غينيا بيساو تؤكد مجددا دعمها “الثابت واللامشروط” لمغربية الصحراء ولمخطط الحكم الذاتي    ولي العهد الأمير مولاي الحسن يستقبل أطفال القدس المشاركين في المخيم الصيفي    امرأة تطلب الخلع بسبب حب زوجها لها: “حبه خنقني.. وأتمنى أن يقسو عليَّ لو مرة واحدة”!!    حوارية مع أختي في الله    احتجاج على سوء خدمات المستشفى الجديد    بلجيكا تجمعنا كما شاءت “أيمونا”    عاجل : وفاة قائد مركز درك سكورة بإقليم بولمان في حادثة سير خطيرة    “واقعة السيوف” في القصر الكبير… ولاية أمن تطوان توضح    نجمات عالميات قريبا بالمغرب.. طنجة والبيضاء ومراكش وجهاتهن    بنكيران وأكل السحت    كأس محمد السادس.. البنزرتي ينفرد بصدارة المجموعة الثانية بسباعية في شباك فومبوني    الجزائر: إيداع وزير العدل السابق الطيب لوح الحبس المؤقت    نقطة نظام.. خطر الفراغ    صراع حول "حد أرضي" ينتهي بجريمة قتل بضواحي الجديدة    امرابط ينتقل إلى نادي “هيلاس فيرونا” الإيطالي    التواء في القدم يفسد فرحة حمد الله مع النصر    الحسيمة.. دعم خاص بحاملي المشاريع لإنشاء مقاولاتهم الخاصة    إصابة عبد الرزاق حمد الله بالتواء في مفصل القدم في "الصدام" المغربي    جرسيف: تنظيم حملة للتبرع بالدم بشركة فيندي والحصيلة 108 أكياس دم    المغربية فرينكار سارة تحرز برونزية التجديف فردي    صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن يستقبل أطفال القدس المشاركين في الدورة ال 12 للمخيم الصيفي الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس    لعفر : الخطاب الملكي رهن مستقبل التنمية بتفعيل الجهوية المتقدمة    تنصيب عدد من رجال السلطة الجدد المعينين بإقليم شفشاون    أَسْحَتَ بنكيران وفَجَر ! اللهم إن هذا لمنكر !!!    سابقة.. تحليل للدم يكشف موعد وفاة الإنسان قبل 10 أعوام من وقوعها في ثورة طبية جديدة    تعيينات جديدة في مناصب عليا    المجلس الحكومي يصادق على إحداث دائرة جديدة بإقليم وزان    مضران: تَوصيات الملك بالتشبيب وراء استِقالة لقجع    إنشاء "المبادرة اللبنانية لمناهضة التمييز والعنصرية” دعما للفلسطينيين ردا على خطة وزارة العمل    "أمريكان فاكتوري" أول إنتاج لأوباما وزوجته ميشيل في هوليوود    قَدِمْنَ من بركان والناظور وزايو.. ثكنة الفوج الأول لسرايا الخيّالة في وجدة تحتضن عشرات المجندات    ابراهيم غالي في "الحرة" : خبايا خرجة فاشلة !    بعدما أقرت بفشلها في إنهاء الأشغال بميناء آسفي.. الحكومة تُحدث مديرية مؤقتة وتُمدد أجل التسليم    إسبانيا تحذر العالم من انتشار داء الليستيريا    لجنة انتقاء المقبولين في التجنيد العسكري تستبعد “واضعي الأوشام” والمدمنين على المخدرات    الصحف تتحدث عن "تصلب" باريس سان جرمان بشأن نيمار    “فرانس برس”: الشباب المغاربة يقبلون على الخدمة العسكرية أملا في تحسين أوضاعهم المعيشية    “غلوبل باور فاير”:الميزانية العسكرية للمغرب بلغت3.4 مليارات دولار وعدد المجندين لم يتجاوز 364 ألف شخص    “مندوبية التخطيط” تسجل انخفاض أسعار المواد الغذائية بمختلف مدن المملكة خلال يوليوز الماضي    طنجة تحتضن النسخة الأولى للأسواق المتنقلة للاقتصاد الاجتماعي    دراسة أمريكية: نقص فيتامين “د” يجعل الأطفال أكثر عدوانية في المراهقة    "سَهام" تؤثر على نتائج "سانلام" الجنوب إفريقية    آلاف المقاولات مهددة بالإفلاس    أخبار الساحة    هدية لمجرد للملك في عيد ميلاده-فيديو    إمارة “دبدو” في موت مختلف    هددت بضرب الفاتيكان وسفارة إسرائيل..إيطاليا ترحل مغربية نحو بلدها    أوريد يكتب: هل انتهى دور المثقف؟    الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب ينعي أمينه العام الشاعر الكبير حبيب الصايغ    ذكريات عبرت… فأرخت.. أنصفت وسامحت -5- عبد الرحيم بوعبيد وموسيقى «الدجاز »    ندوة «الفارس في الشاوية، نموذج قبيلة مديونة»    الاتحاد الدولي للنقل الجوي أكد ارتفاع الطلب العالمي على هذا النوع من السفر    المقاول الذاتي…آلية للتشغيل    لين    العلماء الربانيون وقضايا الأمة: بروفسور أحمد الريسوني كأنموذج    غدير مودة القربى    بوهندي: البخاري خالف أحيانا القرآن ولهذا لا يليق أن نآلهه    وفاة رضيع بسبب حليب أمه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عبد الإله بلقزيز مفرد بصيغة الجمع
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 03 - 07 - 2015

إنّنا أمام علامةٍ فارقةٍ في الثقافة والفكر العربِيَيْن، وهذا بائنٌ في مُنْجَزه المتعدد. مُنْجَزٌ فكريٌّ، وآخرُ مُسائِلٌ للراهن العربي والعالمي، وآخرُ أدبيٌّ وإبداعيٌّ. فالنظر إلى هذه الأبعاد الثلاثة يلزم من متتبعه قراءة 46 كتابا إلى حدود الآن، والبقية قادمةٌ لا محالة. لذا حاولنا التحاور معه في هذه المجالات، إلا أننا حصرنا الحوار الأول في البُعد الأخير من مُنجزه، عسانا نُتابع الحوار معه في السنة القادمة، وكل ذلك من أجل تقريبٍ عامٍّ لهذه الشخصية المائزةِ في ثقافتنا المغربية والعربية للقراء.
لقد حاولنا خلال سِتِّ لقاءات على مَدَى شهرين الحوار معه انطلاقاً من أسئلةٍ حول الكتابة الروائية، وحول الحرب في لبنان، والأفق السحري في نصيه «رائحة المكان» و«ليليات»، إضافةً إلى النوافذ التي فتحها لنا على ضفاف شخصيته، والظلال التي تحيط بها من قبيل الشعر، الغناء، الموسيقى، بيروت، وعلاقته بشخصيات سياسية وفكريةٍ تواصل معها بطريقة أو أخرى... وبالجملة فإن الإنصاتَ إلى عبد الإله بلقزيز يرفعك إلى مساءلة الجوانية فِيكَ/فينا: كما لو كان الإنصاتُ إليه يحملك إلى آخَرِكَ. هنا تكمن المتعة الفائقة، تستدرجك نحو عوالمَ أرحبَ، تكون فيها الكتابة التزاماً إن لم نقل الشرط الوجودي للكائن. لكن كيف ورطناه في هذا الحوار؟ علماً أنَّه لم يعطِ أيَّ حوار منذ ما يزيد عن عشرين سنةً باستثناء ما قدَّمته القنوات العربية كالمنار، والميادين.. لا أقول إنِّي كنت محظوظاً في تهريبِ صرامَتِه العلميّة إلى القراء. بل أقول له شكراً لأنّه فتح لنا نوافذه، مثلما أشكر الصديق محمد رزيق الذي ساعدني في تفريغ هذا الحوار.
o هل انتهينا من مرحلة القادة، والكاريزما السياسية، ليس عندنا فقط، ولكن في العالم؛ وأصبحنا أمام غوغائيين بطريقة أو بأخرى؟
n أنا هنا أستأذنك في أن أخرج من الأدب إلى الفلسفة وعلم الاجتماع، عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر تحدث عن ثلاثة مصادر للشرعية؛ ما سماه بالشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، ثم الشرعية العقلانية. طبعاً موقفه مما يسميه بالشرعية الكاريزمية موقف سلبي، وأنا لا أشاطره هذا الموقف، وأعتقد أن الرأسمال الكاريزمي في السياسة رأسمال غير قابل للتجاوز، ولا يمكن حتى للشرعية العقلانية التاريخية أوللشرعية الدستورية الديمقراطية أن تتخطاه، ولست أقصد بذلك أن لهذا الرأسمال قدرة على البقاء، في مجتمعات كمجتمعاتنا ما تزال تؤمن بالزعامة وهيبتها وقداستها، بل وحتى في داخل الغرب. من يستطيع الآن أن ينزع من عقل أي مواطن أمريكي كاريزما أبراهام لينكولن أو جورج واشنطن؟ من يستطيع أن ينزع من رأس أي فرنسي كاريزما شارل دوغول؟ أو أي بريطاني كاريزما تشرشل؟ لا يمكن. كيف يمكن أن تنزع كاريزما يسوع من كل العقل المسيحي، وليس فقط نحن المسلمون، لأن الكاريزما النبوية كبيرة ولها مكانة خاصة حتى بالنسبة إليهم، حتى بالنسبة إلى غير المتدينين من المسيحيين المحسوبين على المسيحية فقط بالوراثة. فإذن أنا كتبت في أكثر من مناسبة في نصين على الأقل، أحدهما نشر في لبنان في مجلة «بدايات» التي يصدرها الرفيق فواز طرابلسي، نشرت نصاً مطولاً عنوانه «انحطاط العمل الحزبي في المغرب»، وهو كتب في اللحظة التي بدأت فيها قيادات جديدة تفد إلى المؤسسات الوطنية؛ لتعتلي الكراسي التي كان يعتليها قادة وطنيون كبار، وعزَوْت هذا الانحطاط إلى جملة متصلة من العوامل من بينها فقدان الرأسمال الكاريزمي. نحن في المغرب لدينا عبارة شهيرة عند تدهور مستوى القادة، أقصد «ملي كيتقادو لكتاف». ليست هناك رمزية تعصم العمل السياسي من السقوط في الصغائر، انتهت المؤسسة الحزبية في فرنسا بعد فرنسوا ميتران، ما هي نوعية القيادات السياسية التي تصعد ساركوزي هولاند..؟ أي قيمة لمثل هؤلاء الرؤساء بعد أيزنهاور مَن الذين يتقاطرون على البيت الأبيض؟ هناك فقدان تدريجي لمركزية الرأسمال الكاريزمي في الحياة السياسية ينعكس سلباً على الحياة السياسية. لماذا؟ لأنه يفترض، حسب التصنيف الفيبري، أن الرأسمال الكاريزمي يتفكك فينشأ رأسمال جديد هو الرأسمال المؤسسي. نحن فقدنا الكاريزما من دون أن نبني المؤسسية فعدنا إلى ما قبل الكاريزمية، هذا هو المشكل. لذلك أقول، نعم وفاة عبد الرحيم بوعبيد ثم وفاة الأستاذ عبد الله إبراهيم، ومحمد البصري، واعتزال امحمّد بوستة وعبد الرحمن اليوسفي أفقرت هذا البلد، وأقْحَلَتْ حقل العمل الحزبي.
o إذا كان العنوان عتبة رئيسة في كل نص، فهل ترون أن العناوين التي وضعتموها لأعمالكم قد رسمت مسارات موفقة كما كنتم تطمحون إليه منها؟
n هذا الموضوع متروك للقارئ، هو الذي يمكن أن يحكم في ما إذا كانت العناوين مطابقة أو مناسبة، أو أن النص يلبس لبوسه اللائق به في غلافه، أي في عنوانه؛ لا أستطيع أن أحكم. يقال عني أنني شاطر في وضع العناوين، وكثير من أصدقائي طلبوا مني قراءة مخطوطات لهم وعَنْوَنْتُها، فكنت أتندَّر بالقول: أنتم تلِدون وأنا أُسمي أبناءَكم. لكن هل وُفِّقت في تسمية أو في تعيين العنوان المناسب لكل نص كتبته؟ الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوله لك بكل أمانة أن عنوان كتابي «رائحة المكان» لا يمكنني أن أجد ما هو أفضل منه لتسمية النصّ. والأمر عينُه يصدق على كتاب «ليليات».
o هل عنوان الكتاب سابق لتأليف النصّ أم لاحق عليه؟
n لا أكتب إلا بعد أن أضع هندسة تفصيلية لما سأكتب. أعرف سلفاً ما سأكتب. أنا لست من مدرسة أن الشهية تأتي مع الطعام بحيث أكتب لكي أجد الفكرة. أنا حتى المقال الصحفي الصغيرعندما أعتزم كتابته أستلقي قليلاً، وأقسِّمه إلى فِقَر، وأحدد بدقة كل فقرة؛ ماذا سأقول. التخطيط عندي حتى في النص الأدبي الروائي؛ حتى في الأدب الهندسة عندي لا جدال فيها، ولذلك فهي تسمح لي بأن أسمي الكتاب. مثلاً؛ حينما بدأت مشروعي «العرب والحداثة» وخططت له، خططت له على أساس أن يكون الجزء الأول منه يتناول حقبتي الإصلاح والنهضة في الفكر العربي وقد أسقط عنوان «من الإصلاح إلى النهضة» في الطبعة الأولى خطأ. الجزء الثاني كان مقرراً أن يحمل عنوان «من النهضة إلى الحداثة». والجزء الثالث ? الذي صدر مؤخّراً ? عنوان «نقد التراث» والجزء الرابع أيضاً «نقد الثقافة الغربية». ولكن هناك كتب أخرى يتأخر تحديد العنوان فيها إلى ما بعد الانتهاء من تحرير الكتاب وأحيانا ما أضع عناوين عديدة أربعة أو خمسة عناوين حتى أختار في النهاية العنوان المناسب. وهذا يحدث خاصة في الكتب التي أكون قد وضعت هندسةً لكنني تجاوزتها وفتحت أبواباً ونوافذ أخرى في الموضوع، فتدخل عناصر جديدة لا يصبح العنوان الذي قررته مناسباً للنص بعد انتهائه. حصل هذا مثلا في كتابي «الدولة والمجتمع: جدليات الانقسام والتوحيد» و»الدولة والسلطة والشرعية».
o سوف أُدوِّنك يا آخري في دفتر يليق بك كتاب «ليليات» صفحة 186 نريد التلصص على الآخر الذي يسكنك؛ كيف تراه وكيف يرى عبد الإله بلقزيز آخره؟
n تُعلِّمنا علوم النفس الحديثة والمعاصرة خاصة المعاصرة أن الشخصية قد تكون متعددة مُخمَّسة أو مُسدَّسة، وفيها أبعاد أحياناً متضايفة؛ بمعنى أنك قد تكون عنيفاً ووديعاً، في الوقت عينه، مندفعاً ومتردداً. وليس هذا قرينة على اضطرابٍ في الشخصية، وإنما هو تعبير عن منازع في النفس البشرية جِبِلّية، وقد تكون أيضاً مكتسبة يحملها المرء في نفسه. أنا اقتنعت بأنني متنوع كما أنا في المجال الثقافي: أشغف بالفكر وبالأدب وبالفن والموسيقا وبالطبخ مثلاً، وأعشق القديم والحديث، ويتعايش فيّ سيّد درويش وبرامس. كما أنا هكذا أعترف بأنني شخص نزق وأحياناً شخص شديدُ التأني، أحياناً شخص اجتماعي sociable وأحياناً شخص انكفائي. هذا التنوع في الشخصية لست أنا من صنعه؛ هو جزء من تكويني. أنا أتصالح مع هذه الشخصية بكل تنوعاتها. لكن أين المشكلة؟ المشكلة كيف تنظم هذا التنازع بين المنازع فيك بشكل تسيطر عليه دون أن يأخذك مَنْزِعٌ منه بعيداً باتجاه ما من الاتجاهات. في نص «ليليات» كنت أخاطب هذا الآخر الذي يسكنني، والذي لا يطاوعني، والذي لا أستطيع أن أمارس عليه الارتياض الكافي لكي يدخل في جبتي. ماذا فعلت مع هذا الآخر المتمرد علي؟ صالحته، اعترفت له بمساحة في حياتي، أعطيته فرصة لكي يكتشف أن خياراته في الحياة خيارات ليست موفقة. هي لعبة في حديث النفس عن النفس؛ لعبة في حديث النفس عن نفسها، في تنوعها، في تناقضها، في دفقها، في حيويتها. هذا كله حيوية في النفس. وإذا نقلت الموضوع إلى مستوى الكتابة مثلاً أقول لك إنني قد أكون غارقاً في كتابة نص ذي طبيعة فكرية، وفجأة يساورني شعور بأن عليَّ أن أوقف العمل في هذا النص وأن أقرأ قصيدة لأبي العلاء المعري أو مقامة للحريري أو نصاً لشكسبير. في هذه اللحظة ماذا يحصل؟ يحصل أن شغلك الذي تقوم به يتعثر حين تدخل على خطه هواجس أخرى. يعني تبدأ في الشعور بأنّك أصبحت تكتب ببطء، وأنت تعلم أنه حينما تكتب، ينبغي أن تتفرغ كاملاً للنص، وألا يشغلك عنه شيء. هذا ما أفعله؛ أقفل الهاتف، وأطلب الهدوء بحيث ينبغي أن يحيطني صمت مطبق مثل صمت القبور لكي أشتغل. ولهذا أنا أشتغل، أكثر ما أشتغل، في الليل، ويمتد عملي إلى الرابعة صباحاً حتى لا يزعجني أحد. ولكن حينما تدخل عليك هذه الهواجس يضطرب عملك. فماذا أفعل أستسلم لذلك الآخر المتمرد فيَّ فأقفل الكتاب ثم آخذ مهواه أي ما هواه، وأُشبِع رغبته في النص الذي يريد أن يقرأه. أحياناً ما أخاطبه جهراً إلى ماذا تريد أن تأخذني؟ لكني، مع ذلك، أُرضيه، لأنني أعرف أنني إن لم أرضه لكي يسمع نصاً موسيقياً أو يقرأ مقامة أو يقرأ القرآن أو صحيح البخاري أو غيره، سوف يلاحقني وسوف يفسد علي كل شيء. حينما أُشبع نهمه يهدأ، ويحرِّرُني من مطالبه، حينها أعود إلى ما كنت فيه مرتاحا مطمئن البال. هذا الآخر عليك أن تعترف به لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لاستيعابه. أما إن حاصرته، إن أنكرته، فلا تظنن أنك تلغيه؛ إنك قد تسكته بالقوة، ولكنه سوف يجتاحك، وقد يأخذك بعيداً. لذلك لا بد لك من بعض الحكمة لسياسته. عليك أن تكون سائساً مثل سائس الخيل الجامحة.
س: نعرف علاقتكم بالشعر ولكم حافظة قوية تحدثتم عنها باقتضاب في رحيل الأستاذ محمد عابد الجابري. هل لازالت علاقتكم بالشعر طرية وهل تفكرون في تحرير قصائدكم من برج مكتبكم؟
ج: علاقتي ما انقطعت بالشعر أبدا منذ كنت طفلاً صغيراً حتى اليوم. ولا أذكر أنني ختمت ليلة قبل أن أسدل جفني وأنام من دون إنفاق نصف ساعة أو أكثر في رفقة الشعر والشعر القديم بصورة خاصة؛ فهو له سحر خاص في نفسي. ولا أشعر أن في وسعي أن أعيش من دون الشعر والموسيقا. الاثنان معاً يلازمانني يومياً. أما السؤال عن الإفراج عما كتبته من الشعر، فقد أخبرتك أنني نشرت بعض القصائد بإلحاح من بعض الأصدقاء (محمود درويش وآخرين)، ولكنني كما ذكرت لك في سؤال سابق ما أزال حريصا على أن لا أقدم نفسي كشاعر لسبب بسيط هو أنني أحترم الشعر وأتهيبه ولا أرضى لنفسي أن أكتب أي شيء دون أن أكون في زمرة الشعراء. تجرأت على الرواية، مثلاً، وتجرأت على النص الأدبي المفتوح. ومع أنني كتبت كثيراً، ولدي خلال الخمسة وثلاثين عاماً الأخيرة ما لا يقل عن ست مجموعات شعرية، وبعضها أنا راض عنه، لكني أفضل أن لا أنشره. قد ينشره غيري بعد رحيلي كجزء مما كتبته، وحينها سيكون النشر على عهدته لا على عهدتي. أنا احترام الشعر، وهذا هو السبب الذي يجعلني أتردد كثيراً في أن أنشره. ولا أخفيك أنه حتى حينما كتبت «رائحة المكان» وقبلها يوميات الحرب في لبنان 2006 كتبت فيها نصوصاً شعرية. أحد هذه النصوص يطيب لمرسيل خليفة كثيراً أن يردده: «على ورق متبادل يلتقيان». الثقافة العربية ثقافةٌ الشعرُ في مركزها؛ لقد كُتِبتْ نصوصٌ في الجغرافيا منظومة، وكُتبتْ نصوص في التاريخ منظومة. الشعر هواء الثقافة العربية الذي تتنفسه وبه تحيا. ربما لهذه المكانة الأسطورية للشعر في ثقافتنا استبطنت أنا هذا الشعور بأنني أمام أيقونة أهابها ولا أتطاول عليها. أتطاول على غيرها ولا أتطاول عليها. أكتب باللغة الصوفية، واكتب بلغة الفلسفة، وأكتب المقامات ونشرت الكثير من المقامات على طريقة بديع الزمان الهمذاني والحريري، ولكن الشعر هو اللحظة التي تحترق فيها الشجاعة. ولديّ قاعدة ذكرتها لك سابقاً مفادها ما كل ما يُكتب يُنشر سواء في الشعر أو في النثر.
س: ثمة شخصيات تعبر نصوصكم الأدبية عبر الحديث عنها برفعة وسمو كفيروز، محمود درويش، ياسر عرفات، أبو جهاد، حسن نصر الله، مرسيل خليفة، عمر بنجلون، عبد الرحيم بوعبيد ... إلخ. نود أن تتحدث لنا عن كل واحد؟ وكذلك عن العلاقة التي تربطكم به؟.
نبدأ بالسيدة فيروز
ج: فيروز حالةٌ غنائيةٌ وثقافيةٌ استثنائيةٌ في تاريخ الثقافة العربية، ولعلها كذلك في تاريخ الثقافة الكونية. فيروز صوتٌ قويٌّ، ودافئٌ، ومُعبِّرٌ، ومُكتنِزٌ بكل ما يمكن أن يجتمع في وجدان الإنسان من معانٍ رفيعة. وهي إلى كفاءتها في الأداء، وإلى التزامها المعنى الإنسانيَّ العميقَ، تُتْقِن - على التحقيق- كيف تؤدي المعنى الذي يُضَمَّخ به النص؛ كيف تُؤدِّيه أداءً رفيعاً، ناهيك بأنها غنَّت كل القوالب الموسيقية؛ وهذا أمر استثنائي في الغناء العربي والعالمي. صوت فيروز رسالةٌ إنسانية عميقة؛ إنه صوتٌ لا يُكتَفى في وصفه بالقول إنه جميلٌ، أو بديعٌ، أو رائعٌ، أو استثنائيٌّ، ولكنه صوت قادِرٌ على إحياء الروحيِّ والعميق في الوجدان الإنساني. أنا، طبعاً، لست أشك في أنَّ مكانةَ هذا الصوتِ الاستثنائي عَلَت في نطاق المدرسة الرَّحبانية عموماً، وأن المرحومَ عاصي الرحباني، زوجُ السيدة فيروز؛ هذا الموسيقيُّ العبقريُّ الكبيرُ الذي لم يوجَد قبله، ولا وُجد بعده من يضاهيه في الكفاءة الموسيقية (وربما قد لا يوجد لفترة قد تطول)، استطاع أن يعرف دقائق صوت فيروز، وأن يُفجر كل الينابيع التي يحويها هذا الصوت، وأن يرسم لأدائها أفقاً غير مسبوقٍ في الغناء العربي. صحيح أنَّ لدينا أصواتاَ جميلة جداً في تاريخنا الغنائي العربي منذ سيِّد درويش، والشيخ زكريا أحمد إلى محمد عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم، إلى اسمهان، إلى عبد الحليم حافظ، إلى وديع الصافي وإلى نصري شمس الدين. لكن هذه الأصوات، على كفاءتها واقتدارها وعلوها وسموها، تقف عند مستوى الممكن والمتوقع. فيروز تحوِّل المستحيل إلى ممكن في الأداء، ليس فقط على طبقات لا يستطيع غيرها أن يُجاريها في الأداء فيها، لكن داخل الطبقة الواحدة تؤدي بتنويعات يصعب على أي مغن أو مغنية أن يجاريها في ذلك. أنا مسكون بصوت فيروز منذ طفولتي؛ وهذه الرِّفقة المديدة مع الصوت سمحت لي بأن أُخزِّن أغنياتها بالمئات، وربما أكثر من الألف أغنية، في ذاكرتي. ولعل الأغرب أنني كنت أحفظ حتى مسرحياتها الغنائية؛ من ألفها إلى يائها، لا أقل من 16 مسرحية، من 23 مسرحية غنائية للسيدة فيروز، حفظتها عن ظهر قلب. مسكون بهذا الصوت، مسكون بالعالم السحريِّ للرحابنة. حتى في النص المسرحي الغنائي الرحباني - الفيروزي، هناك مسرحيات لا يستطيع المرء أن يتخيل مقدار غناها؛ مسرحية «يعيش يعيش»، مسرحية «بياع الخواتم»، مسرحية «ميس الريم»، مسرحية «أيام فخر الدين»، مسرحية «جسر القمر»، مسرحية «ناطورة المفاتيح» وغيرها. هذه أعمال خالدة وجبارة. يستغرب المرء أحياناً كيف تستطيع ثقافة أن تفرج عن كل هذا الغنى الموسيقيِّ والشعريِّ والمسرحيِّ، كلها مجتمعة في نص واحد وتتضافر الكلمة الجميلة والبعد الملحميُّ والأداء الغنائيُّ الرفيع في تكوينها. شخصياً، لم أحاول أن ألتقي السيدة فيروز إلاّ في الفترة الأخيرة. كنت أتهيَّب دائماً ذلك، وفي مناسبات عديدة سكَنَنِي الشعورُ بالحاجة إلى أن أراها، ليس على المسرح، ولكن أن أراها مباشرة. وفي مناسبات كثيرة التقيت الفنان الكبير، ابن السيدة فيروز، زياد الرحباني؛ وكلما كنت أعتزم أن أطلب منه أن يرتب لي لقاءً معها، أتراجع. المرة الوحيدة التي أفصحت فيها عن هذه الرغبة؛ أفصحت عنها لصديق مشترك رحمه الله؛ هو الشاعر جوزيف حرب، الذي غنت له فيروز عشرات الأغنيات، ولها علاقة وطيدة به. كنا التقينا بدمشق آخر مرة في سنة 2010 في ندوة، وطلبت منه أن يرتب لي، في زيارتي إلى لبنان، لقاء مع السيدة فيروز، ووعدني. لكن المشاغل، في الحقيقة، هي التي حالت دون أن أنفذ هذه الرغبة؛ ثم جاءت وفاته المفاجئة أيضاً فقطعت هذا الحبل. كتبت عن فيروز كثيراً، وحضرت قرابة الخمس عشرة حفلة من حفلاتها الغنائية. وأنا لا أخفيك أنني ما إن تصعد السيدة فيروز إلى المسرح حتى أُغالِب دموعي. المرأة الوحيدة التي تُمْطِر عيوني وأنا أراها أمامي؛ هي السيدة فيروز. ولا أدري لماذا كلما صعدت إلى المسرح، أتخيلها مريمَ العذراءَ. واللحظات التي أعيشها في الحفل الموسيقي أو الغنائي للسيدة فيروز، هي في عداد اللحظات الاستثنائية التي عشتها في حياتي، ناهيك بأنها ترافقني كل يوم في السيارة، وفي البيت. لا أستطيع أن أعيش من دون فيروز؛ فيروز أوكسيجين إنساني، أوكسيجين ثقافي. هذا ما أستطيع أن أقوله.
س: ما هي الأغنية التي توقفك أكثر من غيرها عند فيروز. أنا شخصيا توقفني أغنية «حبيتك بالصيف»؟
ج: «بِكْتُبْ اسمك يا حبيبي عالحَوْر العتيق، تكتب اسمي يا حبيبي عَرَمْلِ الطريق»، «نحنا والقمر جيران»، «زهرة المدائن»، «مختارات من كتاب النبي»، «يارا»، «قد أتاك يعتذر»، «وحدُن» تراتيل «الجمعة الحزينة»، «الشاميات»، و»الأندلسيات»...الخ. الأعمال التي وضع موسيقاها الراحلان عاصي ومنصور وغنتهما السيدة فيروز هذه من الأعمال الخالدة. خذ أغنية «البعلبكية» مثلاً: «بعلبك أنا شمعة على دْرَاجِك، وردة على سياجك أنا نقطة زيت بسراجك». هذه أغنية استثنائية، لن تجد لها مثيلاً، ولا لأدائها مثيلاً: لا عند ميريام ماكيبا، ولا عند جون بيز، ولا إديت بياف، ولا ميري ماتيو. عمالقة الغناء لا يستطيعون أداءَها. أعتقد أن فيروز نصابٌ لا يُبْلغ، وهو فوق أي نصاب.
س: خلق تلحين زياد الرحباني أغانٍ لفيروز نقاشاً كبيراً حول الفارق بين أسلوبه وأسلوب والده عاصي الرحباني.
ج: زياد موسيقي عبقري وليس إنسانا عاديا وليس غريباً ذلك؛ هذا الشبل من ذاك الأسد. هو ابن السيدة فيروز وعاصي الرحباني. شطحات زياد الرحباني التي زاوج فيها مزاوجات فذة بين المقام الشرقي والجاز (الجاز الشرقي كما أَطْلَق عليه) نقلها من المستوى الموسيقي إلى المتسوى الغنائي وتفاعلت معها فيروز، لأن لدى فيروز روحَ تجديد. لا تريد أن تبقى نمطية في أدائها بحيث تُشْبِع ذائقةَ جيلٍ معين؛ الشباب اليوم يُقبلون على فيروز، بشكل استثنائي، بسبب أغاني زياد الرحباني. زياد لحن لها منذ وقت مبكر وكان ما يزال شاباً؛ لحن لها أغاني أول أغنية، في ما أذكر، حين كان في السابعة عشرة من عمره، سنة 1973، هي «سألوني الناس عنّك يا حبيبي»، ثم أغنية «حَبُّو بعضُن تركو بعضُن»، وهي أغنية من أغنيات مسرحية «ميس رلين». وعزف بالبيانو أثناء أدائها عزفاً أنيقاً. وتلتها في ما بعد أغانٍ أخرى حين بدأ زياد يقدم مسرحياته الغنائية على طريقة والده عاصي الرحباني، مسرحيات: «سهرية»، «نزل السرور»، و»شي فاشل»، و»بالنسبة لَبُكْرَة شو»، و»فيلم أمريكي طويل» ? وهي جميعُها أُلّفَت من زياد وقُدِّمت في السبعينيات- وصولاً إلى مسرحيتيْ «بخصوص لبنان الكرامة»، و»لولا فسحة الأمل» في أوائل التسعينيات، قبل أن يتوقف زياد ? من أسفٍ شديد- عن المسرح الغنائي. وفي بعض هذه المسرحيات أغنيات وضعها زياد للفنان الراحل جوزف صقر، ثم غنتها فيروز في ما بعد، ومن أوائلها أغنية «عَاهْدير البوسطة». أما الأعمال التي كرَّسها لفيروز وغنَّتها له فتجدها في خمس مجموعات غنائية أساسية من حوالي أربعين أغنية هي: «وحْدُن»، و»مَعْرفْتي فيك»، و»كيفك أنت»، و»مش كاين هَيْك تْكون»، ثم آخر مجموعة غنائية «إيه فيه أمل»، عدا عن أغنيات عدّة قُدِّمت في حفلات لفيروز ولم تُسجَّل في أسطوانات أو أقراص مدمجة. هذه أعمال جميلة جدًّا جدًّا، وبعضها، في شريط «وحدُن» مثلاً، يترجَّح ترجُّحاً خلاّقاً بين كتابة موسيقية حديثة ورومانسية ? مع بعض لمسات الجاز ? وبين استلهام المناخ الموسيقي لسيّد درويش والشيخ زكريا أحمد في أغنيات شديدة التميُّز والفرادة. وهو نفس ما كرره زياد الرحباني حينما قدم عمله «أنا مش كافر». والأغنيتان بالمناسبة (أعني أغنية «أنا مش كافر» وأغنية «شو ها الأيام اللي وصلنا لها») كان قد لحنهما زياد للشيخ إمام بمناسبة زيارته بيروت ولكن لم يؤدهما الشيخ إمام، فأداهما زياد الرحباني، بدلاً منه، بصوته، وكان موفقاً جدًّا جدًّا. لنَقُل إنها هي، أيضا، عودة إلى سيد درويش. زياد أخذ هذا الأسلوب من أبيه من عاصي الرحباني، لأن عاصي أول من أعاد الاعتبار إلى سيد درويش من طريق إعادة تقديم بعض أغنيات سيد درويش في بداية القرن العشرين؛ مثل، «زوروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة» أو «الحلوة ذي قامت تعجن بالبدرية»، أو «طلعت يا ماحلا نورها»، أو «يا شادي الألحان». التقليد الذي درج عليه عاصي الرحباني وأخوه منصور ( كانا يكتبان النص الموسيقي معاً). هذا التقليد الذي درج عليه الأخوان الرحباني هو نفسه الذي سار فيه، في ما بعد زياد الرحباني ومرسيل خليفة. والعودة إلى سيد درويش ذات دلالة عميقة؛ فهو المؤسس الفعلي للموسيقا العربية، ولكنّه ظُلِم، ومن الذين ظلموه الأستاذ محمد عبد الوهاب الذي أخذ مجرىً موسيقياً مختلفاً تماماً عن الأسس التي أرساها سيد درويش في بدايات الموسيقا العربية. معظم أعمال محمد عبد الوهاب أعمال تشتغل على قوالب مثل السماع واللونغا والبَشرف؛ وهذه لها أصول تركية وليست أصولها عربية، بينما عاد سيد درويش إلى الأصول العربية: إلى المقام العراقي، إلى القدود الحلبية، إلى الموشح على الأصول الأندلسية، وأعاد صياغتها في تركيبة جديدة. فعاصي الرحباني بعودته إلى سيد درويش إنّما يمحو هذه الحقبة الوسيطة بين سيد درويش والموسيقا الحديثة. وهذا لا يعني أن عاصي الرحباني كان سلبياً تجاه محمد عبد الوهاب؛ لا أبداً، بل تعاون معه حتى أنه سمح لمحمد عبد الوهاب بأن يضع ألحانا للسيدة فيروز بعد أن غنت له «يا جارة الوادي» أول مرة. وفي ما بعد، لحَّن لها أعمالاً كثيرةً مثل «سكن الليل»، و»مُرَّ بي»، و»سْهار»...الخ، لكنه كان حريصاً على إعادة الاعتبار إلى سيد درويش. وبالمناسبة المسرح الغنائي عند عاصي الرحباني ومنصور الرحباني ما هو سوى محاولة إحياء ذلك الأثر العظيم الذي خلفه سيد درويش وكرسه، وهو المسرح الغنائي الذي كان مؤسسه الفعلي. وحين أحياه عاصي الرحباني في نهاية الخمسينيات، لم يكن هناك مسرح غنائي، بل الأوبريت مع محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش. ولقد كان لاهتمام الأخويْن الرحباني بتراث سيّد درويش الموسيقي أثرٌ كبيرٌ، بل حاسم، في تنبيه الموسيقيين العرب إلى هذه الذخيرة الفنّية الغنية؛ فكان أن أسّس المرحوم الأستاذ عبد الحليم نويرة ?وبإيعاز من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر- «الفرقة العربية للموسيقا»، التي أدارها المايسترو نويرة نفسه، وتفرغت لإعادة تقديم تراث سيّد درويش، وأبي العِلا محمد، والشيخ زكريا أحمد والكلاسيك العربي ? في أوائل القرن العشرين ? تقديماً أوركسترالياً حديثاً. وهذا ما وُفِّقت فيه الفرقة. وهو نفسُ ما حاولَهُ، في ما بعد، المايسترو اللبناني سليم سحّاب حين أسَّس، في سنوات الثمانينيات، «الفرقة اللبنانية للموسيقا». لكن تجربة سحّاب والفرقة كانت أقل طموحاً، من الناحية العلمية، من تجربة نويرة، ربما بسبب انحياز سليم سحّاب الشديد إلى محمد عبد الوهاب، وتجاهله سيّد درويش، وحرصه المبالَغ فيه على «الأصالة» في التوزيع الموسيقي، وإحجامه بالتالي عن أيِّ اشتغال علمي على الآلات الموسيقية. وهو ما تبدَّى أكثر حين أصبح مسؤولاً، في الأوبرا المصرية، عن «فرقة أم كلثوم». أعتذر منك عن هذا الاستطراد، في معرض الحديث عن سيّد درويش ومنصفيه. ولكن أملي الكبير في أن يذهب زياد الرحباني ومرسيل خليفة أكثر في إعادة الاعتبار تلك، وفي نقل هذه الأيقونة العظيمة (أعني سيّد درويش) إلى الحياة الموسيقية من جديد.
س: ومحمود درويش؟
ج: محمود درويش شاعر كبير وصديق كبير ومع احترامي لاسم الشاعر، ولهذا الجنس الأدبي الذي نسميه الشعر، أستطيع أن أقول إن محمود أكثر من شاعر، وأن ما كتبه أكثر من الشعر؛ لأنك في النص الشعري الدرويشي أنت تصطدم مباشرة بالفلسفة بالتصوف، بالنثر الفني، بالنَّفَس الروائي، وبالالتزام السياسي. هذه كلها مجتمعة في نص ينجح محمود درويش، كثيراً، في أن يحرره من الرتابة والخطابية حتى في الفترة التي كان فيها محمود يجاري المزاج السياسي للمقاومة في السبعينيات فكتب، قصائده الكبرى الملحمية مثل «قصيدة بيروت» أو «مديح الظل العالي» بعد حصار بيروت. لم يساوم على الشعرية في هذا النص الملحمي. طبعاً محمود نضج أكثر بدءً من مطالع التسعينيات إلى حين رحيله؛ منذ كتب «أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي». والمنعطف الكبير كان «جدارية» التي كتبها سنة 2000 وصولاً إلى آخر نص نشر له بعد وفاته: «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» مروراً، طبعاً، بالنص الخالد «في حضرة الغياب». محمود درويش حالة استثنائية في تاريخ الشعر العربي. لعله إن سئلت عمَّن هم أكبر الشعراء العرب المعاصرين أعتقد أنه بعد بدر شاكر السياب لا يوجد إلا ثلاثة كبار: محمود درويش وأدونيس وسعد يوسف. هؤلاء هم الشعراء الكبار والفطاحلة. إن كنّا نتحدث عن أبي الطيب المتنبي أو عن أبي تمام أو عن البحتري نستطيع أن نتحدث عن هؤلاء الثلاثة. في شعر محمود درويش كثافة نصية وكثافة دلالية عالية. في العادة مثل هذه الكثافة تنوء اللغة بحملها، لكن اقتدار محمود درويش يجعله قادراً على تطويع اللغة لكي تكون الثوب الملائم لتلك الكثافة الدلالية. إلى ذلك كله محمود درويش مثقف كبير بكل معنى الكلمة؛ حينما تجلس معه تحس فعلاً بأنه رجل على مستوى من الاقتدار العلمي، من اليقظة الذهنية، من القدرة على الحوار واستشكال الموضوعات. هو أيضاً كاتب من الطراز الأول على صعيد النثر الفني. وأحيانا بعض مقالاته التي كان ينشرها في «الكرمل»، والمقالات التي نشرها في «اليوم السابع» تشهد بكفاءته الكبيرة في الكتابة النثرية. محمود متعدد المواهب، ومحمود عاشق للموسيقا والغناء بشكل لا يصدق؛ قلَّما وجدت شخصا مهجوساً بهذا كله كما رأيت محمود درويش. ثم إنه فوق ذلك كله ابن الثورة الفلسطينية بكل معنى الكلمة، المخلص لها. لكنه في نفس الوقت الرجل الذي لا يريد أن يكون فريقاً في الساحة الفلسطينية، ولذلك ظل محمود درويش للجميع ولم يختلف مع أحد فكانت علاقته بياسر عرفات هي عينها علاقته بجورج حبش هي عينها علاقته بسليمان النّجَّاب رحمة الله عليهم جميعاً. وأستطيع أن أقول إذا كانت السيدة فيروز قد اختصرت الشعب اللبناني فيها ورمزت إليه، فإن محمود درويش اختصر الشعب الفلسطيني ورمز إليه، ولا يمكنني أن أنطق عبارة فلسطين دون أن يحضرني طيف محمود درويش وطيف ياسر عرفات وطيف جورج حبش. كما لا أستطيع أن أنطق عبارة لبنان دون أن يحضرني طيف فيروز وعاصي الرحباني وجبران خليل جبران ومخائيل نعيمة. هؤلاء رموز يجسدون الفكرة العليا والتي هي الوطن أو الأمة أو الشعب وما إلى ذلك. غياب محمود درويش كان خسارة فادحة للقصيدة العربية وللثقافة العربية وكان رحيله في اللحظة التي تفجرت فيها الينابيع لا يمكن للمرء أن يتخيل حجمها في شخصه علاقتي بمحمود درويش علاقة وطيدة ولي ذكريات معه ومع مارسيل نحن الثلاثة وقد تأتي مناسبة وأكتب فيها بالتفصيل، علماً أنني كتبتُ عنه مطوّلاً في كتابٍ جماعيّ، أشرفتُ عليه بعد وفاته، تحت عنوان «هكذا تكلّم محمود درويش»، صدر في بيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية.
س: محمود درويش بالإضافة إلى ما قلت يرفض أي منصب وزاري في السلطة الفلسطينية؟
ج: لا، لم يرفض؛ كان وزيراً للثقافة وتقلد منصب عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير قبل ذلك، لكنه في ما بعد طلب من الشهيد ياسر عرفات إعفاءه من المنصب. أنا أفهم لماذا تطرح السؤال؛ حينما انتهت مفاوضات أوسلو، كان محمود على علم بأن المفاوضات تجري وقد أخبر أحد الأصدقاء بذلك، والذي هو أستاذنا الأستاذ محسن إبراهيم الأمين العام «لمنظمة العمل الشيوعي بلبنان»، وكان أميناً عاماً تنفيذياً للمجلس السياسي المركزي للحركة الوطنية اللبنانية. أخبره أن ثمة شيئاً ما يدور وهذا ذكرته في يومياتي («حالة الحصار»). أذكر أن محسن إبراهيم أخبرني بذلك حينها. كنت في تونس وزرت الراحل الكبير ياسر عرفات في مقر إقامته في الثمن عشر من غشت 1993. كان معه أبو مازن، ومحسن إبراهيم، والمرحوم حيدر عبد الشافي رئيس الوفد المفاوض في واشنطن وحنان عشراوي. ودار الحديث في القضية الفلسطينية ولم يشر «أبو عمّار» إلى هذا الموضوع على كل حال. الذي حصل هو أنه حينما أعلن عن «اتفاق أوسلو» في 13 سبتمبر 1993، قدم محمود درويش استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وليس من السلطة التي لم تقم بعد. السلطة قامت سنة 94 عاماً بعد «اتفاق أوسلو». وحين سئل لماذا تستقيل في هذه اللحظة من اللجنة التنفيذية قال لأن شغلي الرموز، وليس في وسع الرموز أن تُفاوِض، أنا لست رجل سلطة أو سياسة لكي أتفاوض. الرموز ترمز إلى الثوابت التي لا تتغير، إذا اتسخت في مستنقع المفاوضات اتسخت معي تلك الرموز. لذلك فلنحفظ نحن تلك الرموز.
س: في ما يخص محمود درويش هذا هو البعد الاحتجاجي الأول، الاحتجاج الشعري الرائع جدّاً ابتداء من «أحد عشر كوكبا». هذا التغير نوع من النضج الشعري الكبير في رأيك بينما قراء محمود درويش لم يفهموا هذا الانتقال بين مرحلة وأخرى. أنا أسألك هل يعني هذا الانتقال أن القيم السابقة لم تعد ممكنة الانشغال بها والاهتمام بها والحديث عنها شعراً، وأنه ينبغي إلى الخوض في التفاصيل؟ الأجمل من النصوص هي حديثه عن الموت بشكل خاص (الجدارية).
ج: حاولت أن أكتب من وحي هذه الهواجس والأسئلة والنصّ الذي نشرته بعد وفاة محمود درويش. محمود درويش ابن الثقافة العربية؛ ثانياً ابن الحركة الوطنية الفلسطينية وابن الثورة الفلسطينية، ومن أجل الثورة الفلسطينية ترك فلسطين المحتلة عام ،48 التي تسمى اليوم إسرائيل، وانتقل إلى القاهرة، في أوّل عقد السبعينيات، ومن القاهرة إلى بيروت: إلى حضن الثورة الفلسطينية. هذا يُطلعك على أنه، منذ البداية، وضع نفسه في نطاق الحركة الوطنية الفلسطينية. وكان شعره منذ البداية؛ منذ كتب «أوراق الزيتون» وقبلها في القصائد الأولى سنة 60-61 يتميز بالبعد الالتزامي والنضالي من دون التفريط في البعد الفني والجمالي الرائع. وطبعاً مع محمود درويش ظهرت لغة شعرية جديدة في بداية الستينيات لا تضاهيها في الجمالية إلا لغة أدونيس ولغة أدونيس، قد تعلو عليها في ذلك الحين. واستمر هذا النمط من الكتابة وصولاً إلى بداية السبعينيات. حينما التحم بالثورة الفلسطينية، مال شعره أكثر إلى أن يكون شعراً ملحمياً خطابياً بالتحديد في النصف الثاني من السبعينيات. في النصف الأول كتب بعض قصائده ودواوينه البديعة مثلاً قصيدة «سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا» قصيدة جميلة جداً. كان ما يزال مشدودا إلى اللغة الرومانسية بعد الخمسة والسبعين. أما بعد قصيدة «أحمد الزعتر»، و»قصيدة بيروت» وصولاً إلى «مديح الظل العالي»، فقد طَغَتِ الملحمية في شعره، وكانت ثمة حاجة تاريخية إليه؛ فشعر درويش على هذا النحو كان يجيب عن حاجة تاريخية هي استنهاض فعل المقاومة في أوساط الشعب الفلسطيني في مواجهة الغطرسة الصهيونية والاغتصاب الصهيوني. بعد أن غادر محمود درويش بيروت، ومنها إلى باريس نشأت عنده المسافة مع المكان، لا أقول مسافة مع القضية، ولكن مسافة مع مفهوم الشعر وارتباط الشعر بقضية بعينها. لم يعد محمود درويش شاعراً فلسطينياً فقط، أصبح شاعراً كونياً؛ ذهب إلى الإنساني الذي هو جامع مشترك بين كل الشعوب وكل المضطهدين في الأرض، فأصبح في وسع الفينزويلي أو الجنوب أفريقي أو الهندي أن يقرأ نفسه في شعر محمود درويش وليس الفلسطيني والعربي فحسب. انتبه محمود درويش إلى غنى هذا الانتقال، فأمعن فيه. حينما تقرأ قصيدة مثل «رقصة الهندي الأحمر قبل الأخيرة»، وهي منشورة في ديوان «أحد عشر كوكباً على آخر المشهد الأندلسي»، فأنت تقرأ قصيدة تتحدث عن مأساة الهنود الحمر في أمريكا. أنت تقرأ مأساة الإبادة الجماعية للهنود الحمر (مائة وعشرين مليون هندي أُبِيدُوا في القارة الأمريكية)، تقرأ فيها مأساة الهنود الحمر؛ تقرأ فيها مأساة الشعب الفلسطيني في مرآة المأساة الأولى، لأن الفاعلَ واحدٌ وإن تعدّدت الأسماء. هذا التزاوج الخلاق بين المسألة الوطنية والمسألة الإنسانية، بكل أبعادها التراجيدية، هو ما نجح فيه محمود درويش. المرحلة الثالثة التي بدأت مع «جدارية» تحدثت عن الموت. انتبه محمود إلى الذات. الذات تتكلم في كل أعمال محمود درويش من 2000 إلى 2008 إلى أن رحل خلال هذه الثمان سنوات، ونشر فيها أعمالاً كثيرة بين «جدارية» و»في حضرة الغياب». كانت الذات تحضر، ولكن حينما تدقق تجد أنها ليست الذات المفردة فقط وحصراً؛ الذات الجماعية تتكلم من طريق ذات مفردة، وهذه هي، كما قلت، لحظة الانعطاف في الكتابة الأدبية عند محمود درويش. أنا أصر على هذه العبارة لأنها الكتابة العابرة للحدود ما بين النص الشعري والنص النثري. ولذلك أنا أصررت حينما كتبت «رائحة المكان» و»ليليات» أن أضع على غلافيْهِما عبارة «نص»؛ لأن النص عابر للحدود، مفتوح بين الشعريّ والنثريّ، يكسر القواعد الجامدة ويعيد صياغة النص الأدبي المتحرر من إسار الأجناس والقيود التي تفرضها الأجناس على الذي يكتب في نطاقها.
س: وماذا عن ياسر عرفات؟
ج: لعله من أكبر القادة في تاريخنا الحديث والمعاصر. رجل ثاقب الذكاء، لَمَّاع، أستاذ محترف في الاستراتيجيا وفي التاكتيك. وصفه محمود درويش، مرة، بقوله إن هذا الرجل هو الذي يأخذ الملاك بيمينه والشيطان بيساره كي يؤلّف جملة. من يعرف الشهيد ياسر عرفات، يدرك دقة وصف محمود له. إنه رجل مقتدر في مجال صناعة الموقف السياسي، وإخراج الموقف السياسي من دون أن يقدم تنازلات استراتيجية. قاد شعبه في لحظة ظلماء من تاريخه الحديث بعد الاغتصاب الصهيوني لفلسطين. وشق له الطريق أمام خيار الكفاح المسلح، وفي نفس الوقت تميز بواقعية سياسية لم يتقنها آخرون من القادة الفلسطينيين واقعية سياسية تفرضها أحكام ميزان القوى بين الفلسطينيين؛ والعدو الصهيوني وبين العرب والعدو الصهيوني وبين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي الغربي. وأوجد لهذا الشعب مكاناً في خريطة العالم بعد أن حاولت الصهيونية محوه ومحو قضيته. وحين أعياه الواقع العربي المرير، لم ييأس. التقيته مرات عديدة قبل أوسلو؛ لم يكن يائساً في اللحظة التي كان فيها الجميع إما يائسين أو قاب قوسين من اليأس خاصة بعد حرب الخليج الثانية وتدمير العراق سنة 91، وانعقاد مؤتمر مدريد في خريف العام 91. وكان ياسر عرفات متفائلاً وتصوَّر، ربما هنا كان مخطئاً، أنه يستطيع من خلال اتفاق انتقالي مع الكيان الصهيوني، الذي هو «اتفاق أوسلو» أن يحدث اختراقاً في قضية الصراع العربي ? الصهيوني. وأنا كنت واحد من الذين انتقدوا هذا الخيار وكتبت ضده، ولم يغير ذلك من علاقتي بياسر عرفات حتى في الوقت الذي كان يُهَاجم فيه. وفي بعض المؤتمرات، وكنت معارضاً لأوسلو حينها كان يُهَاجم من أشخاص مثل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي أو عبد الله رمضان شلح «الجهاد الإسلامي» أو بعض إخوانه من قادة «حزب الله»، كنت أنبري للدفاع عنه أمام استغراب معظم أعضاء «المؤتمر القومي العربي» و»المؤتمر القومي الإسلامي». ومرة كتبت نقداً لاذعاً ضد حسن نصر الله أمين عام «حزب الله» حينما هاجم ياسر عرفات وقال عبارته الشهيرة أليس في الشعب الفلسطيني شخص مثل خالد الإسلامبولي (= الذي اغتال السادات)، وكنت أقدِّر حسن نصر الله، ولكني كتبتُ نصّاً نقدياً لاذعا. وقيل لي إن أحد قادة «حزب الله» طلب من السيد نصر الله أن يأذن له بأن يرد علي، فقال له حسن نصر الله «لا، معه حق». اعترف بأنه كان قد أخطأ واعتبر هجومي مشروعاً. على الرغم من معارضتي لأوسلو لم يُؤثر ذلك في علاقتي به. ولكن عندما جاء مفاوضات كامب ديفيد الثانية في يوليوز 2000 وقال ياسر عرفات لاءاته الشهيرة؛ فرفض أن يتنازل عن القدس، وعن حق العودة، ورفض أن يوقع. فوجئ الجميع كيف أن ياسر عرفات صمت قبل كامب ديفيد. كنت أقول لأصدقاء كثر ومنهم من هم في عداد الأحياء، مثل الأستاذ بلال الحسن، إن ياسر عرفات يتنازل فقط «في مفاوضات الوضع الانتقالي»، أي ما يتعلق بالمسائل الأمنية وتقسيم مناطق السلطة الفلسطينية إلى ألف وباء وجيم، ومتى تضم مناطق إلى أخرى. وحينها كان رئيس الفريق المفاوض الأخ صائب عريقات ينفذ أوامر ياسر عرفات. وهذه التنازلات تُطْمِع الإسرائيليين في القرار الفلسطيني أو تُشْعر الفلسطينيين بأن القرار الفلسطيني رخو. كان ذلك، في نظري، مقصوداً منه من أجل إسكات إسرائيل واستدراجها إلى «مفاوضات الوضع النهائي». وفي الوضع النهائي، حيث القضايا الأساس هي الدولة والمستوطنات وحق العودة والقدس، سوف يكون أمامكم ياسر عرفات آخر. هذا كان رأيي وهذا ما حصل حينما بدأت مفاوضات كامب ديفيد. ما زاد من اقتناعي بوجاهة توقعي أنه، قبل المفاوضات بثلاثة أشهر، حررت المقاومة الجنوب اللبناني في 25 ماي 2000. قلت، حينها،بل كتبتُ أن أول من سوف يستثمر هذا الحدث هو ياسر عرفات في أي مفاوضات قادمة مع إسرائيل، وهذا ما حصل؛ أدرك بحسه السياسي الرفيع أن هناك متغيراً كبيراً في المنطقة يتمثل في أنّ إسرائيل سوف تجلو لأول مرة عن أرض عربية من دون تفاوض، سوف تُدْحَر وتجبر على الانكفاء العسكري من دون تفاوض. جاؤوا إلى المفاوضات فوضع ياسر عرفات لاءاته. أول المتفاجئين كان هو بيل كلينتون، فانهارت المفاوضات. مباشرة بدأ ياسر عرفات التصعيد؛ اندلعت «انتفاضة الأقصى الثانية» في ثمانية وعشرين سبتمبر 2000 (يوم الذكرى الثلاثين لرحيل الرئيس جمال عبد الناصر)، أي بعد شهرين من انهيار مفاوضات كامب ديفيد. ثم ذهب إلى الكفاح المسلح وسلَّح «كتائب شهداء الأقصى» من حركة «فتح». هذا هو ياسر عرفات. مَن يحاول أن يختزل ياسر عرفات، كما يفعل بعض إخوتنا الفلسطينيين، إلى مجرد سياسي متحذلق يتقن اللعب على التناقضات، لا يقدّمه في كليته. صحيح هذا في ياسر عرفات. ولكن الجانب الثاني هو ياسر عرفات المقاتل الشرس، الرجل المبدئي الذي يعرف متى يقول: لا ويتمسك بها. هذا الرجل الذي عرفناه في أحراش «جرش» وفي مرتفعات «عجلون» في الأردن وعرفناه في بيروت وفي الجنوب وفي الفاكهاني وفي حصار بيروت، وعرفناه في «المقاطعة» محاصراً ومؤيِّداً «لكتائب شهداء الأقصى». هذا هو الوجه الآخر لياسر عرفات. إنه الرجل الذي جمع إلى المبدئية واقعية سياسية فذة وليست وقوعية، ليست اعترافا بالأمر الواقع، ولكن التكتيك الذي يسخَّر لغاية تحسين الشروط وبما يخدم الاستراتيجية الثورية والكفاحية للشعب الفلسطيني. حاولت أن أكتب عنه وعن علاقتي به في كتابي «أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: من فتح إلى حماس» حوالي 25 صفحة. أعتقد أنه، في ما قيل لي، مفيد لمعرفة شخصية ياسر عرفات بالتفصيل. وظل ياسر عرفات، كما قلت، أحد أكبر رموز الثورة والتحرر في العالم يوضع اسمه في المصاف إلى جانب اسم ماوتسي تونغ، وهوشي منه، وفيديل كاسترو، وتشي غيفارا، ونيلسون مانديلا، ومحمد بنعبد الكريم الخطابي في المغرب، وجمال عبد الناصر. يوضع اسمه في مصاف هؤلاء كرمز للتحرر.
س: في الحديث عن ياسر عرفات دائما أنا أقَلُّ ما أقول أنه أسطورة العالم المعاصر بما تعنيه الأسطورة. فيه من الشجاعة ما لا يمكن أن نتصوره فيما قرأناه سواء في بيروت أو في حصار رام الله. كان يحاول أن يتفقد الواحد تلو الآخر، قبل النوم، ولازال مستيقظاً في ظروف صعبة وصعبة جداً. عملية الاغتيال كيف تلقيتها؟
ج: أنا أخبرني بها أصدقاء من مكتب الرئيس أبو عمار ياسر في رام الله. وكنت أعتزم، حينما نقل إلى باريس إلى المستشفى، الذهاب لزيارته. وحجزتُ للسفر. لكنه قضى رحمه الله قبل أن أذهب إلى باريس. لكن من المعلومات التي أصبحت اليوم في حوزة الرأي العام، والتقارير التي أوعزت زوجة الراحل أبو عمار كما أوعز الأخ أبو مازن أن تعد في هذا الباب، وشهادات الأطباء، بما في ذلك الطبيب الخاص الأردني لأبي عمار، ومعلومات أخرى مستقاة من تقارير الاستخبارات نجدها ضافية في كتاب للأخ بسام أبوشريف، ناهيك بشهادات العديد من النشطاء في المنظمات غير الحكومية في أوربا الذين كانوا يزورون ياسر عرفات، كلها تقطع بأنه اغتيل مسموماً. اقتنعوا بأنه لا سبيل إلى ضرب الصمود الفلسطيني إلا باغتيال ياسر عرفات وهذا ما حصل فعلاً. بعد اغتيال ياسر عرفات تراخت القبضة الفلسطينية؛ اليوم لم يعد هناك شخصية كاريزمية تستطيع أن تجمع الشعب الفلسطيني مع احترامي للأخ محمود عباس. بعد وفاة أبو عمار سيحصل الانشقاق في الساحة الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية، وبين حماس وبين فتح. ولأول مرة لن تكون في حالة متماسكة مثل التي كان أبو عمار يفتخر فيها بالقرار الوطني المستقل. اليوم لا قرار وطنياً مستقلاً في الساحة الفلسطينية بعد رحيل ياسر عرفات.
س: وأبو جهاد؟
ج: أبو جهاد شخصياً لم أتعرف عليه، لكنني كنت مبهورا بشخصيته، وكنت أعرف الكثير عنه وعن أدواره في الثورة الفلسطينية وفي دعم حركات التحرر في العالم وليس فقط في فلسطين. وكنت أيضاً معجباً بكفاءته السياسية في إدارة الحوار سواء في الساحة الفلسطينية أو في غيرها من الساحات بما في ذلك الساحة اليمنية يوم جرى الخلاف داخل الحزب الاشتراكي اليمني جناح عبد الفتاح إسماعيل وجناح علي ناصر محمد إلى أن اغتيل في أبريل سنة 1988 الذي كنت أعرفه جيداً هو أبو إياد رحمه الله وأبو الهول (هايل عبد الحميد)، وهما أيضاً اُسْتُشْهِدا في تونس في المكان عينه الذي استشهد فيه أبو جهاد. لأبو جهاد دور كبير في الثورة الفلسطينية لأنه هو أول من أنشأ معسكرات الثورة في سنة 64 قبل انطلاق الكفاح المسلح سنة 65. أنشأ معسكرات للثورة في الجزائر ثم في الأردن، وهو الذي جند الشباب للثورة الفلسطينية وبقي بعيداً عن صراعاتها السياسية. هذا كان معروفا عنه؛ كان رجُلاً للجميع رغم أنه فتحاوي عضو اللجنة المركزية والمجلس الثوري في حركة «فتح». لكنه لم يترشح يوماً لأي منصب كبير في منظمة التحرير. حين سيطرت «فتح» والفصائل على منظمة التحرير، وأزالت المرحوم أحمد الشقيري من رئاسة المنظمة وأصبح ياسر عرفات هو رئيس اللجنة التنفيذية ، في العام 1969، لم يترشح أبو جهاد يوماً للجنة التنفيذية، وظل بعيداً. أبو إياد أيضاً، لا يقل كفاءة عن أبو جهاد. أبو إياد استلم الجهاز الأمني، وأبو جهاد استلم الجهاز العسكري وظل هدفاً. حتى أنه يقال إن العملية التي قام بها الإرهابي إيهود باراك سنة 73 في شارع الفردان في بيروت؛ حينما قاد الكوموندوس قاده لاغتيال أبو جهاد وأبو إياد ولكن سقط في الأخير ثلاثة من قادة حركة «فتح»: الشاعر كمال ناصر، وأبو يوسف النجار، وكمال عدوان. طبعاً بقي مستهدفاً إلى أن اغتيل في تونس. إنه أيضاً كما كان يقال، أول الطلقة وأول الحجر؛ هو الذي قاد الانتفاضة التي انطلقت في ديسمبر 87، وهو الذي أوعز بتأسيس «القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة» في أراضي الضفة وقطاع غزة والتي كان من رجالاتها ومن قياداتها غير المعروفين في ذلك الحين المرحوم فيصل الحسيني. أبو جهاد في هذه الفترة، حينما اندلعت الانتفاضة، كان مسؤولاً عن القطاع الغربي، ويقصد به الضفة الغربية وقطاع غزة، فكانت كل شؤون فلسطين المحتلة تقع تحت مشمولات عمل أبو جهاد؛ فكان يعرف كل المناضلين في الساحة الفلسطينية، ويلتقيهم خارج فلسطين. كانوا يأتون إلى تونس أو يلتقيهم في أمكنة أخرى: في بغداد، في دمشق، في صنعاء، في عدن، في عمّان... إلخ. وجرت الترتيبات كلها بإشرافه هو على إطلاق الانتفاضة، وهذا ما حصل. لذلك، عرف على نطاق واسع بأنه أول الطلقة لأنه هو الذي بدأ كفاحاً مسلحاً سنة 65 وأول الحجر سنة 87.
س: السيد حسن نصر الله؟
ج: السيد حسن نصر الله من هذه الطينة؛ من طينة هؤلاء الرجال الكبار أمثال أبو عمار وأبو إياد وأبو جهاد. قائد سياسي محنك، وكريزما كبيرة ليس فقط في نطاق جمهوره الضيق، أي المنتسبين إلى «حزب الله» أو محيطه اللبناني، وإنما عربياً. يشِّرفُه أنه قاد المقاومة الوحيدة التي استطاعت أن تدحر إسرائيل وأن تُؤَدّب إسرائيل. قدمنا تضحيات قبل «حزب الله» في إطار الثورة الفلسطينية كما في إطار «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية»، بين العامين 1982-1986، لكن هذه التضحيات لم تقابلها انتصارات بحجمها. مع «حزب الله» تحولت المعادلة. نعم هناك تضحيات قدمها الحزب، وقدمها لبنان، وقدمتها الحركة الوطنية في لبنان، ولكن ما اكتسبته المقاومة وما حصلت عليه من مكتسبات وانتصارات لا يقل عن تلك التضحيات الجسام التي قدمت. عرفتُ حسن نصر الله منذ أن تولى مسؤولية الأمين العام ل»حزب الله» بعد استشهاد السيد عباس الموسوي سنة 93. وكنت ألتقيه في مناسبات عديدة: «المؤتمر القومي العربي»، «المؤتمر القومي الإسلامي» وفي مناسبات أخرى. وأستَمِعُ إليه ويسْتَمِع إلي، وهذا دأبه مع الجميع. وأذكر أنني في مناسبات كثيرة أبديت رأيي في بعض المسائل التي كنت أخشى أن يخطئ فيها «حزب الله» بما في ذلك نصحي الدائم له بأن لا يتورط في المعادلة السياسية اللبنانية الداخلية وأن يبقى حزبا للمقاومة، وأن لا يطالب بحصة في السلطة، وأن يترك هذا الأمر لرفيقه نبيل بري ول»حركة أمل» التي تمثل حصة الشيعة. وأعتقد أنه التزم هذا الخيار إلى حين اغتيال رفيق الحريري، فتغير الوضع وأصبح الحزب منغمساً في السياسة الداخلية اللبنانية، فتعاظم الانقسام حوله في الساحة اللبنانية. هذه واحدة، ثم ثانيا استُغِلَّ انغماسُه في الشأن الداخلي اللبناني، لبنانياً وعربياً، للتحريض عليه وعلى الشيعة، ولاستنفار السنة والعصبية السنية في لبنان في متاهة الصراع السني ? الشيعي. أنا هذا، ولا أخفيكم وأقوله بصراحة، وكتبته في كل الأحوال، ممّا كنت أتوجس خيفة من أن يستدرج «حزب الله» إليه، وإلى دهاليز لبنان وزواريب لبنان وسراديب لبنان السياسية، فيدفع ثمناً غالياً. ومن أسفٍ أنه استُدرِج وإن كان وقتٌ يكفي «حزب الله» لكي يصحح هذا المنعرج في خياره السياسي. أنا لا أتحدث عن تدخله في سورية، هذا موضوع مختلف، أنا أتحدث عن انغماره في الشأن السياسي الداخلي اللبناني. حسن نصر الله قائد سياسي بكل المعايير رجل على مستوى من الذكاء استثنائي، ومن القدرة على مخاطبة الجمهور نادرة. ناهيك بأنه يقرأ؛ رجل يقرأ بنهم، وهذا يتبدى طبعاً في كفاءته واقتداره في تحليله للأوضاع اللبنانية والعربية والدولية. وهو بالمناسبة، لمن لا يعرفه، لا يشبه المشايخ التقليديين في شيء. لكن مشكلة «حزب الله» تظل في النهاية أنه لم يستطع أن يحفظ لنفسه حرية في قراره السياسي هذا هو الفارق بين حسن نصر الله وياسر عرفات. حزب الله عليه أن يأخذ في حسبانه إرادة إيران، وفي بعض المراحل إرادة دمشق (النظام السوري) قبل الحرب العالمية على سورية في 2011. وأعتقد أن علاقة الحزب بإيران واحدة من الأسباب التي تجعل الحزب متورطاً في بعض القضايا التي هو نفسه لا يريد أن يتورط فيها؛ لأنه يعرف أكثر من الإيرانيين حساسية الوضع اللبناني. مع ذلك أقول، ورغم كل هذا الضجيج حول «حزب الله» والمقاومة في لبنان، ورغم هذه الحملات الإعلامية الحاقدة والفتنوية الطائفية ضد «حزب الله» وضد الشيعة، إن حسن نصر الله هو آخر القادة الذين يحمون عروبة «حزب الله» وإذا ما اختفى من المشهد، لا قدر الله، حينها فقط سوف نعرف حزباً آخر، وسوف تستطيع إيران أن تدير الحزب كما تشاء. السد الوحيد المنيع أمام القرار الإيراني لحفظ شخصية الحزب اللبنانية والقومية العربية اسمه حسن نصر الله. أولئك الذين يشعلون كل هذه الحرائق لإنهاء الرجل عليهم أن يطرحوا على أنفسهم سؤالاً: هل يريدون رجلاً يحفظ للحزب شخصيته العربية واللبنانية؟ أم إنهم يسعون إلى استيراد حزب إيراني حقيقي داخل لبنان؟ عليهم أن يجيبونا عن هذا السؤال لأن يفعلونه إنما يصب في مصلحة السياسة الإيرانية في المنطقة ونحن نعلم ماذا فعلت إيران بالعراق من أدوار قذرة قامت بها لمصلحة الاحتلال الأمريكي، وما تزال تقوم بها مع نظامها العميل القائم في بغداد، اليوم، ومع مليشيا «الحشد الشعبي» المذهبية. ولا نريد للبنان ما حصل للعراق ولذلك فهذه الحملات على السيد حسن نصر الله وعلى «حزب الله» ينبغي أن تلحظ هذه الحقيقة لكي تعيد النظر في جموحها المندفع على غير صواب. منذ الحرب الصهيونية على لبنان في العام 2006، لم أعد أستطيع أن أراه بسبب الإجراءات الأمنية المضروبة حوله، ولم أطلب ذلك من أحد.
س: في حسن نصر الله ما يدهشني وأعشقه، خاصة في تدبيره العميق والناجح للحرب في 2006. في هذا التدبير أصبحواْ يُنْصتون إليه، في الكيان الصهيوني، ويصدقونه أكثر مما يصدقون قادتهم. وتجربته ليست فقط تجربة مناضلين سابقين أو قادة سابقين ولكن أعتقد أن تجربة حسن نصر الله تجربة القارئ العارف بأمور العدو الصهيوني.
ج: ما تقوله صحيح؛ هو رجل يدرك أن واحدة من أسباب فقداننا الصدقية في أعين العالم خطابتنا الجوفاء نقول أكثر مما نفعل، ثم نكذب على جمهورنا. كان حريصاً باستمرار على أن لا يقول إلا ما يفعل ولا يفعل إلا ما يقول. فلذلك أصبح العدو الصهيوني وكل الدوائر السياسية في العالم، الأمريكية والأوربية. تأخذ كلامه على محمل الجد، وتَقْطع أن هذا الرجل ليس من طينة أولئك الذين عرفناهم قبل في العالم العربي. حينما يقول سأفعل شيئاً يفعله؛ حينما يقول للإسرائيليين سأؤدبكم يعرفون أنه سيؤدبهم ثم تبدأ حالة استنفار يلعب فيها على أعصابهم لأيام وربما لأسابيع إلى أن ينفذ تهديده. هذه أكسبته ليس فقط مصداقية ولكن أكسبته ورقةَ قوةٍ في الصراع مع العدو؛ رجل يلعب بأعصاب العدو. أذكر جيداً في حرب 2006 حينما كان إعلام «حزب الله» يعلن أنه سوف يوجّه نصر الله خطاباً في الساعة الفلانية، كانت شوارع فلسطين المحتلة في اللحظات تلك كأنها في حالة إعلان حالة الطوارئ أو حظر التجوال. كانت تخلو تماماً من المارة ومن السيارات. الجميع على شاشة التلفاز ينتظرون خطاب حسن نصر الله الذي كان يترجم ترجمة فورية إلى العبرية. ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني، بكل بساطة، أن رجلا في مكان ما مقيماً في الضاحية الجنوبية، لا تعرفه الطائرات الإسرائيلية والاستخبارات الإسرائيلية، قادر على أن يلعب بأعصاب خمسة ملايين ونصف من البشر ثلث هؤلاء أصلا مقيمين في ملاجئ لا يستطيعون الخروج خشية صواريخ المقاومة. هذا عامل جديد في الصراع. صار هناك ميزان قوى أو إذا شئت أن تقول ميزان الإرادات كما سمّيتُه. المعادلات أصبحت عند حسن نصر الله واضحة: تضربوننا نضربكم، تُخيفوننا بالعدوان نخيفكم، تُلجِئوننا إلى الملاجئ نلجئكم إلى الملاجئ، تضربون مطاراتنا نرد بضرب مطاراتكم. هذا هو الردع؛ أن تُشعِر العدو بأنه لم يعد قادراً على أن يقوم وحده بالمبادرة، وأنه ما أن تنطلق رصاصة منه حتى تصله عشر رصاصات. هذا هو الذي أنهى حرب سنة 2006 بتكافُؤ في القوة، بل بالعكس باختلال في القوة لأن العدو كما تعرفون في الأيام الأخيرة أصبح يطالب، كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في ذلك الحين بالإسراع في إصدار القرار 1701 الذي قضى بوقف العمليات الحربية في الوقت الذي كانت الإدارة الأمريكية تتلكأ وتطلب من إسرائيل أن تصمد لأيام أُخَر! أول مرة ستشعر إسرائيل أنها لن تستمر في الحرب. طيب دعك من 2006؛ حينما قام العدو الصهيوني باغتيال ثلاثة قادة من «حزب الله» في الجولان قبل عام، على الفور أعلن الإسرائيليون حالة استنفار عامة وحالة تعبئة داخل كل إسرائيل. وبقيت إسرائيل في حالة استنفار مشدودة الأعصاب طيلة أسبوع إلى أن أعلن أن حسن نصر الله سوف يلقي خطاباً يوم الخميس، وأصبحت المشكلة بالنسبة إلى الإسرائيليين متى ستنفذ العملية: قبل خطابه أو بعد خطابه؟ ثم نفذت العميلة وراح فيها جنود إسرائيليون كما تعلمون ولأول مرة في التاريخ تُضْرب إسرائيل في «عقر دارها» ولا تستطيع أن ترد، لأنها تعرف أنها إذا ردت سوف تتلقى ضرباً مُبرِّحاً. وهذا هو الدرس الكبير الذي علّمنا هذا الرجل؛ الذي هو الردع.
س: لهذا أنا سميت هذا الرجل بالقديس حسن نصر الله.
ج: ليس إلى هذا الحد لو سمع منك هذه العبارة لرجاك أن تسحبها.
س: ومرسيل خليفة؟
ج: مرسيل صديق عزيز، وفنان كبير، وموسيقي من الطراز الأول، ومثقف ملتزم؛ لم يساوم مرة على قضية شعبه وأمته تحت أي ظرف من الظروف. أغنياته شاعت وأصبحت في متناول عشارات الملايين من الناس. مرسيل موسيقي، في المقام الأول، ولكنه ? من أسفٍ شديدٍ - ليس معروفاً عربياً بهذه الصفة. ربما معروف في أوربا من الوطن العربي. جمع مرسيل بين ثقافته العميقة في الموسيقا الشرقية وقدرته على تطويع آلة العود لأداء جمل مركبة من مقامات عديدة وليس من مقام واحد، وبين الثقافة الموسيقية الغربية السمفونية. في بدايات حياته قبل أن يبدأ الغناء سنة 76 كان في الأصل ينتج موسيقا، ينتج نصوصاً موسيقية بعضها كنصوص حرة من دون أن تكون مرتبطة بعمل فني ما، وبعضها للكاليغراف اللبناني الكبير عبد الحليم كاراكالا في مسرح كاراكلا، إلى أن بدأ يقدم أغنيات في سنة 76. إلى ذلك فإن مرسيل خليفة له حساسية أدبية رفيعة؛ فهو متذوق رفيع للشعر، وكتب وغنى بعض ما كتب. وحينما يكتب، وعادة ما يكتب إما من وحي الذاكرة أو في في رثاء بعض أصدقائه الذين يرحلون، يكتب بعذوبة شديدة جداً. وأنا كنت دائماً أقول لو لم يكن مرسيل مغنياً وموسيقياً لكان شاعراً. وفي المقدمة التي كتبها في تقديم كتابي «ليليات» دليل على أناقته في الكتابة.استطاع أن يحتاز شعبية استثنائية من ثلاثة أجيال تقريباً؛ جيل التحرر الوطني الذي قبلنا، أي الجيل الذي قاد عملية التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ثم جيل مرسيل نفسه: جيل السبعينيات، ثم الجيل الجديد من الطلبة والتلاميذ الذين يحفظون مرسيل. وأنا حضرت عشرات حفلاته في لبنان، في فرنسا، في الأردن، في تونس، في المغرب، في أبو ظبي...إلخ، وأكثر شيء كان يشدني هو تلك الجحافل من الناس التي تحضر حفلات مرسيل بعشرات الآلاف أحيانا علماً أنه هو وزياد الرحباني معاً ممنوعان ومحجوبان من كل أجهزة الإعلام العربية. لا أحد يرى مرسيل على أي من قنوات رجال النفط والغاز اليوم ولا في إذاعات الحكومات ولا في الإذاعات الخاصة إلى غير ذلك. ورغم كل هذا الحصار المضروب على هذا الغناء الرفيع، على هذه الموسيقا الرفيعة، فإنها استطاعت أن تخترق كل الحدود وأن تستوطن القلوب وأن تصبح النموذج المعياري لما ينبغي أن يكون عليه الغناء والموسيقا في البلاد العربية. وأنا شخصيا كتبت عن مرسيل وأعماله كثيراً. رافقتُ تجربته الفنية منذ البدايات؛ منذ 76، أي منذ أربعين عاماً، ولم يكن هناك شريط يصدر لمرسيل منذ «وعود من العاصفة» و»عالحدود» و»عالأرض ياحكم» حتى الآن. لم يحصل أن صدر شريط دون أن أكتب عنه. بل أحياناً كتبت عن بعض الحفلات الكبرى التي أقامها في لبنان أو في فرنسا، طبعاً مع محمود درويش، أو هنا في المغرب أو في الأردن وفي تونس في مهرجان قرطاج (في 1991). ومرة كنت أنا ومرسيل نتحدث عما كتبته عنه، وهو في حدود 250 صفحة، وقال إنه وأنه يستحق أن ينشر في كتاب. لم أتحمس طبعاً لفكرة الكتاب علماً أنه فاتحني في سنة 94 أو 95 في أمر كتابة كتاب عن تجربته لينشر في الذكرى العشرين سنة 96. وأنا اقترحت أن لا أكتبه وحدي وإنما أن يكتبه بعض من الأصدقاء أصدقائي وأصدقاء مرسيل كل يقدم مساهمة: منير العكش، محمود درويش...إلخ. كل يكتب نصّاً ويصدر الكتاب فتحمس للموضوع لكن لم يتابعه. حينما ذكرني بما كتبته أخبرني أنه في حدود 250 صفحة واقترح اصدار الكتاب لكنني لم أتحمس لأن الكتابات كانت موسمية تتعلق بنصوص غنائية أو موسيقية كتبت عنها أو كتبت عنها أحيانا حتى في معرض المقارنات؛ مثلاً في بعض المقالات كتبت أقارن بين الصياغة الموسيقية للنص عند مرسيل خليفة والصياغة الموسيقية عند فاغنر وعند برامس إلى آخره. هذه مفيدة أكثر أعتقد أنه من المفيد جداً أن يعاد نشرها. لكن لا أدري قد تحين فرصة وأكتب ليس بالضرورة عن مرسيل حصراً، يمكن أن أكتب عن الظاهرة الموسيقية الجديدة في الوطن العربي من عاصي الرحباني إلى مرسيل إلى زياد الرحباني وهما الأعلى كعبا اليوم في الموسيقا والغناء في الوطن العربي.
س: أنت تعرف أكثر منّا مرسيل، مستشفيات عدة في جنوب لبنان وفي صيدا أيضا كان وراء تمويل إنشائها وفي فلسطين أيضاً، دون أن يتكلم عنها إلا في ما بعد، هنا تظهر القيمة المائزة ليس للمغني وللفنان وإنما للإنسان؟
ج: طبعاً مرسيل قدم حفلات غنائية بالعشرات في لبنان ريعها كان يذهب رأسا للمؤسسات الخيرية: استشفائية، مدارس للمخيمات الفلسطينية إلخ. وهو كان يدرك تماماً أن هذا الشعب (الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني) الذي يحبه ينبغي أن يبادله الحب بطريقة أخرى. ليس أن يقدم له الأغنية التي يريد؛ الأغنية البديلة والأغنية الجديدة، وإنما أن يقدم له، أيضا، ما يستطيع به أن يسد بعض أوده. مرسيل يقول: فلسطين لها دين كبير علي، إذا أنا ساهمت في بناء مستشفى في رام الله أو معهد موسيقي في رام الله لن أقدم واحداً بالمائة مما يقدمه لي الشعب الفلسطيني. مرسيل حينما يغني في إربد أو في الزرقاء أو في عمان أو مهرجان جرش، عشرات الآلاف من الفلسطينيين يأتون من فلسطين 48، ومن الضفة الغربية ليحضروا حفلاته، ويعودون براً عبر الحافلات والسيارات وغيرها. وهو ما يقع في لبنان نفسه؛ نصف جمهوره تجده من المخيمات؛ من مخيمات «نهر البارد» و»البداوي»، والميّة وميّة»، و»شاتيلا»، و»برج البراجنة»، و»عين الحلوة»، و»برج الشمالي»...الخ، ناهيك بمخيم «اليرموك» في سورية. كان يتدفق منها الآلاف لحضور حفلات مرسيل خليفة لأنهم يعرفون أن هذا الرجل كرس فنه لقضية فلسطين. حفلات مرسيل دخلها جيد. طيب لماذا لا يوفر قسماً من هذا الدخل لخدمة الشعب الذي أحَبّه؟ هذا هو الفارق بينه وبين الآخرين بين الذين يسمّونهم فنانين ومغنين ?وما هم بفنانين ولكن شُبِّهَ لهم - ويجمعون الأموال من كل حدب وصوب ويبنون القصور هنا وهناك، من دون أن يكونوا قدّموا شيئاً غير الزعيق المُقرِف والتفاهات، وبين شخص يعرف أن هذا المال له وظيفة سياسية واجتماعية وإنسانية وليس مالاً خاصاً بصاحبه الذي يحصل عليه. وأكثر من ذلك هو يحصل عليه من وراء قضية فلسطين وقضايا الأمة فلماذا لا يهبه لهذه الفلسطين؟
س: أستاذ ماذا حصل في أكادير مع الشبيبة الاتحادية سنة 94 في حفلة مرسيل خليفة، هل كانت هناك سرقة؟
ج: لا ليس سرقة. الذي حصل أن الشبيبة الاتحادية حينما طلبوا مني أن أقنع مرسيل بالمجيء واتصلت به، وطلبت منه أن يأتي، أوعزت لشخص قريب من أحد أعضاء الشبيبة بأن يكون هو متعهد هذه الحفلات لأن الشبيبة ليست جمعية ذات نفْعٍ عام في القانون. فهذا الشخص هو الذي سرق الشبيبة الاتحادية ولم يرد أن يقدم لمرسيل وللأوركيسترا حقوقهم من الحفلات الخمس التي رافقته فيها (طنجة، فاس، الرباط، الدار البيضاء، أغادير). واختفى المتعهّد، وكنا في ذلك الحين نتندّر حين نسهر بأن الليلة «ليلة القبض على فلان». كان قد مر وقت قصير على المسلسل المصري الرائع الذي كتبته السيدة سكينة فؤاد التي أصبحت في ما بعد مستشارا للرئيس عدلي منصور - وهي سيناريست شهيرة كبيرة- وعنوانه «ليلة القبض على فاطمة». الجميع كان يبحث عنه فاختفى في آخر حفلة كانت في الدار البيضاء، وأصبح البحث مفتوحاً عنه وشارك فيه الجميع من الشبيبة الاتحادية. وقتها كان الأخ محمد الساسي هو الكاتب العام للشبيبة الاتحادية.
ولكن الجميل في الأمر أن مرسيل رفض حتى أن يكتب في الصحف أنه وقع نصب عليه.
س: هل سيستقر في طنجة حقاً؟
ج: سيشرف مرسيل خليفة، من الآن فصاعداً، على معهد موسيقي في طنجة أُسِّسَ حديثاً. وهو أكبر معهد في القارة الإفريقية كلها بمعنى أنه قد يكون أكبر من معاهد مصر أيضاً. سيشرف على هذا المعهد الذي سيكوِّن أطرا موسيقية وسينهض بدورٍ في التنشيط الموسيقي خلال المهرجانات العالمية للموسيقا إلخ. وحسنا فعلت السلطات المحلية في طنجة، مع وزارة الثقافة، حينما اختارت مرسيل خليفة مديرا لهذا المعهد، علماً أنه كان قد أسس الأوركسترا السمفونية في قطر (في الدوحة)، وهي مؤلفة من حوالي مائتي عازف من خيرة العازفين في العالم أجروا مباريات. وبعضهم كانوا عازفين كباراً ومن أوركسترات عالمية، فانتقى منهم مائتين من بينهم حوالي خمسة عشر عازفاً من العالم العربي خاصة من سوريا ومن لبنان وفلسطين ومصر. وحينما عرضت عليه فكرة أن يدير معهداً موسيقياً في طنجة ارتأى أن يضحي بالأوركسترا العالمية في قطر ورأى أن يقيم في طنجة، وسيبدأ في العام القادم على ما قال لي.
س: جورج حبش؟
ج: جورج حبش يقال في حقه ما يقال في الكبار، في عالمنا المعاصر من قادة الحركات الوطنية وحركات التحرر الوطني. لجورج حبش بصمة قوية في تاريخ الحركة القومية العربية والحركة الوطنية الفلسطينية منذ بدأ يتلقى دروسه في الجامعة في بيروت في أواخر الأربعينيات ويستقبل فكرة القومية كما بلورها قسطنطين زريق، في ذلك الحين، مروراً بتأسيسه «حركة القوميين العرب»، في مطالع الخمسينيات، برفقة بعض رفاقه مثل وديع حمداد وأحمد الخطيب وهاني الهندي. وهي حركة ذات شأن في التاريخ السياسي العربي الحديث. هي الفرع الثالث من فروع الحركة القومية العربية إلى جانب الناصرية و»حزب البعث». لكن «حركة القوميين العرب» تميزت بأمور عدة منها؛ أولها أنها لم تكن حركة سياسية في السلطة، كما كان الأمر في مصر وفي العراق وفي سورية؛ كانت حركة شعبية. ثانياً كان تأثيرها أفقياً بحيث استطاعت أن تتغلغل في كثير من الأقطار العربية، وأقامت لها فروعاً. ولم يكن ينقص جورج حبش الرأسمال الكاريزمي الذي كان لجمال عبد الناصر أو لميشيل عفلق في الحركتين القوميتين الأخريين. وظل جورج حبش متمسكاً بهذا الخط العروبي حتى حينما بدأ يكرس جهداً كبيراً لقضية فلسطين في الستينيات. كان من الذين ساهموا في إحداث الانعطافة الفكرية والسياسية ل»حركة القوميين العرب»، في بدايات الستينيات، حين التحمت بالناصرية. طبعاً لا أغمط الآخرين حقهم؛ هاني الهندي، محسن إبراهيم، نايف حواتمة...هؤلاء كلهم كانوا من ذلك الرعيل الأول الذي أخذ «حركة القوميين العرب» نحو الخيارات الناصرية في بدايات الستينيات. ولكن بعد أن حصلت الهزيمة في عام 1967 ارتكبت «حركة القوميين العرب»، بمن فيها جورج حبش، خطأً فادحاً بحل الحركة، وبالسماح للفروع بتأسيس تنظيمات مستقلة. هكذا نشأت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، في الفرع الفلسطيني من الحركة، ونشأت «منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» في لبنان، و»الجبهة القومية في اليمن» إلخ. هذا الانتقال الدراماتيكي من الحيز العربي القومي إلى الحيز القطري الفلسطيني كانت له عقابيل وخيمة ليس فقط على الحركة القومية العربية، بل أيضاً حتى على الحركات الوطنية بالوطن العربي، وخاصة إذا نحن أخذنا بالحسبان أن الفرع الفلسطيني الذي التأم في إطار «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» هو نفسه سوف يصبح عرضة للانشقاق أو لانشقاقات جديدة حيث سيقود الجناح الراديكالي بقيادة نايف حواتمة وأبو ليلى وآخرين انشقاقاً قاد إلى تأسيس «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» في العام 1969. هذا زاد من تشظية وتذرير الساحة الفلسطينية، وإنجاب تنظيمات كان بعضها أشبه ما يكون بالدكاكين السياسية. وأحسب أن جورج حبش أدرك هذا الخطأ في ما بعد، وأنا سمعت منه شخصياً، في بيته في دمشق - حيث كنت أزوره باستمرار كلما زرت دمشق - ما يفيد أنه أخطأ في قرار حل «حركة القوميين العرب». وبعد أن قدم استقالته من الأمانة العامة للجبهة الشعبية في نهاية القرن الماضي، كنت في بيته وكان الحديث يجري حول الوضع في المنطقة وفي الساحة الفلسطينية فأخبرني، بحضور زوجته السيدة هيلدا حبش، بأنه يعتزم إصدار بيان لدعم المقاومة في لبنان، فسألته مازحاً بماذا ستوقع هذا البيان؟ فقد استقال من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقال: سأوقع باسم جورج حبش، فقلت له لماذا لا توقعه باسم جورج حبش مؤسس «حركة القوميين العرب». ابتسم ولم يقل شيئاً، لكنني فوجت أنه في كل التصريحات والبيانات، التي كان يصدرها. كان يوقع بهذه الصفة. جورج حبش مَثَّل مدرسةً في الثورة الفلسطينية، قطعاً كانت ثمة حاجة إليها، هي مدرسة المبدئية الثورية. لم يكن مستعداً لا سياسياً ولا فكرياً ولا نفسياً أن يتخلى قيد أنملة عن أي حق من حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، ولذلك ناهض التسوية، وناهض الواقعية السياسية وخاصة بعد حرب أكتوبر 73 والتئام المجلس الوطني الفلسطيني وإصداره البرنامج المرحلي للثورة الفلسطينية الذي أعلن فيه عن خطته لبناء السلطة الفلسطينية على أي شبر يحرر من التراب. وهي الأطروحة التي سوف تقوم عليها فكرة الدولة الفلسطينة في حدود الرابع من حزيران (الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية) باعتبارها، في ذلك الحين، الامكانية المتاحة أمام الشعب الفلسطيني لتحقيق جزء من حقوقه الوطنية. جورج حبش ناهض هذه الصيغة وظل متمسكاً بالتحرير الكامل لأرض فلسطين. أنا شخصياً مع مثل هذا التمسك، ولكنني في الوقت عينه أدرك تماماً أن الساحة الفلسطينية في مرحلة الجنوح للتنازلات المطلوبة منها من الأعداء كما من الحلفاء (من الاتحاد السوفياتي، من النظام الرسمي العربي) وخاصة أن تعترف بالقرارين 242 و338 الصادرين في أعقاب حرب 5 حزيران 1967 (واللذين يطالبان إسرائيل بالجلاء عن الأراضي المحتلة في حرب 5 يونيو سنة 67) كانت تغامر بأن تأخذها الواقعية السياسيىة إلى ضفاف أخرى. وحين تبلورت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، تبلورت على أساس أن تكون المساحة الجغرافية للدولة هي الأراضي المحتلة سنة 67. جورج حبش كان يقول هذا تنازل وتفريط في حق الوطن، ولا يجوز لأي أن يفرط فيه. وكان يقول نحن حملنا السلاح لتحرير أرضنا حتى قبل أن تُحتَل الضفة الغربية وقطاع غزة وشرق القدس. وهذا صحيح، الثورة بدأت في 1 يناير سنة 1965. إذن على علمي أنهذه الاستراتيجية لم يكن لها إمكان تاريخي واقعي، إلا أنني أدركت، مبكراً، ثم أدرك الآن أنها كانت ضرورية. لذلك ظل محترماً، وظل موقفه، حتى من طرف خصوم جورج حبش والجبهة الشعبية، محط تقدير من ياسر عرفات ومن الآخرين. وها نحن اليوم أمام المآلات التي أوصلتنا إليها التسوية والذي عرف في ذلك الحين باسم الواقعية السياسية. اليوم تتعالى الأصوات من داخل الساحة الوطنية الفلسطينية مطالبة بانهاء وهم الدولتين؛ لأن في عبارة الدولتين تفريطاً بحق الشعب الفلسطيني. مازال صوت جورج حبش حياً بيننا؛ كلما تقدمنا وكلما أمعنا في أخطائنا سمعنا هذا الصوت؛ صوت الحكمة في مقاربة مسألة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني الذي اختزل بكل أسف في عبارة واحدة حق تقرير المصير بإقامة دولة مستقلة لأن حق تقرير المصير هو في تحرير الوطن بكامله. جورج حبش بمقدار ما هو رجل مبدئي وثوري واستراتيجي وصلب، في خياراته السياسية، بمقدار ما هو وديع جداً وفطري جدا وبسيط جداً. وكما يقال رجل يدخل إلى القلب بسرعة؛ عاطفي حنون. زرته بعد استشهاد القائد ياسر عرفات في بيته في دمشق، وعزيته في وفاة ياسر عرفات، ففوجئت به يجهش بكاءً ما إن عبرت عن مشاعر المواساة في فقدان القائد أبو عمار. هذا هو جورج حبش؛ كما قلت مدرسة في النظافة والنقاوة. لم يتنازل طيلة حياته وإلى أن رحل، قيد أنملة، عن إيمانه بفكرة وحدة الأمة العربية وحق الشعب الفلسطيني الثابت وغير القابل للتفويت في أرضه، كلِّ أرضه من النهر إلى البحر. ولذلك لم يدخل يوماً في تسوية ولا في مساومة على ما يعتبر أنه غير قابل لأي مساومة. إلى ذلك فجورج حبش بكريزماه كان أستاذا لحركات ثورية في العالم بأكمله من اليابان إلى فينزويلا. ومعروف لدى الجميع أن أغلب حركات التحرر في أمريكا اللاتينية وفي أفريقيا وآسيا تلقَّى مقاتلوها التدريب في معسكرات «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وهذا بقدر ما كان يحرج قيادات منظمة التحرير مع بعض الدول، التي يتدرب مقاتلوها في معسكرات الجبهة الشعبية، بمقدار ما كان جورج حبش يغطي هذا الحق لأنه يعتبر نفسه مناضلاً فلسطينياً ومناضلاً عربياً وأمميّاً، وأن قضيته هي قضية شعبٍ وأمةٍ وشعوبٍ في العالم في مواجهة الإمبريالية والصهيونية وكل الرجعيات. ولذلك ظل اسم جورج حبش كبيراً إلى درجة أن كارلوس حينما اعتقل، وهو أحد تلامذة جورج حبش وتلامذة وديع حداد رحمهما الله، ودخل في إضراب عن الطعام في محبسه الباريسي جرب محاموه والأطباء بكل الطرق لكي يفك إضرابه عن الطعام ورفض، وروى جاك فيرجيس، المحامي الفرنسي الشهير وصديق الثورة الجزائرية وصهرها، أنه ما إن أبلغ كارلوس في سجنه أنه ينقل إليه رغبة جورج حبش في أن يفك إضرابه عن الطعام، لأن موته خسارة للثورة وانتصار للإمبرياليين، حتى فك إضرابه فوراً. هذا يُطلعك على مدى المكانة الاعتبارية التي يحتلها هذا الرجل العظيم الكبير في تاريخنا لدى سائر الثوريين في العالم.
س:عبد الله إبراهيم؟
ج: عبد الله إبراهيم، كما نعلم جميعاً، أحد قادة الحركة الوطنية في المغرب. بل إن أدواره القيادية بدأت تفصح عن نفسها مبكراً وهو في ريعان شبابه منذ أواسط الثلاثينيات من القرن العشرين. عبد الله إبراهيم من مواليد سنة 1918، لكنه في سنة 1936، وحينما كان في الثامنة عشرة من عمره، كان معروفاً كقائد في البلاد، ولكنه أيضاً كان معروفا ككاتب وكمثقف كبير. ولعب أدواراً خاصة في مناطق الجنوب (مراكش والنواحي) في تنظيم الخلايا الأولى ل»كتلة العمل الوطني»، التي تأسست في أعقاب تقديم وثيقة تاريخية هي مطالب الشعب المغربي سنة 34، كما لعب أدواراً بعد الانقسام الذي حصل داخل «كتلة العمل الوطني» بين تيار علال الفاسي وتيار محمد بلحسن الوزاني، في إطار «الحزب الوطني» وكان من قادته رغم أنه كان صغيراً في السن. وطبعاً بعد أن قدمت عريضة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير سنة 44، كان عبد الله إبراهيم من موقعيها. لعبد الله إبراهيم فضائل كثيرة كشفت عن نفسها مبكراً: القدرة العالية على التنظيم والتأطير وهذا ما يعترف له به تلامذته أمثال الفقيه البصري، محمد بن سعيد، مولاي عبد السلام الجبلي، محمد الحبيب الفرقاني الذين كانوا، باستمرار، يتحدثون عن كفاءته في تأطير الشباب وإدخالهم إلى الحركة الوطنية، وطبعاً في حكمته. هو رجل دولة، في المقام الأول، تبين ذلك حينما أصبح رئيسا للحكومة. وأستطيع أن أقول إن الحركة الوطنية أنتجت رجلي دولة من الطراز الكبير عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد، وهما لا يُضاهَيَان. إلى جانب هذه الكفاءة وهذا الاقتدار في التأطير والتنظيم والقيادة إلخ، كان مفكراً. والحركة الوطنية المغربية أنجبت ثلاثة من كبار المفكرين: علال الفاسي وعبد الله إبراهيم ومحمد بلحسن الوزاني؛ ولهؤلاء إنتاج فكري حقيقي؛ لمحمد بلحسن الوزاني أكثر من خمسين كتاباً، لا أدري إذا كان هذا معروفاً لدى الجميع. وعلال الفاسي، وما أدراك ما علال الفاسي باجتهاده وتأصيله وانفتاحه على الثقافة الحديثة واستدخالها في منظومة الإسلام، وكتبه في هذا المضمار معروفة خاصة كتاباه «النقد الذاتي» و»مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها» ناهيك بكتابات سياسية لا يمكن للمرء أن يتجاهلها في تاريخ الفكر وتاريخ الثقافة في المغرب مثل «حفريات في المسألة الدستورية» أو «الحركات الاستقلالية في المغرب العربي». الأمر نفسه بالنسبة إلى عبد الله إبراهيم؛ كتب في التاريخ نصاً تركيبياً لافتاً ومميزاً عنوانه «صمود وسط الإعصار»، وهو كتاب حاول فيه أن يفكر في تاريخ المغرب السياسي منذ العهد الفينيقي فالروماني فالعربي الإسلامي وليس المغرب الأقصى فقط، وإنما المغرب العربي بكامله. وهو نص مذهل في قيمته العلمية وطبعاً له كتب كثيرة مثل «أوراق من ساحة النضال» وفيه نصوصه السياسية، وكتاب آخر حول «الإسلام في آفاق سنة 2000». كتب كلها كانت مثيرة، لكن أكثر الكتب إثارة بالنسبة إليّ أنا شخصياً، وقد فاجأني الكتاب وفاجأني أن يكتبه عبد الله إبراهيم، وهو على أعتاب الثمانين كتاب في الأدب والنقد عنوانه «بالذكاء وقوة الكلمة»؛ وفيه يقوم عبد الله إبراهيم بسياحة في تاريخ نظريات النقد عند العرب وفي مدارس النقد الحديث. وفعلاً هو كتاب مثير لأن هذا رئيس حكومة وزعيم وقائد سياسي. قد نفهم أن يكتب في السياسة، ولكن أن ينشغل بالجماليات وفي النقد الأدبي فهذا يعني أننا أمام رجل من طراز فريد. جمعتني به علاقة وطيدة، وكنت ألتقيه بانتظام، وأهديت له كتاباً من كتبي «الخطاب الإصلاحي في المغرب». وكنا نتناقش باستمرار في قضايا عديدة، ومرة كتب نصاً فقدته في حوالي ثلاثين صفحة يناقشني في كتاب «إشكالية الوحدة العربية» من موقع وحدوي. كنت قد أهديت إليه نسخة منه في بداية التسعينيات. وقد ضاعت مني الرسالة التي بعث لي بها مع الصديق المناضل عبد الفتاح اليعقوبي. وفي هذه العلاقة الممتدة بيني وبين عبد الله إبراهيم، لم أنحز إليه سياسيا ضد عبد الرحيم بوعبيد، ولم أنحز إلى عبد الرحيم بوعبيد سياسياً ضد عبد الله إبراهيم. كنت أعتبر أن ما حصل في صيف سنة 1972 كان حادثة سير مؤسفة، وكان يمكن للحزب أن يبقى ملتئماً دونما حاجة إلى انشقاق لو أن عبد الله إبراهيم فك ارتباطه بالمرحوم المحجوب بن الصديق. لكن عبد الله إبراهيم ظل، من أسفٍ شديد، يغطي الجناح النقابي داخل «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية»، الأمر الذي حدا بالمرحوم عبد الرحيم بوعبيد والمرحوم عمر بنجلون وآخرين إلى الذهاب إلى تأسيس حزب جديد هو «الاتحاد الاشتراكي». وأحسب أن عبد الله إبراهيم أدرك هذا في نهاية عمره حينما أصدر بياناً يؤيد فيه الاضراب المشترك بين «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» و»الاتحاد العام للشغالين» في سنة 90. وكان ذلك بمثابة إعلان طلاق أو قطيعة بينه وبين المرحوم المحجوب بن الصديق. لكن أكثر ما كان يستهويني في لقاءاتي مع عبد الله إبراهيم، وكان يتحدث فيها عن تجربة الحكومة الوطنية سنة 58 59 60 قبل أن يقيلها الملك الراحل محمد الخامس بالتفاصيل، عفّته في الحديث عن رفاقه كما عن خصومه. وأزعم ? مما سمعته منه في عشرات اللقاءات معه في بيته بشارع محمد عبده ? أنّ لدي الكثير مما أقوله يوم يفتح الحديث عن حكومة عبد الله إبراهيم. لكن أكثر ما كانت تشغف به نفسي في لقاءاتي معه هي الحوارات الفكرية الممتعة. أنت مع عبد الله إبراهيم في حضرة رجل تستطيع أن تقول من دون أي تحفظ إنك أمام فيلسوف. عبد الله إبراهيم كتب مبكراً، وهو شاب، في التصوف، في ابن رشد، في ابن عربي، في المدارس الفكرية في الأندلس. وقد جمعت بعض نصوصه وكان ما يزال حياً، أنا والأستاذ محمد سبيلا بمساعدة عبد الله إبراهيم، وبمساعدة الصديق عبد الفتاح اليعقوبي، ونشرناها ضمن «سلسلة الزمن» في كتاب صدر قبل ما يزيد عن عقد ونصف (ربما من عشرين عاما). ونصوص الكتاب ذات طابع فلسفي تتناول العقل، والفكر. ومن يعود إليها يكتشف أنه أمام رجل غير عادٍ، أمام مفكر رصين. وفعلا هو رجل يقنعك بما يكتب وبما يقول. الجلسات مع عبد الله كانت تمتد لساعات؛ قد تجالسه، أحيانا لعشر ساعات أو أكثر من دون أن تشعر أن الرجل، رغم تقدمه في العمر، أصابه تعب. بالعكس حتى عندما تريد أنت مثلا أن تعتذر له عن عدم استطاعتك الاستمرار في الجلوس معه لالتزام ما لديك، يصر عليك أن تبقى، ويستبقيك لساعات أخرى. لم يأخذ هذا الرجل حقه في هذا البلد، وحينما شعر في لحظة من تطور الحياة السياسية بالمغرب أن منظومة القيم السياسية تهترئ وتتفكك وتتمزق، آثَرَ الانسحاب بصمت والاعتكاف في بيته والقراءة والكتابة. عبد الله إبراهيم من علامات عصرنا الحديث وكتبت بعد وفاته في سنة 2005 نصاً مطولاً عنه نُشر بجريدة «السفير» اللبنانية (كنت أثناء وفاته ? في غشت 2005 ? في لبنان)، وأعيد نشره بجريدة «الاتحاد الاشتراكي». أنا سعيد بأنني عشت في عصر عبد الله إبراهيم، كما أنا سعيد بأنني عشت في عصر ياسر عرفات وجورج حبش وعبد الرحيم بوعبيد. هاته المنارات الكبيرة نفتقدها اليوم، وبافتقادها تدلهم الآفاق لأنها كانت بوصلة حقيقية تطمئن إلى سلامة اختياراتها. عبد الله إبراهيم من هذه الطينة.
س: عمر بنجلون؟
ج: الشهيد عمر بنجلون أعرفه كما يعرفه أي مغربي عاش في حقبة السبعينيات. لم تكن لي به علاقة مباشرة. كنت أقرأ ما يكتبه، وحضرت محاضرة له وقبل انعقاد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي، وأعجبت به إعجاباً شديداً، وظلت صورته في ذاكرتي صورة عقل متقد، ورجل يقظ، ومفكر كبير. وقد فعل «الاتحاد الاشتراكي» خيراً حينما نشر بعد رحيله مجموعة من كتاباته في كراسة كبيرة حفظت هذا التراث. طبعاً لم يُنشرفيه كل شيء. وعمر بنجلون يكفيه أنه كتب «المذكرة التنظيمية»، وما أدراك ما المذكرة التنظيمية، وأنا أقول باستمرار إنّ هذا النص (المذكرة التنظيمية) هو ثاني أرفع نص في تاريخ الفكر السياسي في مسألة التنظيم بعد ما العمل؟ للينين. ويكفيك أنه كتب «التقرير الإيديولوجي» الذي شاركه آخرون تحريره. لكنه هو الذي وضع الهندسة النظرية والسياسية للتقرير، وحرر أجزاء كثيرة منه، وهو صاحب الدراسة اللامعة والاستثنائية عن القضية الفلسطينية في مجلة «أنفاس» بالفرنسية (سنة 69)، مغربي فلسطيني عربي أممي من الطراز الفريد؛ جمع ما تفرق في البلد؛ جمع الفكر إلى السياسة والسياسة إلى الفكر. قليلون هم أولئك الذين يستطيعون أن يبنُواْ هذا القِرَان بين النظرية والممارسة. في الجيل الذي قبله كان علال الفاسي وعبد الله إبراهيم ومحمد بلحسن الوزاني. في الجيل الثاني للحركة الوطنية رمز واحد ووحيد اسمه عمر بنجلون. كان إلى حد ما أشخاص آخرون المرحوم عزيز بلال في «الحزب الشيوعي» و»حزب التحرر والاشتراكية» و»حزب التقدم والاشتراكية». في اليسار الماركسي اللينيني (الجيل الثالث) محمد الحبيب طالب. هؤلاء يشبهون عمر بنجلون في هذا الجمع ما بين الفكر والعمل السياسي. وهذا نادر لأنه، كما قلت قبل قليل، جمع هؤلاء ما تفرق في البلد. ماذا نجد في البلد؟ إما شخص لا يعرف إلا الفكر أو شخص لا يعرف إلا السياسة ولا يجمع بينهما. لو قيض لعمر بنجلون أن يعيش لما شهدت الحركة التقدمية في المغرب ذلك التشرذم الذي شهدته في السنوات الماضية في السبعينيات، ولا انتهت إلى هذه المآلات الدراماتيكية المأساوية التي آلت إليها اليوم.كان سيكون للسياسة طعم آخر لو كُتِب لعمر بنجلون أن يقود الحركة التقدمية. عمر بنجلون ليس مجرد قارئ، وإنما كان منارة؛ كان رمزاً للجميع. هكذا عرفته في كتاباته، وهكذا عرفته في تاريخه السياسي، ولم تكن لدي به علاقة شخصية حيث كنتُ بالكاد أغادر مرحلة المراهقة حين استُشهد. ولكن كنت أعتبر نفسي واحداً من تلامذته في العمل السياسي حينما كنت أمارس السياسة، أو أزعُم أني أمارسها.
س: لهذا تم اغتياله
ج: طبعاً تغييب عمر بنجلون كان مطلوباً لإعادة هندسة الحقل السياسي بالمغرب.
س: عبد الرحيم بوعبيد؟
ج: ما قلته عن عبد الله إبراهيم في كاريزماه، وشخصيته القيادية، وسُموِّه في ممارسة السياسة، وفي طابعه كرجل دولة من الطراز الكبير، أقوله في عبد الرحيم بوعبيد. لعبد الرحيم بوعبيد كاريزما خاصة، وكل الذين اشتغلوا مع عبد الرحيم بوعبيد يدركون تماماً أن الرجل كان دائماً مصيباً في اختياراته. يختلفون معه ثم يمر الزمن فيكتشفون أنه كان على حق. نظافة الكف، وهذا يقال عن عبد الله إبراهيم وعن علال الفاسي أيضاً، والمبدئية المقترنة بالواقعية، ثم الحزم والصرامة في إدارة الشؤون العامة في الحزب أو الدولة، والهيبة التي تجعل الآخرين يحسبون حساباً لمواقفه..؛ هذه كلها من سجاياه. ونعرف كثيرين داخل الحزب كانوا يتحرجون في إبداء رأي معارض في حضرة عبد الرحيم بوعبيد ليس خوفاً، وإنما إجلالاً لرجل لا يمكنك أن تجادله. وكثير منهم كان يقول لي من حسن الحظ أننا لم نُبْدِ ذلك الموقف في حينه، لأن موقف عبد الرحيم كان هو الصحيح أثبتت الأحداث ذلك. لم يقطع عبد الرحيم بوعبيد مع أحد؛ ظل رجلاً منفتحاً على الجميع حتى الذين يتمردون عليه. يكفيك أنه، بحكم مهنته كمحامٍ، كرس نفسه للدفاع عن المعتقلين السياسيين لليسار، وطوى كل ما كان من جدل بين الحزب وبين هذا اليسار الذي انشق عنه وعن حزب المرحوم علي يعته. وفي المواقف الحرجة في البلاد، وخاصة في الفترات التي كان فيها قدر كبير من الغلظة ومن الشطط في استعمال السلطة، كان عبد الحيم بوعبيد يقول الرأي بشجاعة لا مثيل لها، حيث لا يستطيع غيره أن يقول ما يقول. الوحيد الذي جَرُؤَ، في مناسبات مفصلية في تاريخ المغرب، أن يقول كلاماً يعرف جيداً أن النظام لن يرضى به. كان يقولها بشجاعة ومن دون أن تنتفخ أوداجه، أو أن يَتَبَذَّأَ في الألفاظ. حينما كان يرسل رسالة كان يعرف من يهمه الأمر أن هذا خط أحمر. ثم إن عبد الرحيم بوعبيد أبدى حُنْكَةً واقتداراً استثنائيين في إدارة مؤسسة حزبية تعج بالتناقضات مثل «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، ويكفيه فخراً أنه الوحيد الذي صان وحدة الحزب إلى أن رحل، ويكفيه أنه كرس تقليداً في تاريخ «الاتحاد الاشتراكي» لم يعد محترماً، هو أن لا أحد يُطرد من «الاتحاد الاشتراكي» حتى وإن حمل السلاح وخرج عن خط الحزب السياسي. لا أحد يطرد ? إلاّ إذا شاء هو أن يخرج من الحزب - لأنه لا أحد يملك الوصاية على هذه المؤسسة. كان الاتحاديون بمثابة أبناء له؛ أحد هؤلاء الأبناء متعنف، أحد آخر هادئ، أحد ثالث يتفاهم، أحدهم لا يتفاهم: جميعهم أبناؤه. ولهذا لم يقطع مع أي خيار من الخيارات في السياسة: الضغط الشعبي والتفاهم، الشدّة واللّين. أتيحت لي فرص عدة لأن ألتقي المرحوم عبد الرحيم بوعبيد خاصة في بيته وكان الحديث دائماً مفتوحاً في كل شيء. وكان ينصت، أحياناً يطرح أسئلة قد تجد أنت نفسك في حرج في أن تجيب عنها لأنه يشعرك كما لو أنه يحثك على أن تدُسَّ أنفك في شؤون داخلية لا علاقة لك بها. ولكنه هكذا كان وآخر لقاء كان بيني وبينه قبل وفاته، رحمه الله، في بيته. وكنتُ أنا والصديق العربي مفضال الذي كان مديرَ تحرير جريدة «أنوال». أجرينا معه حواراً نشر في كتابنا «الحركة الوطنية المغربية والمسألة القومية». كان في الكتاب ملحق فيه حوارات: معه ومع المرحوم الفقيه البصري، ومع عبد الكريم غلاب ومع محمد بن سعيد ومع عبد الله إبراهيم إلخ. هذا كان آخر لقاء، وكان مريضاً، حين زرناه، بالزكام. ومع ذلك اتسع صدره للقاء وتحدثنا بتفصيل، وكان أحياناً يطلب عدم تسجيل بعض الفقر لأنها حساسة وهي فعلا حساسة وسمعناها نحن الاثنين منه. وهذا الرجل تكفي جنازته لتشهد له بمن يكون. أنا أحسبها أكبر جنازة في تاريخ المغرب على الاطلاق. ثم هذا رجل ظل محترماً من كل الأجيال؛ من الجيل السابق له من الذين اختلفوا معه في إطار «حزب الاستقلال»، قبل تأسيس «الاتحاد الوطني»، ومحترماً من جيله، ومحترماً من ثلاثة أجيال كان هو أحد مربيها سياسياً. هذا عبد الرحيم بوعبيد كما أراه.
س: واعتقاله؟
ج:اعتقاله كان مفاجئاً لي، لأنه ليست المرة الأولى التي سيجهر فيها عبد الرحيم بوعبيد بموقف مناهض لموقف النظام. هذه واحدة، الثانية أن عبد الرحيم كانت تربطه علاقات صداقة بالملك الراحل الحسن الثاني منذ كان ولياً للعهد، وهو يعرفه جيداً ويعرف كفاءته، ويعرف أنه رجل دولة من الطراز الكبير منذ كان وزيرا للمالية ونائب رئيس الحكومة في حكومة عبد الله إبراهيم، ثم ثالثا لأن الدولة المغربية، في ذلك الحين الذي عبر فيه عبد الرحيم بوعبيد عن موقفه في قضية استفتاء تقرير المصير في الصحراء في مؤتمر نيروبي لمنظمة الوحدة الإفريقية، كانت في حاجة إلى مثل موقفه الذي تتقوى به في وجه الضغوط الدولية عليها. نعم، كان يمكن أن يكون موقف عبد الرحيم ورقة في يد الدولة الدولة تقول للعالم أنه حتى اختيارنا لهذا المبدأ مرفوض من طرف المعارضة ومن قبل زعيم المعارضة، بحيث تأخذ هذه الورقة في يدها لتحسين موقعها التفاوضي في قضية الصحراء المغربية. أنا أحسب أن هذا الخطأ، الذي ارتكب في حق عبد الرحيم بوعبيد باعتقاله هو وبعض رفاقه، ونقلهم إلى سجن في ميسور، إنما أتى نتيجة حسابات خاطئة قد يكون لوزير الداخلية الأسبق إدريس البصري دور فيها، لأنه أتي مباشرةً بعد انتفاضة 20 يونيو وما رافقها من تقارير مَهُولة ومخيفة حول الوضع في المغرب. ولكن أحسب أيضاً أنه كان رسالة موجهة إلى فرونسوا ميتران وإلى الاشتراكيين في فرنسا. ولذلك أقول إن اعتقال عبد الرحيم بوعبيد كان خطْأَةً كبيرةً، ومن حسن الحظ أنه أفرج عنه بعد أشهر قليلة ولم يقض فترة طويلة في السجن. ولكن على الأقل سنه كان ينبغي أن تُؤخذ في الحسبان، إن لم يؤخذ في الحسبان مكانته كقائد وطني؛ فهذا رجل من بناة الاستقلال، وقد فاوض، هو والمهدي بن بركة، الاحتلال الفرنسي في مفاوضات إيكس ليبان، وأصرّا على عودة الملك محمد الخامس من المنفى، واستقلال المغرب. وحين كان الفرنسيون مستعدون للمقايضة على العرش رفض عبد الرحيم بوعبيد ذلك، كما رفضه المهدي بن بركة. فلذلك يحز في النفس أن عبد الرحيم بوعبيد تلقى هذا الأذى في مرحلة من تاريخ المغرب وهو الرجل المسالم الذي يقول كلمة الحق وينصح؛ والنصيحة تقليد في تاريخنا الإسلامي كما هو تقليد في السياسات المعاصرة، فالرجالات الكبار دائما يُصْغي إليهم صناع القرار لإنهم يمتلكون من الخبرة والحكمة ما لا تستطيع تقارير مراكز الدراسات أن تقدمه إلى صانع القرار.
س: محمد عابد الجابري؟
ج: أستاذ كبير تعلمنا منه جميعاً. رجل نجح في أن يشيِّد مدرسةً في البحث العلمي في مجال التراث، وفضله عليَّ، أنا شخصيا، كبير؛ لأنه نبّهني، منذ وقت مبكر، إلى الحاجة إلى إعادة قراءة الموروث الثقافي والديني في الوقت الذي كنت منصرفاً فيه انصرافاً شبه كلي، خاصة في سنوات السبعينيات إلى الفكر الغربي الحديث وخاصة إلى الفكر الماركسي. ومحمد عابد الجابري رجل عصامي؛ بنى مكانته الفكرية بصبر وتضحيات ودأب وإصرار، ونجح في أن يرسم لنفسه مساراً خاصاً في البحث والدراسة لا يشبه مسارات كثيرين من مجايليه. الجابري أيضاً عُرِف بأنه الباحث أو المفكر الذي اقترنت عنده المعرفة بالالتزام السياسي؛ كان مناضلاً في «الاتحاد الوطني»، ثم في «الاتحاد الاشتراكي»، وفي فترات كان من الصعب على المرء أن يكون فيها مناضلاً في الستينيات وفي فترة كان من الصعب فيها أن يكون المرء كاتباً في جريدة مثل جريدة «التحرير» يجلس في نفس المكتب مع الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي. هكذا كان الجابري واستمر إلى أن قدم استقالته من المكتب السياسي للحزب سنة 80، وانصرف إلى البحث العلمي، ولكنه في كل المناسبات، عشرات المناسبات التي رأيته فيها، كان دائماً يتحدث باعتباره مناضلاً في الحزب. جمع بين الباحث والمناضل والصحفي والتربوي المدرس، ولذلك كانت طريقته في الكتابة تجتمع فيها كل هذه الملامح؛ يكتب الدرس الفلسفي كما لو أنه يكتب المقال الصحفي، الدرس الفلسفي يصل إلى قارئه بتوسط بيداغوجي تربوي؛ كيف يقدم النص، وكيف يرتبه، وكيف يسوق الاقتباسات والاستشهادات ثم يستنتج إلخ. وبمنطق المناضل يريد أن يقنع قارئه برسالته، وهذه طريقة استثنائية لا نجدها عند باحثين آخرين. بعضهم يؤاخذه عليها وبعضهم يحبذها ويستحسنها ويرى إليها بوصفها طريقة ناجعة في مخاطبة جمهور واسع من القراء. لذلك ترى أن جمهور الجابري يبدأ من تلامذة الثانوي حتى النخبة الفكرية. مشروعه الذي طرحه (مشروع نقد العقل العربي) له ما له وعليه ما عليه. أنا لست هنا في معرض الحديث التفصيلي عن هذا المشروع فقد تحدّثتُ فيه في كتابي «نقد التراث»؛ في الفصل المكرس لأعمال محمد عابد الجابري. لكن أستطيع أن أقول إنه المشروع الثاني الوحيد الفكري المتكامل في الثقافة المغربية. المشروع الأول مشروع التاريخانية لعبد الله العروي. لا أستطيع أن أقول إن محمد عزيز الحبابي، الذي هو مؤسِّسٌ للتفكير الفلسفي في المغرب وليس للدرس الفلسفي، فحسب، أنتج مشروعاً فكرياً في الشخصانية بحجم مشروع العروي أو بحجم مشروع الجابري. في النهاية لا تبقى إلا المشاريع الكبرى في التاريخ الثقافي. وحسب الجابري أنه ترك هذا المشروع وترك أسئلة معلقة سوف تستنفر البحث العلمي في مجال الدراسات الإسلامية في السنوات والعقود القادمة.
س: وعلي أومليل؟
ج: علي أومليل أيضا أستاذي، درسني في السلك الثالث، وأشرف على بحثي في ديبلوم الدراسات المعمقة. وربطتني به علاقة وطيدة منذ «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان» حتى اليوم. علي أومليل مفكر رصين، وأنا أعني ما أقول؛ مفكر رصين لا يسعك إلا أن تعترف بِحُنْكته واقتداره في الكتابة وفي انتقاء الموضوعات التي يكتب فيها وإن لم يكن مُسْهِباً في التأليف. وأعتقد أن هذا الخيار يعيه جيداً، ويعي أنه هو الخيار الوحيد الذي يفتح الطريق أمام النص النوعي التركيبي. علي أومليل مجتهد كبير، ورجل على قدر من الدماثة في الخلق ومن الصرامة في كل ما يتعلق بالبحث العلمي. طَلَبَتُه كانواْ يعرفون هذه الصرامة، ولكن أدركواْ متأخرين أنها خصلة محمودة فيه. ولَعَلِّي أنا واحد ممن تعلموا منه هذه الصرامة في مجال التدريس. علاقتي به، أراه باستمرار هنا في المغرب، وخاصة في العشر سنوات الأخيرة حينما أصبح سفيرا للمغرب في لبنان. نلتقي باستمرار، نتحدث باستمرار، نتبادل الرأي في قضايا الفكر والسياسة وما إلى ذلك. علي أومليل كتب نصين سيظلان مرجعيين في مجاله: «الإصلاحية العربية والدولة الوطنية» ثم «السلطة الثقافية والسلطة السياسية»، وطبعاً دون أن أنسى في «شرعية الاختلاف» و»التراث والتجاوز». لا يمكن للمرء أن يكتب في تاريخ الفكر المعاصر أو في مسألة الدولة من دون أن يمر بكتابه عن الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، كما لا يمكن أن يكتب في مسألة العلاقة بين المعرفة والسلطة دون أن يمر بكتاب الجدل بين هذين الحدين في الثقافة العربية الإسلامية. علي أومليل كما محمد عابد الجابري علامات كبيرة في التاريخ الثقافي: ليسا في بلدنا فحسب (المغرب) وإنما في الوطن العربي كله.
س: فواز طرابلسي؟
ج: فواز طرابلسي رمز لجيلنا نحن اليسار الجديد في الوطن العربي كله، وليس في المغرب، منذ أن أسس هو ولفيف من رفاقه (وضاح شرارة، أحمد بيضون) مجموعة في منتصف الخمسينيات (سنة 65) أسموها «لبنان الاشتراكي». ومجموعة «لبنان الاشتراكي»، التي كانت تضم زبدة النخبة الفكرية في لبنان، في ذلك الحين، هي التي ستأتلف بعد سنوات مع المنظمة الجديدة التي خرجت من الفرع اللبناني لحركة القوميين العرب والتي حملت اسم «منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» وكان يقودها محسن إبراهيم ومعه محمد كشلي. توحدت «لبنان الاشتراكي» و»منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» فتشكل منهما حزب هو «منظمة العمل الشيوعي في لبنان». طبعاً فواز طرابلسي، ناهيك عن رمزيته القيادية كأحد رجالات الرعيل الأول لليسار الجديد، مفكر كبير، وأديب كبير، وكاتب من الطراز الأول؛ يكتب بأناقة باذخة، فيها بذخ وفيها مزيج من اللغة الشعرية ومن اللغة النظرية. أنا أحيلك هنا إلى كتابه عن غرنيكا مثلاً، عن لوحة غرنيكا لبيكاسو، والتي يقارن فيها مابين مذبحة قرية في اسبانيا نتيجة القصف الوحشي للفاشية في عهد فرانكو ومذبحة صبرا وشاتيلا في سبتمبر 1982. وهو كتب سيرة ذاتية أنا في نظري هي أجمل ما كتب حتى الآن في الثقافة العربية المعاصرة عنوانها «سيرة الفتى بالأحمر»؛ وهي صادرة عن دار الريس في لبنان. ثم ترجم، إلى جانب مؤلفاته، كتباً عدّة منها نصّاً من الإنكليزية إلى العربية، لو كُتِبَ في جماليته باللغة عينِها التي ترجم بها فواز طرابلسي النص. قصدتُ، هنا، كتاب «out of place» (خارج المكان) لإدوارد سعيد. سيرة كتبها المرحوم إدوارد سعيد في أواخر حياته، لا تكاد تضاهيها في القيمة إلا السيرة التي كتبها فواز طرابلسي. فواز، إلى ذلك كله. كان له دور كبير في وضع مجلة «الحرية» التي كانت تصدر بشكل مشترك عن «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وعن «منظمة العمل الشيوعي» في مقام المجلة/المرجع لليسار العربي. لا أقول هو الوحيد؛ محسن إبراهيم أيضاً من الذين منحوا «الحرية» تلك الهالة التي كانت لديها. كنا نتلقف «الحرية» في السبعينيات كما نتلقف قطوف الحقّ والعلم المطلق. لما غادر لبنان سنة أربعة وثمانين، وانتقل إلى باريس لكي يكمل أطروحة الدكتوراه، أسس مجلة اسمها «زوايا» وكان يستكتبني فيها وكنت أكتب مقالات. لكنها لم تُعَمَّر كثيراً: خمسة أعداد ثم أقفلت بسب الضائقة المالية طبعاً. وفي السنوات الأخيرة أعاد الكرة من جديد فأصدر هو وجمع من رفاقه (سليمان تقي الدين وآخرون) مجلة «بدايات». وأحسب أنها أصدرت حتى الآن ستة أعداد. وكتبت فيها في أكثر من مناسبة. لم يتوقف فواز طرابلسي منذ أن اعتزل العمل السياسي في أربعة وثمانين أو خمسة وثمانين عن التأليف والكتابة؛ سواء في مجال التاريخ السياسي، أو في مجال الفكر السياسي، أو في مجال الأدب. وقد صدر له قبل عشر سنوات أو أكثر قليلا كتاب رائع جدا عن التجربة الرحبانية: تجربة السيدة فيروز والأخوين رحباني (صادرة عن دار رياض ريس في بيروت). وفواز صديق حميم وأستاذي أولا. وأنا أعتز بصداقته، وأتحسس غناها وغنى الجلسات الطوال معه كلما التقينا. في الثمانينيات وأوائل التسعينيات كنا نلتقي في باريس كثيراً حينما كان هو مقيماً في باريس. وبعد أن عاد إلى لبنان، في منتصف التسعينيات، بِتْنا نلتقي كلما كنت في بيروت. وما تزال الصلة بيني وبينه وطيدة وحارة، وأنا أعتز بصداقته كما أعتز بمساهمته في الفكر السياسي العربي المعاصر.
س: إدوارد سعيد عاشق لذاته وللموسيقا وفي نفس الآن مفكر كبير.
ج: إدوارد سعيد من أبرز وأظهر وأميز المفكرين الذين أنتجتهم البشرية في العصر الحديث. كان سلطة معرفية ينحني أمامها الجميع: في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوربا وفي الوطن العربي. مفكر عميق وموسوعي رصين، وفلسطيني مبدئي ثوري معاد للصهيونية في عقر دارها، شجاعاً في الجهر بمواقفه وفي نقدها، وفي نقد المؤسسة الأمريكية إلى درجة أن الأمريكيين كانواْ يشعرون وكأن بين ظهرانيهم ثعباناً. وكم من معارك خاض مع هذه الأوكار الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية لكي يكرس الحق الفلسطيني والحق العربي. وحين كتب كتابه عن الاستشراق في بداية السبعينيات سنة 74 (صدر بعد ذلك) أحدث ضجة في كل الفكر العالمي لأنه تجرأ على الخطاب الكولونيالي. طبعاً هو لم ينتق سوى الخطاب الكولونيالي البريطاني والفرنسي وأثار حوله أحقاداً من كل حدب وصوب: داخل الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوربا. الكتاب كان فعلاً عملاً معرفياً ثورياً بامتياز، هو وكتابه «الثقافة والامبريالية» culture and impertialism. إدوارد سعيد كان يصول ويجول داخل اللغة الإنكليزية، وهو في الأصل أستاذ للآداب الإنكليزية إلى درجة أنه كان معروفاً أن لغة إدوارد سعيد هي المثال الذي يحتذى والذي لا يستطيع أحد أن يجاريه فيها. وفي الوقت نفسه كان يتقن اللغة الفرنسية إتقاناً رفيعاً ويقبل على الآداب الفرنسية الكلاسيكية إقبالاً جيداً. وقد فوجئت حينما أخبرني عن المتن الروائي الذي اطلع عليه باللغة الفرنسية. مواقفه السياسية نعرفها جميعاً؛ مواقف صلبة ومتينة ومبدئية ولا يتنازل فيها، ودفع ثمنها لأنه في اللحظة التي أعلن فيها موقفه الرافض لاتفاق أوسلو اتخذت السلطة قراراً أخرق بمنع كتبه من الأسواق الفلسطينية من التداول! علماً أنه في 15 نوفمبر سنة 1988، بعد شهر على انتفاضة أكتوبر بالجزائر في عهد الرئيس الشاذلي بنجديد، انعقد مجلس وطني فلسطيني جديد في دورته الثامنة عشرة على ما أظن أو التاسعة عشرة التي أعلن فيها عرفات قيام دولة فلسطين. نص إعلان الدولة العربي كتبه محمود درويش. وكان ياسر عرفات قد استقدم إدوارد سعيد من الولايات المتحدة الأمريكية لكي يحضر (وهو كان عضواً في المجلس)، أصر عليه أن يحضر فحضر، فإذا به يدخله إلى غرفة، ويقفل عليه ويسلّمه النص لترجمته إلى الإنكليزية. والنص الذي ترجمه إلى الإنكليزية لا يقل بهاءً عن النص العربي. للأسف إدوارد سعيد رحل وهو في ريعان شبابه، وكان يحب المغرب وخاصة طنجة. يقضي معظم مصافاته في طنجة. إلى ذلك فإدوارد سعيد معروف عنه، عدا اهتمامه بالفكر والفلسفة والأدب شغفه بالموسيقا. هو ليس فقط musicologue وإنما أيضاً ممارس للموسيقا؛ حيث يعزف على البيانو ويتنج نصوصاً موسيقية. مرة ألقى درساً في الكوليج دو فرانس بالفرنسية، وحضره جمهور كبير في جملته عددٌ من المفكرين الفرنسيين والألمان. وكان مريضا، وكان الدرس درساً حول الموت لكنه لم يكن درساً فلسفياً حياً، كان درساً حول الموت من مجموعة من النصوص السمفونية. وكان الحاضرون في حالٍ من الانبهار شديدة أمام هذا الجبل الشامخ الذي اسمه إدوارد سعيد. وهو كذلك كان رحمه الله.
س: محمد الحبيب طالب؟
ج: محمد الحبيب طالب هذا الصديق العزيز وهذا القائد التاريخي من قادة اليسار أستاذٌ لجيل. رجل جمع مثل سابقيه، عمر بنجلون والمهدي بنبركة وعبد الله إبراهيم، ما بين الممارسة السياسية بالمعنى المبدئي وبين الاقتدار الفكري والشغف بالمعرفة وبالقراءة وبالدرس. أنا أعتقد أنه، بعد عمر بنجلون في المغرب، ليس لدينا شخص نستطيع أن نقول إنه قائد حقيقي جمع بين الفكر والممارسة إلا محمد الحبيب طالب مع فارق أن محمد الحبيب طالب رجل في غاية التواضع ولا يتنطع ولا يبحث عن أي موقع، بل إن مشكلة المنظمة التي أسسها عام 70 («منظمة 23 مارس» والتي أصبحت فيما بعد «منظمة العمل الديمقراطي الشعبي») ومشكلة المناضلين معه أنه هو القائد التاريخي لليسار لكنه يرفض أن يستلم أي منصب رسمي. دائماً كان في الواجهة الخلفية لا يتنطع ولا يقترح نفسه. الحبيب شهادتي فيه مجروحة لأنه صديق عزيز وأراه باستمرار؛ لا يمر أسبوع من دون أن نلتقي. جئت به إلى هذه الكلية في مناسبتين، وأحسب أن أحدا من الطلبة لم يكن يعرف من هو هذا الرجل الذي بينهم. حتى الآن قليلون هم الذين يقنعونني، في المغرب، حين يكتبون نصاً سياسياً. الطالبي على رأسهم جميعاً؛ ليس هنا في المغرب فقط، بل في الوطن العربي. يكتب نصاً كأنّه يَقْمِش، كأنه ينسج قماشاً، بدقة سياسية متناهية وبلغة تبذخ في الجماليات. وأنا لا أضيف جديداً حينما أقول إن أكثر من خمسين في المائة من وثائق اليسار، التي تعرفها في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات وبداية الثمانينيات، حررها محمد الحبيب طالب إن وجدتَ نصاً خشبياً فاعرف أنه ليس بقلم محمد الحبيب طالب. إن وجدتَ نصاً ينضح بالطراوة فاعلم حينها أنه نص لمحمد الحبيب طالب. لكن هذا البلد لا يعترف برجالاته، هذا بلد مجحف وجاحد في حق أبنائه البررة وكفاءاته، ولذلك قَلَّ ما تعرف من هم أولئك الذين، بكل صمت وتواضع، قدموا المساهمات الغنية في تطوير الثقافة أو العمل السياسي أو غيره خاصة حينما لا يكونون من أولئك الذين ابتلاهم الله بنزعة الmarketing كيف يسوّقون أنفسهم. محمد الحبيب طالب واحد من هؤلاء الصموتين الذين يشتغلون من دون ضجيج، ويقدمون ما يمكن أن يُحْسَب في عداد النفائس السياسية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.