنسا ، و مواقفه منها و تصوراته للأسس الحداثية الأوربية التي كان من الممكن للمخزن المغربي الاستفادة منها في أفق توظيفها لتطوير بنيات الدولة المغربية خلال القرن 19 م .
تتناول «رحلة الملك العزيز بمملكة باريز» لادريس بن الوزير سيدي محمد ابن ادريس العمراوي موضوع البعثة السفارية المغربية التي أرسلها سيدي محمد بن عبد الرحمان مباشرة بعد حرب تطوان سنة 1860 إلى فرنسا في عهد نابليون الثالث . قام ادريس العمراوي في الرحلة بمحاولة نقل أحوال المجتمع الفرنسي إبان عهد نابليون الثالث ، لذلك اهتم بوصف أوضاع المجتمع الفرنسي ، و بعض مقومات الحداثة الفرنسية على النحو الذي تجلت له في عدد من المظاهر الاجتماعية و العمرانية و السياسية و التيكنولوجية . لهذا فإننا سنقسم الرحلة إلى ثلاثة أقسام :
* القسم الأول : الجانب السياسي و العسكري : أورد العمراوي معلومات مفصلة عن واقع فرنسا السياسي سواء تعلق الأمر برجالات الدولة أم بمؤسساتها . و قد انبهر السفير بشخصية نابليون و فصل الكلام عنه و خصه بأوصاف مثيرة ، كما أعجب العمراوي بالنظام البرلماني الذي كانت تتبعه فرنسا و ركز على الطريقة التي تسير بها الشؤون العامة فيها . أما الجانب العسكري فقد خصص له العمراوي ثمانية صفحات من رحلته حيث ركز على الجيش الفرنسي و تنظيماته ، و قوانينه و تقنياته و قد كان هذا الاهتمام الكبير من طرف العمراوي بهذا الجانب مسألة طبيعية بحكم أنه عاش هزيمة الجيش المغربي في حرب تطوان ؛ مما خلف أثرا سيئا في نفسية النخبة المغربية آنذاك . لقد كان الوصف الحي الذي قدمه العمراوي للمؤسسة العسكرية الفرنسية يوحي بنقد مبطن و غير مباشر لأوضاع الجيش المغربي في تلك الفترة .
* القسم الثاني : الجانب الاقتصادي و المالي : اهتم خلاله العمراوي بالميدان الفلاحي خاصة الفلاحة الصناعية حيث أعطى تفاصيل عن البعد الصناعي للقطاع الفلاحي ، و فصل الكلام في العلاقة مابين الدولة الرأسمالية الليبرالية ، و البرجوازية التي ساهمت في تطوير النشاط الاقتصادي بسبب استفادة الدولة من خبرتها . هكذا يلاحظ أن العمراوي ركز بشكل كبير على فئة التجار أو البرجوازية باعتبارها عصب النشاط الاقتصادي و المالي بفرنسا .
* القسم الثالث : الجانب التكنولوجي و الاختراعات : في هذا الجانب وصف العمراوي أبرز المستحدثات التكنولوجية الموجودة بفرنسا، حيث خصص أربع صفحات من رحلته لبابور البر، فدقق في أوصاف القاطرة البخارية ، و اهتم العمراوي أيضا بوصف دار الطباعة . إن أهم ما استرعى اهتمام العمراوي و اعتبره أداة لمعرفة ما يجري في العالم و بسرعة مذهلة اختراعهم للتليغراف الذي قام بتفصيل الحديث عنه و وصفه .
يظهر من خلال دراستنا لهذا الرحلة أن ادريس العمراوي من رجال المخزن المتفتحين على الحداثة الأوربية ، و الذين كانوا يودون اقتباس بعض جوانبها كسبيل لابد منه لتقوية الدولة ، و صيانة الاستقلال الوطني . الثابت من خلال قراءة متن الرحلة أن ادريس العمراوي كان مطلعا على رحلة رفاعة الطهطاوي : «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» بدليل أن رؤية الطهطاوي الليبرالية قد ساهمت بقدر ما في صياغة موقف العمراوي من الحداثة الأوربية ، و خطابه الداعي إلى الأخذ بمقومات الحداثة في فرنسا . و رغم هذا الخطاب الحداثي الذي يظهر في رحلة العمراوي، فإن خلفيته الدينية ظلت حاضرة ، فالعديد من الأحكام التي أصدرها من خلال مشاهداته كانت نابعة من خلفيته الفكرية المؤسسة على النزعة الفقهية السنية الأشعرية و لعل أبرز مثال على ذلك ما جاء في الصفحة 94 من الرحلة عند وصفه للمرأة الفرنسية قائلا : «وقد ذكر لنا أن لباريز ثلاثين ألف عاهر كلهن بأيديهن ورقات من المخزن بالإذن في ذلك و لهن ترتيب في تعاطيه و هذا العدد دون المشتهرات به ... « . بالإضافة إلى ذلك فإن العمراوي لم يمكث في فرنسا إلا أسابيع قليلة و لم يكن يعرف الفرنسية لغة أو أدبا و مذاهب فكرية و فلسفية و فنية و كل ما أدركه العمراوي من معارف عن الآخر إنما أدركه من خلال مشاهداته و تأويلاته و من خلال أقاويل المترجم الذي كان يرافقه أثناء الرحلة ؛ و أيضا من خلال ما استقر في وعيه من انطباعات بعد قراءته لتلخيص الإبريز للطهطاوي .
إن المتتبع لمسار الخطاب السفاري في مغرب القرن 19 م يلاحظ مدى التأرجح الذي عرفه هذا الخطاب بين تيار نازع نحو التجديد ، متفتح على أوربا ، و مقتنع بملحاحية استلهام حداثتها التكنولوجية ، و حسن تنظيماتها العسكرية و الإدارية بحيث لا يرى غضاضة في الاستعانة بالأوربيين و التعلم منهم و الدراسة في مدارسهم . و تيار محافظ ، تقليدي ، مناهض للانفتاح على أوربا ، رافض لاستلهام حداثتها في سبيل تحديث المغرب ، و تجديد كيانه و لم يكن هذا التيار يرى في إدخال التحديث على النمط الأوربي إلا علامة على تفكيك مدمر للبنيات المجتمعية التقليدية السائدة التي يستفيد منها . مما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن رد فعل النخبة المغربية على صدمة الحداثة الأوربية لم يكن ملائما بحيث يجعلها قادرة على فهم مطابق لمقومات تلك الحداثة ، و امتلاك وعي عقلاني كوني قادر على استيعاب طبيعة العصر ، و رسم استراتيجية تحديثية هادفة إلى تحقيق نهضة المجتمع المغربي و المحافظة على استقلاله الوطني ، و هو الذي يعتبر سببا أساسيا في تردد المخزن المغربي في تبني برنامج إصلاح واضح كان بإمكانه لو تحقق على أرض الواقع أن يساهم في إعادة بناء البنيات السوسيو اقتصادية و الثقافية لمجتمع مغرب القرن 19 .
* طالب باحث
كلية الآداب عين الشق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.