مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إنشاء «مجلس السلام»، الذي يُفترض أن يشكل إطارا لتعزيز الاستقرار والأمن الدوليين، يرى عدد متزايد من قادة الدول والمحللين السياسيين أن المجلس، بصيغته الحالية وتحت قيادة الرئيس السياسية، قد يتحول إلى عامل إرباك حقيقي لمنظومة العلاقات الدولية، وربما يشكل تهديدا غير مباشر للسلم والأمن العالميين. ويعكس هذا الرأي طبيعة المواقف الأحادية للإدارة الأمريكية، المبنية على قرارات فجائية كما تجلّى في قضيتي فنزويلا وغرينلاند، حيث تصاعد الخطاب الداعي إلى ضم الأراضي والتهديدات العسكرية، وهو ما واجه رفضا واسعا من الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا وكندا. ضمن هذا السياق الدولي المضطرب، تبرز تساؤلات جوهرية حول موقع المغرب ومصالحه الاستراتيجية على ضوء قبوله دعوة الرئيس دونالد ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، وكان من بين الدول الموقعة على ميثاقه خلال منتدى دافوس يوم 22 يناير الجاري. ومن هنا يبرز السؤال المحوري حول انعكاسات هذه الخطوة على قضية الصحراء المغربية في ظل التحولات الدولية الراهنة، وما إذا كان انضمام المغرب يشكل مكسبًا دبلوماسيا حقيقيا أم أنه قد يحمل مخاطر محتملة على المسار الأممي المتراكم للدعم الدولي. فإذا كان من البديهي النظر إلى قبول المغرب الانضمام إلى «مجلس السلام» باعتباره تجاوبا إيجابيا مع حليف دولي وازن، لعب دورًا حاسما في تصويت مجلس الأمن في أكتوبر 2025 على القرار رقم 2797، الذي أقرّ اعتماد مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب سنة 2007 كأساس للتفاوض، وهو ما يُعد مكسبا دبلوماسيا مهما للرباط، إلا أن المغرب أصبح معنيا بشكل مباشر بتوجهات «مجلس السلام»، خاصة في ظل التوسع المتسارع في ميثاقه وصلاحياته. فالمجلس لم يعد يقدم نفسه كآلية ظرفية مرتبطة فقط بتثبيت وقف إطلاق النار في غزة كمدخل لإنهاء الحرب والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل كإطار ذي طموح عالمي يتدخل في نزاعات دولية قائمة، ويعيد صياغة مفاهيم السلم والأمن خارج المرجعيات التقليدية للأمم المتحدة. تصبح هذه التساؤلات أكثر إلحاحًا بالنظر إلى موقف الإدارة الأمريكية من الأممالمتحدة، إذ لا تخفي تشكيكها في جدوى عملها وأدوارها متعددة الأطراف، حيث اعتبرت المنظمة جهازًا بيروقراطيًا مكلفًا ويقيد المصالح الأمريكية بدل أن يخدمها. ولا يتوانى الرئيس ترامب في انتقاد المنظمة علنًا في كل مناسبة، وصولًا إلى الانسحاب وإيقاف الدعم المالي الأمريكي الموجه لعدد من مؤسساتها، كان آخرها إعلان البيت الأبيض في 7 يناير عن الانسحاب من 66 هيئة دولية تشمل هيئات تابعة للأمم المتحدة، بدعوى أنها لا تخدم المصالح الأمريكية. ورغم إعلان إنشاء «مجلس السلام»، حرص الرئيس ترامب على تقديم تطمينات حول استمرار التعاون مع الأممالمتحدة، وهو خطاب مزدوج يثير تساؤلات حول مدى جديته: هل يعكس هذا قناعة راسخة بالدور الأممي، أم أنه جزء من استراتيجية لكسب دعم دولي للمجلس، ولا سيما الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن؟ ينعكس هذا الإشكال مباشرة على قضية الصحراء المغربية، التي لا تزال الأممالمتحدة تعتبرها نزاعًا سياسيًا يتطلب مسارًا تفاوضيًا وفق القانون الدولي. وقد نص القرار الأممي رقم 2797 على ضرورة إطلاق المفاوضات، وأكد المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان دي ميستورا، أهمية الشروع فيها بسرعة، بالتوازي مع تقديم المغرب لمقترح محدث لمبادرة الحكم الذاتي. وكان كل من مبعوث الإدارة الأمريكية للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، ومستشارها مسعد بولس، قد أشارا في تصريحاتهما الإعلامية بعد القرار إلى سعي واشنطن لتقريب وجهات النظر بين المغرب والجزائر خلال 60 يومًا. انطلاقًا من ذلك، كان من المتوقع أن تنصب جهود المغرب على استثمار هذا التقدم الدبلوماسي والدعم الأمريكي لتعزيز التأييد الدولي للمبادرة، مع الدفع المتوازي لمسار المفاوضات مع الجزائر وجبهة البوليساريو، من خلال نسخة محدثة ومفصلة من مقترح الحكم الذاتي، تمهد لتوافق دولي واسع يترجم في نهاية المطاف إلى قرار مؤسسي داخل الأممالمتحدة، ينهي نزاعًا دام أكثر من خمسين عامًا ويكرس الوحدة الترابية للمملكة. غير أنه لوحظ، في المقابل، نوع من الفتور في هذا الاتجاه، لا سيما في ظل غياب أي معطيات رسمية حول انطلاق المفاوضات أو إحراز تقدم ملموس فيها. كما لم تكشف الرباط، حتى الآن، عن مستوى جاهزية التصور المغربي، سواء أمام الأحزاب السياسية التي سبق أن طُلب منها تقديم مقترحات في هذا الشأن، أو أمام البرلمان والرأي العام، وهو ما يطرح علامات استفهام حول إيقاع المرحلة الحالية. وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال محوري لا يمكن تجاهله: هل يعكس تأجيل المفاوضات توجهًا نحو إعادة ترتيب مقاربة معالجة الملف، بما يشمل إبطاء المسار الأممي التقليدي، وربما انتظار إدراجه ضمن إطار «مجلس السلام»؟ وإذا كان هذا الاحتمال قائمًا، فإنه يثير إشكالات قانونية ومؤسساتية، بالنظر إلى أن الأممالمتحدة، وفق ميثاقها وقرارات جمعيتها العامة ومجلس الأمن، تظل المرجعية الشرعية الأساسية لتسوية النزاعات الإقليمية. ومن ثمّ، يظل التساؤل مطروحًا حول ما إذا كان إدراج قضية الصحراء ضمن أجندة هذا المجلس يمكن أن يُفهم كمسار مكمل للجهود الأممية، أم كآلية موازية قد تثير تحديات تتعلق بالشرعية الدولية وبمنطق التنسيق متعدد الأطراف، بما قد يؤثر في دينامية البحث عن حل سياسي توافقي، وهو ما يستدعي قدرًا عاليًا من الحذر في التعاطي مع هذا المسار. في هذا الإطار، يبرز احتمال لجوء الرئيس ترامب، انسجامًا مع أسلوبه المعروف في اتخاذ قرارات حاسمة وغير تقليدية، إلى دفع مقاربات جذرية، من بينها تشجيع تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، من قبل وزارة الخارجية الأمريكية أو الكونغرس. ويستند هذا السيناريو إلى مشروع القانون رقم HR 4119 الذي قدمه النائب الجمهوري جو ويلسون بدعم من نواب من الحزبين، والذي من شأنه تقييد تحركات الجبهة، والحد من أنشطتها، ودفع عدد من الدول المتعاونة مع الولاياتالمتحدة إلى إعادة تقييم علاقاتها معها. غير أن هذا الخيار، رغم ما قد يوحي به من مكاسب سياسية آنية للمغرب، يظل محفوفًا بتداعيات قانونية وإنسانية وسياسية معقدة، وقد يضع الرباط أمام تحديات داخلية وخارجية دقيقة، ما يفرض مقاربة حذرة في تقدير كلفته الاستراتيجية على المدى المتوسط والبعيد. أما بالنسبة للجزائر، التي لم تنضم إلى «مجلس السلام» حتى الآن باعتبارها طرفًا أساسيًا في النزاع إلى جانب جبهة البوليساريو، فقد ترى في هذا التحول فرصة لإعادة خلط الأوراق من خلال التشكيك في شرعية الإطار الجديد واعتباره التفافًا على الآليات الأممية التقليدية، بما يسمح بإضعاف المكاسب السياسية والدبلوماسية التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل، قد ترى الجزائر في هذا التوجه نهجًا يقوم على فرض الأمر الواقع، وهو ما قد يدفعها إلى تشديد موقفها التفاوضي وتعزيز دعمها للجبهة في مواجهة أي مقاربة تُدار خارج مظلة الأممالمتحدة، مما يزيد من تعقيد المسار. ويؤدي ذلك برمته إلى تساؤل مركزي حول قدرة المجلس على فتح أفق جديد لتسوية النزاع، مقابل احتمال إدخاله الملف في مزيد من التعقيد والجمود. فالتصنيف الأمريكي المحتمل لا يلغي، من حيث المبدأ، حماية القانون الإنساني الدولي للمقاتلين أو المدنيين، ولا يغير تلقائيًا الوضع القانوني الرسمي لجبهة البوليساريو في إطار القانون الدولي. غير أنه قد يؤثر عمليًا في سلوك الدول والفاعلين الدوليين. فقد تحجم بعض الدول عن الانخراط دبلوماسيًا مع ممثلي الجبهة خشية المساءلة أو العقوبات، كما قد تواجه المنظمات غير الحكومية والهيئات الإنسانية صعوبات قانونية وتشغيلية في تقديم المساعدات، في ظل تجريم ما يُعرف ب«الدعم المادي» دون استثناءات إنسانية واضحة، وهو ما سينعكس مباشرة على أوضاع مخيمات تندوف. كما يؤدي إلى تشديد الرقابة المالية والقانونية وفق معايير مكافحة تمويل الإرهاب، مع احتمال فرض عقوبات ثانوية، ويزيد الضغط على الجزائر. في حين قد يعزز الخطاب الأمني من الحضور الدبلوماسي المغربي عبر ربط إنهاء النزاع بمتطلبات الاستقرار الإقليمي، بما يحول جزئيًا النقاش الدولي من منطق تسوية سياسية إلى مقاربة أمنية، دون أن يغير ذلك رسميًا من موقف الأممالمتحدة التي لا تزال تعتبر القضية نزاعًا سياسيًا يتطلب حلًا تفاوضيًا وفق القانون الدولي. في المحصلة، يظل أي قرار من هذا النوع محكومًا بإكراهات استراتيجية واسعة، أبرزها العلاقة الحيوية للولايات المتحدةبالجزائر، خصوصًا في أمن الطاقة الأوروبي ودورها الأمني في الساحل والصحراء، في مقابل دور المغرب كحليف استراتيجي متقدم خارج الناتو وعلى عدة مستويات، بما يشمل التدريبات العسكرية المشتركة، والتعاون الاستخباراتي والأمني، والشراكات في الأمن البحري والطاقة المتجددة، والمشاريع الاقتصادية. ويجعل كل ذلك من تبني خطوة أحادية مثل تصنيف البوليساريو خيارًا دبلوماسيًا شديد التعقيد، مع انعكاسات محتملة على الاستقرار الداخلي ومسار التنمية في الأقاليم الجنوبية، ما قد يحول هذه الخيارات إلى عوامل إضافية لإدامة التوتر والجمود في مسار إنهاء قضية الصحراء تحت السيادة المغربية. في إطار هذه السيناريوهات، يبرز سؤال آخر ملح: كيف سيوازن المغرب بين الانخراط في «مجلس السلام» والحفاظ على شبكة علاقاته الدبلوماسية الاستراتيجية الأخرى مع حلفائه الكبار داخل الأممالمتحدة مثل فرنسا وبريطانيا، في حال اتخذ المجلس قرارات لا تحظى بإجماع دولي؟ فعدد من هذه الدول لم تعلن حتى الآن عن مشاركتها في المجلس، بل بدأت تتبنى مواقف متحفظة أو رافضة لسياسات الإدارة الأمريكية على المستوى الدولي. وقد ظهر ذلك جليًا في منتدى دافوس الأسبوع الماضي بشأن نية الرئيس ترامب ضم جزيرة غرينلاند إلى الولاياتالمتحدة، حيث قوبلت برفض أوروبي واسع شمل الاتحاد الأوروبي ودولًا رئيسية داخله على رأسها فرنسا، التي اعتبرت التوجه فرضًا للأمر بالقوة ومساسًا بالسيادة الوطنية ومبدأ احترام القانون الدولي. ويعكس هذا المثال حجم الفجوة بين الرؤية الأحادية للإدارة الأمريكية ومواقف الحلفاء التقليديين، ما يضع المغرب أمام معادلة دقيقة: كيف يوازن بين الانخراط في إطار دولي جديد تقوده الولاياتالمتحدة، مع الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع شركاء أوروبيين أساسيين قد يرون في «مجلس السلام» امتدادًا لسياسات أمريكية آنية لكنها تصادمية قد تهدد التعددية والاستقرار الدولي؟ في هذه المرحلة الحاسمة لمسار قضية الصحراء المغربية، وبعد نجاح المغرب في إقناع المجتمع الدولي بجدية مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وعملي توج بالقرار الأممي رقم 2797، يُنتظر من الولاياتالمتحدة دور فاعل وحاسم يتجاوز منطق الدعم الثنائي ليشمل تعبئة المجتمع الدولي داخل الأممالمتحدة نحو توافق ينهي النزاع ويعيد الصحراء إلى وضعية منطقة غير متنازع عليها، بما يتيح للمغرب استكمال مساره التنموي والسيادي ضمن إطار قانوني مستقر. ويضاف إلى ذلك أن الموقف الأمريكي الداعم للمغرب ارتبط بسياق سياسي أوسع، من ضمنه دخول المملكة في اتفاق أبراهام سنة 2020، وهو ما كانت له انعكاسات واضحة على المشهدين السياسي والاجتماعي داخليًا. ويبقى السؤال الجوهري المطروح اليوم: هل ستواصل الولاياتالمتحدةالأمريكية دعمها لقضية الصحراء عبر آليات الشرعية الدولية والأممالمتحدة، أم ستدفع نحو مقاربات موازية، ك«مجلس السلام»، تفتقر إلى الأسس القانونية والمؤسساتية التي يفرضها النظام الدولي متعدد الأطراف؟