هيغل وسبينوزا: من الانفعال الآني إلى الوعي التاريخي يُعدّ سؤال العواطف أحد المفاتيح الأساسية لفهم السياسة والتاريخ، غير أن الإشكال الفلسفي لا يكمن في الإقرار بدورها في تحريك الأفراد والجماعات، بل في تحديد موقعها الصحيح داخل الفعل السياسي والحكم التاريخي. فالتاريخ لا يُفهم، ولا تُستخلص دروسه، ولا تُبنى السياسات انطلاقًا من الانفعالات الآنية وردود الفعل العاطفية، بل من خلال تفكير عقلاني عميق قادر على استيعاب هذه العواطف، وتجاوزها، وإدراجها داخل أفق كلي للمعنى. وفي هذا السياق، يلتقي كل من هيغل وسبينوزا حول فكرة مركزية مفادها أن العواطف مادة التاريخ، لكن العقل وحده هو مبدأ فهمه وتوجيه نتائجه. العواطف كمادة أولى للتاريخ: التاريخ في ذاته عند هيغل ينطلق هيغل، في كتابه العقل في التاريخ: مقدمة في دروس فلسفة التاريخ ، من أطروحة أساسية مفادها أن تاريخ العالم هو تاريخ التقدم في الوعي بالحرية. غير أن هذا التقدم لا يظهر، في بداياته، بوصفه وعيًا عقلانيًا صريحًا، بل يتجلى أولًا في شكل أفعال بشرية تحرّكها العواطف، والميولات، والمصالح الخاصة. في هذه المرحلة، يكون التاريخ تاريخًا في ذاته (en soi)، أي مسارًا موضوعيًا تتحقق فيه غايات كبرى دون أن يعي الفاعلون التاريخيون المعنى الكلي لأفعالهم. في هذا المستوى، تتحكم العواطف في مسار الأحداث: الطموح، وحب السلطة، والخوف، والأنانية، والسعي إلى المجد. وهذه القوى الانفعالية، من حيث هي كذلك، لا تعترف بأي حدّ أخلاقي، وقد تؤدي إلى العنف والخراب وسقوط الإمبراطوريات. غير أن هيغل يحذّر من الوقوف عند هذا المنظور الانفعالي للتاريخ، لأن الاكتفاء به لا ينتج سوى الحزن على زوال الماضي أو الإدانة الأخلاقية للأحداث، دون فهم منطقها العميق. من الانفعال إلى الفهم: التاريخ من أجل ذاته إذا كان التاريخ، في مرحلته الأولى، يتحقق عبر العواطف دون وعي بذاته، فإن المرحلة الثانية هي مرحلة التاريخ من أجل ذاته (pour soi)، أي لحظة الوعي بالتاريخ. هنا لا يعود الإنسان مندمجًا اندماجًا أعمى في مجرى الأحداث، بل يبدأ في التفكير فيها، وتأويلها، ومحاولة فهم قوانينها. في هذه اللحظة، لا تُلغى العواطف، لكنها تتحول إلى موضوع للفهم. فالعقل لا يحاكم التاريخ انطلاقًا من الانفعال الآني، ولا يبني سياسات على الخوف أو الغضب أو الحماس اللحظي، بل يسعى إلى إدراك كيف ولماذا اشتغلت هذه العواطف، وما النتائج التي أفضت إليها. بهذا المعنى، يصبح التفكير التاريخي شرطًا أساسيًا لاستخلاص الدروس، بدل الانجرار وراء ردود الفعل العاطفية التي تعيد إنتاج الأخطاء نفسها. العقل بوصفه مبدأ المصالحة: التاريخ في ذاته ومن أجل ذاته يبلغ التاريخ، عند هيغل، ذروته حين يصبح في ذاته ومن أجل ذاته (en soi et pour soi)، أي حين يتصالح المسار الموضوعي للتاريخ مع الوعي العقلاني به. في هذه المرحلة، لا يُنظر إلى العواطف بوصفها قوى عمياء يجب القضاء عليها، ولا بوصفها مبدأً للحكم، بل باعتبارها عناصر يجب إدماجها داخل الكل العقلاني للدولة. هنا تبرز الدولة، في نظر هيغل، بوصفها مجال تحقق الحرية الأخلاقية الفعلية، حيث تتحد لحظة الفكرة (Idée) مع لحظة الرغبات والميولات الإنسانية. فالرغبات الفردية ليست موضع ذمّ أخلاقي، لكنها لا يمكن أن تكون أساس السياسة. السياسة العقلانية هي التي تنجح في تجاوز الطابع الانفعالي للمصالح الخاصة، دون إنكارها، ودمجها داخل المصلحة الكونية. عندئذ فقط يمكن القول إن العقل يحكم التاريخ. سبينوزا: من وهم السياسة الانفعالية إلى العقل العملي يقدّم سبينوزا، في كتابه رسالة في السلطة السياسية ، تحليلًا يكمّل المنظور الهيغلي من زاوية واقعية صارمة. فهو ينطلق من رفض بناء السياسة على نموذج أخلاقي مثالي، ويؤكد أن الإنسان كائن تحكمه الانفعالات قبل أن يهتدي بالعقل. غير أن هذا الإقرار لا يعني، عند سبينوزا، شرعنة الحكم بالانفعالات، بل بالعكس: فضح وهم السياسة التي تنبني على العاطفة الآنية. يرى سبينوزا أن الخوف، رغم قدرته على فرض الطاعة، يظل أساسًا هشًّا للسلطة. والسياسة التي تُبنى على الخوف أو الحماس أو الكراهية تنتج استقرارًا زائفًا، لأنها لا تخلق مواطنين عقلانيين، بل رعايا منقادين. لذلك يؤكد أن غاية الدولة ليست استثمار الانفعالات السلبية، بل تنظيمها وتجاوزها عبر العقل، من خلال إنتاج الشعور بالأمن والاستقرار. العقل، هنا، لا يقضي على الانفعالات، لكنه يمنعها من التحول إلى أساس للحكم أو لاتخاذ القرار السياسي. فالدولة الحكيمة هي التي تمنع الانفعال الآني من أن يتحول إلى سياسة دائمة، وتجعل من التفكير الهادئ واستخلاص الدروس شرطًا لكل فعل سياسي. يلتقي هيغل وسبينوزا في نقدهما الضمني للسياسات التي تُبنى على ردود الفعل العاطفية. فالتاريخ يبيّن أن القرارات التي تُتخذ تحت ضغط الخوف أو الغضب أو الحماس غالبًا ما تكون قصيرة النظر، وتعيد إنتاج العنف بدل تجاوزه. ولهذا فإن استخلاص العبر من التاريخ يقتضي الارتقاء من مستوى الانفعال إلى مستوى العقل، ومن التفاعل الآني مع الحدث إلى فهم بنيته ومساره. إن التفكير التاريخي، بهذا المعنى، ليس تبريرًا للماضي ولا تمجيدًا له، بل فعل نقدي عقلاني يسمح بفهم كيف اشتغلت العواطف في سياق معين، ولماذا أدت إلى نتائج محددة، وما الشروط التي تجعل تجاوزها ممكنًا في الحاضر والمستقبل. يتضح، في ضوء هيغل وسبينوزا، أن العواطف والانفعالات تشكّل القوة المحركة للتاريخ والسياسة، لكنها لا يمكن أن تكون أساسًا للحكم أو لاستخلاص الخلاصات السياسية. فالتاريخ، في مراحله المختلفة، يعلّمنا أن الانفعال هو نقطة البداية، لا نقطة الوصول. أما العقل، فهو وحده القادر على تحويل التجربة التاريخية إلى وعي، والحدث إلى درس، والفعل إلى سياسة رشيدة. ومن ثم، فإن السياسة التي تتجاهل هذا الدرس، وتبني قراراتها على العواطف الآنية، تظل أسيرة التاريخ في ذاته، دون أن ترتقي إلى التاريخ من أجل ذاته، فضلًا عن أن تحقق المصالحة العقلانية التي تجعل التاريخ في ذاته ومن أجل ذاته.