حدد فوكو وشجع إبان سنوات التسعينات بروز صورة جديدة للمثقف كما وجدت منذ زولا. انطلاقا من الفيزيائي الأمريكي أوبينهايمر ومن بعض الأطباء (وخصوصا النفسانيين) أبان عن وجود ما سماه «المثقف النوعي» الذي يتدخل انطلاقا من حقل كفاءاته الخاص والذي يخضع لمحك النقد لعبة السلطة التي تساهم فيها معرفته، والتي داخلها يشتغل بانتظام، بدل الإحالة على حقيقة متعالية بطبيعتها عن لعبة المصالح الخاصة أو على حكمة داعية إلى الحق والسلم. لا يرتبط ذلك بادعاء فوكو تقمص هذا الشكل الجديد للنشاط الثقافي لوحده، كما ذهبت إلى ذلك الكثير من القراءات المتسرعة. كان موقف فوكو يتموضع على خط ذاهب من التدخل بضمير المتكلم إلى الانخراط في تجمعات من الخبراء والمناضلين، لأن موقفه كان دائما غير قار ولا واضح، وكان يتأرجح بين استغلاله لشهرته أو التدخل تحت مظلة الغفلية (بضم الغين)، موظفا مصادر وسائل الاتصال الوليدة ليكون الناطق باسم أولئك الذين عادة ما يرفض الإنصات إليهم ولا يعطاهم الحق في الكلام. كان يرفض تمام التنظير للعبة فقدان التوازنات تلك، ولا يسعى خصوصا إلى شرعنة المنظور الشخصي لتدخلاته انطلاقا من سلطته العلمية كما فعل بيير بورديو بعد ذلك، لذا طرح نفسه ببساطة كممارس للعبة المزدوجة، إذ أشار بوضوح إلى أن التدخل قد لا يصير في ما يأتي بسيطا وسهلا، وأنه قد يتوجب في كل مرة الخلق والابتكار والاستفادة من عقدة التناقضات المتاحة لأن لائحة الحلول قد امتلأت، تلك الحلول التي كانت تسمح لحد الآن بإيجاد الترابط بين الاضطلاع بفعل الكلام فرديا والحركات الجماعية، أو بين القراءة النظرية للعالم والالتزامات الدائمة. دخلت الصورة القديمة للمثقف مرحلة الاحتضار، بل إنها مازالت تحتضر كاشفة عن صور بئيسة لها كما نجد عند الفلاسفة الجدد القدماء مثل بيرنار– هنري ليفي وأندري كلوكسمان وغيرهما. لم تغب كلية أشكال التدخل الكلاسيكية، حيثسادالتمفصل بين الخبرة المحلية والتوجه للرأي العام، والربط بين التذكير الإيجابي بالوقائع واستدعاء القيم، في التأرجح بين السلطة العلمية والخبرة النوعية، بين دور الشاهد الكبير والفاعل المنخرط، بين الكوني والنوعي وذلك في أفق البحث عن أشكال جديدة للتدخل. لقد نسيت الجامعة مشيل فوكو (هذا في فرنسا طبعا أما عندنا في المغرب فليست هناك أدنى علاقة للجامعة المغربية بفوكو وفكره، أما الترجمات القليلة الموجودة لكتبه في اللغة العربية فهي غير قابلة للقراءة ومليئة بأخطاء ترجمية كما أنها لا تندرج ضمن مشروع جماعي لترجمة أعمال فوكو الكاملة يعتمد على توحيد ترجمة المفاهيم والاصطلاحات ومراجعات الترجمات من طرف أشخاص قرأوا فوكو في نصوصه الأولية بالفرنسية)، أو أنها تزعم نسيانه بالرغم من أن أسباب التعامل مع أعماله الفلسيفة كثيرة ومتعددة وتنحو منحى المساعدة على ابتكار أطر جديدة للأبحاث ومواضيع أخرى للتفكير في الفلسفة والتاريخ. إن قراءة فوكو، على المستوى الفلسفي وما وراء المفاهيم التي طرحها أو الأطروحات التي اقترحها هامة، أولا لأن ممارسة التنظير والتأمل الفلسفي لديه لم تكن تنفصل عن التقاطعات والتجاوزات مع مجالات وحقول أخرى، مع الأدب التاريخ أو العلوم الاجتماعية، مع النصوص اللاتينية أو تلك المرتبطة بالزمن الحالي، مع الأدب والنصوص الهامشية في القرن 18، ومع ما سماه «روبورتاجات الأفكار». كانت هذه التقاطعات والتجاوزات مريبة ومثيرة للشكوك بالنسبة للمدافعين عن طهرانية المعرفة المتخصصة، وخصوصا في حقبة ثم فيها التراجع داخل حدود الفلسفة الخالصة والصارمة، علما أن فوكو لم يكن له، من خلال هذه التجاورات طموح موسوعي مادام استدعاء هذه المتون يتم بشكل فوضوي عالم، ولم يكن همه إرادة ضمان مساهمة التخصصات والحقول الأخرى الأكثر موضوعية في الفلسفة. يقول دولوز في حوار عن فوكو، (كما عند كل المفكرين الكبار، فإن فكر فوكو اشتغل دائما عبر الأزمة والهزات باعتبارها شرط الإبداع، وشرطا لانسجام متميز)(1). تعلمنا قراءة فوكو درسا هاما وهو استحالة ممارسة التفكير والتأمل المنغلق على ذاته، أو الإفراط في نوع من النزعة العلموية الزائفة ، بل يدعونا للارتياب من عالم تنتسج داخله عقلانية غير خالصة وتبني الحذر وبلورة وسائل حذرة حسب اللحظة والاستراتيجية والفرصة السانحة. إنه يدعونا إلى أن نكون مرمقين(من الترميق) bricoleurs لممارستنا الفكرية حسب متطلبات السياق. النقطة الأخرى التي يعلمنا إياها فوكو بالنسبة لكل من يجهد نفسه اليوم في ممارسة الفلسفة، تهم المكانة الخاصة جدا التي يحتلها الهم السياسي داخل تحليلاته. لا يمكن الذهاب مع آراء أولئك الذي أكدوا بأن (كل شيء سياسي) عند فوكو، علما أن هذا «الكل « المنسجم المتناسق لا وجود له عند صاحب (الكلمات والأشياء/1966) بالنظر إلى أن أعماله تكذب ذلك وتتلاعب به، وتتموقف انطلاقا من عدم الانغلاق داخل «كلية» ما بسبب تكوينها الشذري. عرفت سنوات الثمانينيات عند نهايتها إعادة الاعتبار لفلسفة سياسية، تريد استعادة حقها في الظهور، مؤكدة في الوقت نفسه شرعية المفاهيم المؤسسة لهذا التخصص (عدالة أو مصلحة مشتركة، حرية أو حقوق، جمهورية، ديمقراطية) وأيضا إمكانية القيام بتحليل مستقل لها، وتشكيل السياسي كدائرة يتم فصلها مجددا عن الكتلة الملتبسة المسماة «الاجتماعي». ينطرح فوكو في العمق كأحد المفكرين الذينانوشم فكرهم بالقليل جدا من السياسة وقد يكون صعبا الوقوف عند «فلسفة سياسية» لديه وتحديدها، لأن الحركات والمواقف والتحليلات التي يقوم بها تبدو غير منسجمة، فهو لا يتوقف من جهة عن فصل كلمات اصطلاحات السياسي le politique عن أسسها الكونية ليظهر انبجاسها التاريخي المتميز (تؤكد دروسه الأخيرة في الكوليج وفرانس التي جمعت في كتاب مؤخرا بأن «الليبرالية»(2) لا ترتبط بالحرية ولا تحيل عليها بل ببعض التحولات المحددة في فن الحكم). أما من جهة أخرى فإن ما ينقصه هو تلك القطيعة أو ذلك الانفصال الذي يمنح السياسي الوضع الاعتباري لمجال محدد، ذا موضوع مستقل، مؤسس داخل حدود معلومة موثوق منها ومؤطر بسلطة العقل. يخضع الهم السياسي عند فوكو لنوع من الممارسة المتقطعة، المادية والخاضعة للصدفة، ويوجد دائما في أمكنة ومواقع لا نتوقع وجوده داخلها. أما مجال التاريخ والتحليل التاريخي فإن فوكو، كما قال عنه بول فاين Paul veyne زميله في (الكوليج دوفرانس)، قام بتثوير التاريخ. لم يكن حواره مع المؤرخين سهلا لكن تأثيره المحدود يبدو واضحا بعد وفاته. صحيح أن تاريخ الخطاب الذي دعا إليه ومارسه لم يفرز باحثين ومفكرين يتبنونه ويطورونه، لأن تاريخ التمثلات هو المهيمن، لكن هناك معالم ومؤشرات توحي بأن بعض مفاهيم فوكو تشتغل/ تحضر بفعالية لدى أولئك الذي يجترحون طرقا وحقول جديدة في البحث، مثلا في مجالات متنوعة كتاريخ الثقافة المكتوبة، النساء، الممارسات الحميمية، كما أن الاشتغال مع/ صحبة فوكو يتم أيضا عبر أحداث ذات حدة وزخم قويين. لقد فتح فوكو كوى ونوافذ وشروخا داخل التاريخ كمادة متخصصة، وزرع داخلها فضاء للحرية. أغنت مفاهيم فوكو التحليل التاريخي وساعدته لتجاوز انغلاقه على ذاته، مثل مفاهيم الشكلنة، الأجهزة، هيئات، ميكرو- فيزياء السلطة وغيرها. شكلت العلاقة مع الأرشيف، العلاقة العاشقة، التحليلية، الدائمة والمنصتة لصموتات هذا المتن الهائل إحدى مجالات اشتغال فوكو، ولكنه أحدث نوعا من القطيعة في التعامل مع المراتبية الموروثة، إذ واظب وألح على استعمال موسع للأرشيف، لا يتوقف فقط عند الأرشيف العالم savant بل حتى المطبوعات والملاحظات وتقارير البوليس...الخ، وهو ما ساهم في تغيير صورة التاريخ المعاصر. منح فوكو لفاعلين مجهولين، ولأفراد الشعب من المهمشين والسفلة والمحكومين، والذي يعبرون التاريخ كأطياف فرص ولوج حيز الحكاية التاريخية. ظلت فئة كبيرة من الساكنة مهملة وغير معترف بها، عدا بعض الآثار المحدودة لحضورها في كتابات المؤرخين لكن فوكو مع آخرين من المشتغلين معه على الأرشيف، مثل أرليت فارج في كتابيهما (فوضى العائلات)، منح الأهمية أيضا لما هو عادي جدا ومهمل، للمشاهد الصغرى، والحركات والأقوال التي صارت جديرة بأن تتحول إلى تاريخ، واهتم بالحميمي والبالغ الدقة والكتابات التي يصنفها المؤرخون بأنها عادية جدا. منح فوكو لهذه الممارسات/ الكتابات المهمشة أوضاعا اعتبارية داخل منظومة المعرفة – السلطة، بحيث صارت معه جزءا من تاريخ سياسي ممكن. أعمق مثال في هذا السياق وأكثره دلالة هو الجملة الافتتاحية التي دشن بها كتابه (المراقبة والعقاب/1975) والتي شكلت صدمة حينها بالنسبة للمؤرخين الجامعيين والأكاديميين، حيث بدأ فوكو كما لو أنه يشير إلى وقوع حدث عادي Un fait divers في الصفحات الداخلية لجريدة يومية، ولكنه بطريقة موازية وماكرة كان يروم التدخل في حقل راهنية حارقة، لأن النقاش حول أوضاع السجناء والوضعيات السجنية والأحكام والعقوبات حينها كان مطروحا بحدة، كما أن إرهاصات إلغاء عقوبة الإعدام التي تمت مع بداية حكم الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران ووزير العدل روبير بادنتر كانت قد بدأت منذ بداية عقد السبعينات. تقول الجملة الافتتاحية ما يلي: (حكم على داميان بتاريخ 2 مارس 1757...). الكثير من المقاطع والنقاط التحليلية والتأويلية تبدو على صلة وثيقة بمراحل ولحظات محددة من بيوغرافيا صاحب (المراقبة والعقاب/1975) وبالسياق التاريخي الذي عاشه/ اندغم فيه، وهو ما قد يمكن القول عنه بأن أجزاء من كتاباته يمكن اعتبارها شذرات/شظايا من أتوبيرغرافيته الخاصة، من اختياراته الفلسفية الوجودية، ذلك على أي حال، ما تكشف عنه بعض النصوص من ذلك الكم الهائل من أقواله وكتابات [2000/Dits et Ecrits/2 tomes]، ضمن سلسلة (كواترو/ غاليمار) والذي يمكن (أي الكم) اعتباره بمثابة ورشة مفتوحة للتأويل والتحليل والاشتغال انطلاقا منه/عليه، وطرح أسئلة وإخفاء طابع إشكالي على الأحداث والأطروحات الفكرية والفلسفية والتاريخية، دفع البداهات والمسلمات واليقينات لتقف محاصرة ظهرها إلى الحائط حتى يتم إزالة قشور القناعات والامتلاءات المتعالية عنها وإخضاعها لمحك التاريخ والحدث، تماما كما فعل مع مفاهيم كبرى ذات طابع كوني مثل (الذات، السلطة، الكلمات الأشياء...) حين سلط عليها أضواء منهجه الجينالوجي الذي أعادها إلى تربة الوقائع والأحداث التاريخية بدل الاستمرار في كتابتها بأحرف أولى كبيرة إذ بدل السلطة Pouvoir بحرف P كبير مثلا تحدث عن السلط بالجمع وبحرف P صغير وهكذا دوليك. إن التفكير فعل مفتوح على المخاطر، وفوكو مع هيدغر، لكن بطريقة مغايرة، هو الذي عمل بعمق على تجديد صورة الفكر، وهي الصورة التي تنبني على أصعدة ومستويات عديدة، حسب الطبقات المتتالية كما جسدتها فلسفة فوكو. انبنت هذه الطبقات الترابية كما يرى دولوز على ثلاثة مستويات: (التفكير أولا هو الرؤية والكلام، لكن شرط ألا تتوقف العين عند الأشياء وترقى إلى «المرئيات»، وألا يتوقف الكلام عند حدود الكلمات والجمل ويرقى إلى مستوى الملفوظات. إنه الفكر كأرشيف. ثم إن الفكر هو السلطة، أي نسج علاقات القوى، شرط ألا يفهم بأن علاقات القوى تختزل في العنف بل تشكل أفعالا على أفعال، (...) مثل «الحث على تحويل، تيسير أو تصعيب الأمور، الاتساع أو التجديد، جعل الأمر محتملا قدر الإمكان...». إنه الفكر كاستراتيجية. وأخيرا، في كتبه الأخيرة، هناك اكتشاف الفكر ك «سيرورة تذويت»، ومن الغباء أن نرى في ذلك عودة للذات، لأن الأمر يتعلق بتشكل أنماط الوجود أو كما قال نيتشه ابتكار إمكانيات جديدة للحياة. ليس الوجود كذات بل كعمل فني، وهذه المرحلة الأخيرة هي مرحلة الفكر – الفنان. مؤكد أن المهم هو تبيان كيف يتم المرور بالضرورة من احدى هذه التحديدات الى الاخرى. لايكون المرور جاهزا بل ينسجم مع الطرق التي يجترحها فوكو، مع المستويات التي يرقى إليها والتي لم توجد قبله سلفا، ومع الهزات الزلزالية التي يخلقها ويضطلع بها) (3). مؤكد أن راهنية فوكو مازالت مطروحة، ثلاثين سنة بعد وفاته، مطروحة للنقاش أولا وكبراديغم لقراءته وتأويله ثانيا وخصوصا عبر السؤال: هل مازال فوكو فيلسوفا راهنا؟. إن فوكو شأن المفكرين الكبار غالبا ما يولد بعد الوفاة، كما قال نيتشه عن فلسفته ولن يكون مجرد إرث بلا ورثة. يقول فوكو: (أحاول في كتبي الإمساك بحدث بدا، ويبدو لي مهما بالنسبة لراهنيتنا، مع أنه حدث سابق. كل هذه الأحداث، يبدو لي أننا نكررها في راهنيتنا، وأحاول أن أعرف ما هو الحدث الذي تحت علامته، وُلدنا ويستمر في اختراقنا). يتميز الحاضر، حسب فوكو باعتباره ما يولد، ما يبدأ، انطلاقا من حدث ما. قال فوكو أيضا في أحدى حواراته (إن الفلسفة بالنسبة لي هي نوع من الكتابة الصحافية الراديكالية) و (أعتبر نفسي كصحفي، في الإطار الذي يكون فيه ما يهمني هو الراهنية، ما يحدث حولنا، ما نحن ما يأتينا). إن للفلسفة، من المنظور الفوكوي، دور هام في تاريخ الناس، بما أنها قادرة على إنتاج أحداث لها قيمة أفعال تخص الوجود ونعلم، في هذا السياق، بأن فوكو نفسه، وصف إنتاج كتبه، وأعماله ونشاطه السياسي في الأوان ذاته، من خلال اصطلاح الفعل الفلسفي. تحليلاته، مواقفه، نضاليته، أعماله الكبرى تقول، دون شك، بأنه سيظل فيلسوفا قيد الإتيان دوما، فيلسوفا يعنينا هنا/ الآن. ** هوامش: 1-Deleuze, pourparlers, Editions de Minuit, 1990. P. 115 2 - Michel faucault, Naissance de la Biopolitique, Gallimard/ seuil, 2004 3-Pourparlers, Op. cit.p.131