تيزنيت : تعيين رئيس جديد لفرقة الشرطة القضائية بالمنطقة الإقليمية للأمن    محمد لمين حرمة الله: المغرب يواصل بذل مجهودات جبارة في مكافحة الهجرة غير النظامية    الناظور: تكوين 5 الاف شاب و 700 كلم من الطرق بقرض البنك الدولي    هولندا.. اصابة مغربية بجروح خطيرة بعد تعرضها للطعن بسلاح ابيض في اوتريخت    لجنة لدراسة طلبات الترشيح والسهر على العملية الانتخابية، بملامح لجنة تصريف الأعمال    الوداد يفوز على على الدفاع الحسني الجديدي ويقترب من التتويج باللقب    التصنيف العالمي.. المنتخب المغربي ديال الفوتصال فالمرتبة العاشرة    رؤساءالإتحادات الكروية والإعلاميين الأفارقة يهنؤون فوزي لقجع لإنتخابه لولاية ثالثة وما قدمه للكرة الأفريقية    بعد إيقافه متلبسا بحيازة "حشيش".. الموت يباغث أربعينيا خلال نقله لمستشفى أكادير    إرتفاع حصيلة محاولة إقتحام مليلية إلى 23 قتيلاً دون وفيات في صفوف القوات العمومية    طقس الأحد.. أجواء حارة في مناطق من المملكة    ارتفاع عدد القتلى بين المشاركين في اقتحام سياج مليلية المحتلة إلى 23 حالة    جولة مهرجان كناوة جددت الوصل بين معلمي كناوة وعشاق "تكناويت"    وزارة الأوقاف تستنكر ترويج الأكاذيب وتكشف عن كيف يتم حساب مصاريف الحج    إصابات كورونا الجديدة لازالت فوق 3 آلاف واستمرار تسجيل حالات وفاة    البطولة الإحترافية 1.. الوداد يسقط الدكاليين ويقترب من اللقب    الهجرة السرية تورط ثلاثة أجانب بكلميم    حقوقيون يدعون إلى "تحقيق مستقل" في مقتل 18 مهاجرا إفريقيا غير نظاميين    المغرب: إحداث أول محطة شحن السيارات الكهربائية متاحة لعموم سائقي هذه السيارات.    "الأصالة والمعاصرة" يدين "أحداث الناظور"    بنكيران: على أخنوش أن ينتبه لأن المخلوقات التي أتى بها تفتقد إلى الشفافية    النقد الدولي: مسار المغرب في المرونة الاقتصادية والتحولات الكبيرة نموذج يحتذى به    برقية تعزية ومواساة من الملك إلى أفراد أسرة البروفيسور الراحل إيف كوبينس    شبيبة الأحرار تؤكد من ورزازات بأن القرب و الإدماج و الفعالية هي مفاتيح مصالحة الشباب مع العمل السياسي.    ارتفاع الكتلة النقدية ب 5.6 في المائة خلال الفصل الأول من 2022    مهنيو نقل قنينات الغاز يعلنون تراجعهم عن إضراب وطني كان سيشل القطاع    أمير قطر يتوجه للجزائر بعد مصر.. ومسقط تستقبل السيسي الإثنين    عدد السياح الوافدين على المغرب يتضاعف أربع مرات حتى متم ماي 2022    لهذه الأسباب.. هولندا تعتزم تقليص عدد الرحلات الجوية في مطار أمستردام    وفاة إمام المسجد النبوي و"جامع القبلتين"    التوفيق: ليست لأي تيار مهما كان متطرفا القدرة على اقتراح نظام سياسي أكمل من إمارة المؤمنين    الحسيمة.. مصطافون يرتادون شواطئ ذات مياه استحمام ملوثة (وثيقة)    حكيم زياش قريب من الانضمام لميلان الإيطالي وتشيلسي لا مانع لديه    مناورات "الأسد الإفريقي"…أزيد من 6500 مستفيد من خدمات المستشفى العسكري الميداني بتالوين    مبينزا وأكسيل ..مصائب قوم عند قوم فوائد    د.بنكيران: هل عمل المرأة خارج البيت وإنفاقها على نفسها وعلى أسرتها يسوغ تغيير أحكام الإرث شرعا؟    وزارة الأوقاف: تدبير مصاريف الحج يتم بكيفية شفافة    تزنيت: افتتاح الدورة ال14 للمعرض الجهوي للكتاب والقراءة    الدولي المغربي زكرياء أبو خلال ينضم رسميا إلى نادي تولوز الفرنسي    رجعو مريكان للظلمات.. بايدن: قرار المحكمة العليا على إلغاء حق الإجهاض خطأ مأساوي    الرئيس المومني: جامعة عبد المالك السعدي في طور إعداد تصور جديد للتكوين المستمر    بنكيران: الكذب منتشر في المجتمع ولا أتخيل عضوا في العدالة والتنمية يكذب    ألباريس: موقف إسبانيا بشأن الصحراء "واضح للغاية" و"سيادي"    المغرب يرصد 3235 إصابة جديدة بكورونا خلال 24 ساعة    المغرب يسجل 3235 إصابة جديدة بكورونا ووفاة واحدة    إطلاق النار على المواطنين بالنرويج.. والشرطة النرويجية تعتبر الواقعة "عملا إرهابيا"    أسعار بيع المواد الغذائية الأساسية بالتقسيط على صعيد جهة سوس ماسة    ابنة العروي سهيلة أبو سعود تشارك في معرض للفن التشكيلي يستهدف مرضى السرطان بالرباط    مقتل فتى فلسطيني برصاص القوات الاسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة    بن الراضي: المغاربة لهم معرفة ضعيفة بالمرجعية الدينية المنفتحة حول قواعد الإرث (فيديو)    الكونغرس الأميركي يعتمد قانونا لتنظيم حيازة الأسلحة    الرباط: سفيرة الأردن تستقبل فرقة مسرح سيدي يحيى الغرب    وفاة المؤرخ عبد الرحيم أبو حسين    جوائز الآغا خان للموسيقى تعلن عن أعضاء لجنة التحكيم العليا لدورة عام 2022    تعالوا نهدم أسطورة "الكسل الطنجاوي" !    براد بيت: بعدما تفارقت مع أنجلينا جولي قلبي تقطع ودوزت فترة خايبة بزاف    جمعية أصدقاء المرحوم !!!    ندوة في الخميسات تُكرّم المؤرخ بوتشيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رؤية الأنا للآخر في الخطاب السفاري المغربي خلال القرن 19 م : «تحفة الملك العزيز بمملكة باريز» نموذجا (الحاج إدريس بن الوزير سيدي محمد ابن إدريس العمراوي)
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 14 - 09 - 2010

يعتبر مغرب القرن 19 م نتاج تطور تاريخي داخلي من جهة ، و ضغوط خارجية عليه بلغت أوجها نهاية القرن 19 و أفضت الى استعماره من طرف فرنسا و اسبانيا من جهة أخرى . لم يكن لتلك الضغوط الأوربية على المغرب أن تتوج باستعماره من طرف القوى الأجنبية لو لم تكن بنياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية متأخرة و متخلفة تعاني منذ زمن طويل من تناقضات مستعصية لم تجد لها حلا في اتجاه التطور الرأسمالي العالمي آنئذ . لذا فإن الإجماع الأساسي حول مغرب القرن 19 يكمن في كونه مغرب الصدمة مع الحداثة الأوربية ، و مغرب الصدمة مع الأجنبي من خلال هزيمتين عسكريتين لا تفصل بينهما سوى ست عشرة سنة : هزيمة ايسلي أمام فرنسا سنة 1844 ، و هزيمة حرب تطوان أمام اسبانيا سنة 1860 . هاتان الهزيمتان العسكريتان المتواليتان جعلتا المخزن المغربي ، و النخبة المغربية يطرحان تساؤلات حول أسباب توالي هذه الهزات العسكرية على المغرب التي أثبتت مدى تجذر أزمة الدولة و المجتمع في مغرب القرن 19 .
كان الاصطدام بالأجنبي محطة تاريخية استوقفت الرحالة المغاربة كثيرا خلال هذه الفترة، خاصة على مستوى نظرة الأنا المغربية للآخر الأجنبي ، و التي كرست ضعف الأنا ، و انهزاميته في مقابل تفوق الآخر على جميع المستويات ، و استيعابه لمعطيات المرحلة ، و مواكبته للتطور العالمي اقتصاديا . و إذا كنا قد قدمنا في المقال السابق ( خطاب الرحلات السفارية المغربية خلال القرن 19 م : «الرحلة الابريزية إلى الديار الانجليزية» نموذجا ، جريدة الاتحاد الاشتراكي العدد 9557 ) ، رؤية الأنا للآخر من خلال نموذج أبي الجمال محمد الطاهر الفاسي ، و التي كانت أكثر انغلاقا ، و محافظة و معاداة للانفتاح على أوربا ؛ فإننا في هذا المقال سنقف على وجهة نظر أخرى بمنظار أكثر استيعابا للحظة الهزيمة ، و أكثر انفتاحا على الأخذ بمقومات الحداثة الأوربية ، و الاستفادة منها كأساس لتحديث المجتمع المغربي أو على الأقل كأساس لتحديث الدولة المخزنية . هذا النموذج الذي سنتناوله هو رحلة « تحفة الملك العزيز بمملكة باريز « للكاتب الوزير : الحاج ادريس بن الوزير سيدي محمد ابن ادريس العمراوي ، حيث سنحاول من خلالها تتبع نظرة الجناح المتنور داخل المخزن المغربي لمظاهر الحداثة الأوربية في فرنسا ، و مواقفه منها و تصوراته للأسس الحداثية الأوربية التي كان من الممكن للمخزن المغربي الاستفادة منها في أفق توظيفها لتطوير بنيات الدولة المغربية خلال القرن 19 م .
تتناول «رحلة الملك العزيز بمملكة باريز» لادريس بن الوزير سيدي محمد ابن ادريس العمراوي موضوع البعثة السفارية المغربية التي أرسلها سيدي محمد بن عبد الرحمان مباشرة بعد حرب تطوان سنة 1860 إلى فرنسا في عهد نابليون الثالث . قام ادريس العمراوي في الرحلة بمحاولة نقل أحوال المجتمع الفرنسي إبان عهد نابليون الثالث ، لذلك اهتم بوصف أوضاع المجتمع الفرنسي ، و بعض مقومات الحداثة الفرنسية على النحو الذي تجلت له في عدد من المظاهر الاجتماعية و العمرانية و السياسية و التيكنولوجية . لهذا فإننا سنقسم الرحلة إلى ثلاثة أقسام :
* القسم الأول : الجانب السياسي و العسكري : أورد العمراوي معلومات مفصلة عن واقع فرنسا السياسي سواء تعلق الأمر برجالات الدولة أم بمؤسساتها . و قد انبهر السفير بشخصية نابليون و فصل الكلام عنه و خصه بأوصاف مثيرة ، كما أعجب العمراوي بالنظام البرلماني الذي كانت تتبعه فرنسا و ركز على الطريقة التي تسير بها الشؤون العامة فيها . أما الجانب العسكري فقد خصص له العمراوي ثمانية صفحات من رحلته حيث ركز على الجيش الفرنسي و تنظيماته ، و قوانينه و تقنياته و قد كان هذا الاهتمام الكبير من طرف العمراوي بهذا الجانب مسألة طبيعية بحكم أنه عاش هزيمة الجيش المغربي في حرب تطوان ؛ مما خلف أثرا سيئا في نفسية النخبة المغربية آنذاك . لقد كان الوصف الحي الذي قدمه العمراوي للمؤسسة العسكرية الفرنسية يوحي بنقد مبطن و غير مباشر لأوضاع الجيش المغربي في تلك الفترة .
* القسم الثاني : الجانب الاقتصادي و المالي : اهتم خلاله العمراوي بالميدان الفلاحي خاصة الفلاحة الصناعية حيث أعطى تفاصيل عن البعد الصناعي للقطاع الفلاحي ، و فصل الكلام في العلاقة مابين الدولة الرأسمالية الليبرالية ، و البرجوازية التي ساهمت في تطوير النشاط الاقتصادي بسبب استفادة الدولة من خبرتها . هكذا يلاحظ أن العمراوي ركز بشكل كبير على فئة التجار أو البرجوازية باعتبارها عصب النشاط الاقتصادي و المالي بفرنسا .
* القسم الثالث : الجانب التكنولوجي و الاختراعات : في هذا الجانب وصف العمراوي أبرز المستحدثات التكنولوجية الموجودة بفرنسا، حيث خصص أربع صفحات من رحلته لبابور البر، فدقق في أوصاف القاطرة البخارية ، و اهتم العمراوي أيضا بوصف دار الطباعة . إن أهم ما استرعى اهتمام العمراوي و اعتبره أداة لمعرفة ما يجري في العالم و بسرعة مذهلة اختراعهم للتليغراف الذي قام بتفصيل الحديث عنه و وصفه .
يظهر من خلال دراستنا لهذا الرحلة أن ادريس العمراوي من رجال المخزن المتفتحين على الحداثة الأوربية ، و الذين كانوا يودون اقتباس بعض جوانبها كسبيل لابد منه لتقوية الدولة ، و صيانة الاستقلال الوطني . الثابت من خلال قراءة متن الرحلة أن ادريس العمراوي كان مطلعا على رحلة رفاعة الطهطاوي : «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» بدليل أن رؤية الطهطاوي الليبرالية قد ساهمت بقدر ما في صياغة موقف العمراوي من الحداثة الأوربية ، و خطابه الداعي إلى الأخذ بمقومات الحداثة في فرنسا . و رغم هذا الخطاب الحداثي الذي يظهر في رحلة العمراوي، فإن خلفيته الدينية ظلت حاضرة ، فالعديد من الأحكام التي أصدرها من خلال مشاهداته كانت نابعة من خلفيته الفكرية المؤسسة على النزعة الفقهية السنية الأشعرية و لعل أبرز مثال على ذلك ما جاء في الصفحة 94 من الرحلة عند وصفه للمرأة الفرنسية قائلا : «وقد ذكر لنا أن لباريز ثلاثين ألف عاهر كلهن بأيديهن ورقات من المخزن بالإذن في ذلك و لهن ترتيب في تعاطيه و هذا العدد دون المشتهرات به ... « . بالإضافة إلى ذلك فإن العمراوي لم يمكث في فرنسا إلا أسابيع قليلة و لم يكن يعرف الفرنسية لغة أو أدبا و مذاهب فكرية و فلسفية و فنية و كل ما أدركه العمراوي من معارف عن الآخر إنما أدركه من خلال مشاهداته و تأويلاته و من خلال أقاويل المترجم الذي كان يرافقه أثناء الرحلة ؛ و أيضا من خلال ما استقر في وعيه من انطباعات بعد قراءته لتلخيص الإبريز للطهطاوي .
إن المتتبع لمسار الخطاب السفاري في مغرب القرن 19 م يلاحظ مدى التأرجح الذي عرفه هذا الخطاب بين تيار نازع نحو التجديد ، متفتح على أوربا ، و مقتنع بملحاحية استلهام حداثتها التكنولوجية ، و حسن تنظيماتها العسكرية و الإدارية بحيث لا يرى غضاضة في الاستعانة بالأوربيين و التعلم منهم و الدراسة في مدارسهم . و تيار محافظ ، تقليدي ، مناهض للانفتاح على أوربا ، رافض لاستلهام حداثتها في سبيل تحديث المغرب ، و تجديد كيانه و لم يكن هذا التيار يرى في إدخال التحديث على النمط الأوربي إلا علامة على تفكيك مدمر للبنيات المجتمعية التقليدية السائدة التي يستفيد منها . مما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن رد فعل النخبة المغربية على صدمة الحداثة الأوربية لم يكن ملائما بحيث يجعلها قادرة على فهم مطابق لمقومات تلك الحداثة ، و امتلاك وعي عقلاني كوني قادر على استيعاب طبيعة العصر ، و رسم استراتيجية تحديثية هادفة إلى تحقيق نهضة المجتمع المغربي و المحافظة على استقلاله الوطني ، و هو الذي يعتبر سببا أساسيا في تردد المخزن المغربي في تبني برنامج إصلاح واضح كان بإمكانه لو تحقق على أرض الواقع أن يساهم في إعادة بناء البنيات السوسيو اقتصادية و الثقافية لمجتمع مغرب القرن 19 .
* طالب باحث
كلية الآداب عين الشق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.