بنشعبون يطبع مع لوبي العقار    تهديد أمريكي جديد للسعودية على خلفية مقتل خاشقجي وحرب اليمن    كنت في تونس الجديدة عندما أشعل نجل الرئيس فتيل أزمة بين القائد السبسي والشاهد .. 9    الجمعةُ الأخطرُ والتحدي الأكبرُ في غزةَ    إسلاميو الجزائر يردون على دعوة “البيجيدي” بشأن مبادرة الملك    البنزرتي يصل البيضاء تمهيدا لتعاقده مع الوداد    بنعطية: لا محيد عن الفوز ضد الكاميرون لتجنب اللقاء الحاسم ضد المالاوي    الكزاز حكما لنهائي “كأس العرش”    حجز نصف طن من الكيف واعتقال متورطين في تجارة المخدرات.. بمراكش    الداخلية تصحح “أخطاء” المبادرة    بعد دفع 340 ألف دولار.. طارق رمضان خارج السجن    «تنقيل» طبيبة يثير غضب الأطر الصحية بخنيفرة    الغرفة الوطنية لمنتجي الأفلام تقاطع اليوم الوطني للسينما    المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، دورة 2018: «ورشات الأطلس» منصة مهنية جديدة للإبداع والتبادل من 2 إلى 5 دجنبر    “تمازيغت” قادرة على المنافسة    بيبول: “إبداعات بلادي” تكرم فنانين    إعطاء الانطلاقة الرسمية لعملية “رعاية” لفائدة ساكنة المناطق المتضررة من البرد    12 حافلة للنقل المدرسي لمواجهة الهدر المدرسي بإقليم النواصر    أكثر من 600 مفقودا جراء الحرائق في كاليفورنيا.. وترامب يزور الولاية    هكذا وصفت أمريكا ماهر مطرب قاتل خاشقجي    اعمارة.. خط القطار فائق السرعة سيعطي زخما كبيرا للاقتصاد الوطني    رقم وحدث 200    الولايات المتحدة تدرس طلبات تركيا لتسليم غولن    المغرب-فرنسا: إرادة مشتركة لتعزيز التعاون في المجال الأمني والهجرة    ملتقيات «شباب الوردة» الجهوية المرحلة الأولى في مشروع «انفتاح»    عودة جلالة المغفور له محمد الخامس من المنفى شكلت نصرا مبينا وحدثا تاريخيا حاسما    رونار يفسر أسباب عودة بنعطية بمباراة “الأسود الغير مروضة”    صلاة الغائب على خاشقجي اليوم بالمسجدين الحرام والنبوي    احتفاء بالشاعر السوري نوري الجراح في المغرب شاعر العود إدريس الملومي يحيي حفلا فنيا كبيرا في تطوان    قضية خاشقجي.. عرض لشراء القنصلية السعودية في اسطنبول “بأي ثمن” وتحويلها إلى متحف!    بسبب إضراب تقنيي الصيانة.. طائرات الجزائر تقلع دون مراقبة!    OCP تتوج بهده الجائزة ببكين    فالنسيا.. اجتماع مجموعة الاتفاق الرباعي للنيابات العامة المتخصصة في مكافحة الإرهاب    طقس الجمعة: زخات رعدية ودرجات حرارة تتراوح بين 4 و28    طلاق الفنانات المغربيات…حكايات فشل عاطفي يحجبه توهج فني    ناضت فالبرلمان بسباب غياب الوزرا: الاستقلاليون نساحبو من مناقشة قانون المالية    الوالي السيد .. "تحرري" خانه حماسه فوجه فوهة بندقيته إلى وطنه    البوسنة تصعد للقسم الأول بدوري الأمم الأوروبية    قطر تحدث ملتقى وجائزة خاصين بالدراما العربية    القروض العقارية.. تراجع أسعار الفائدة إلى 5,34 %    منح للمستثمرين تصل إلى 4000 درهم عن كل منصب شغل يخلقونه في الشرق    فيدرير يتأهل لنصف نهائي البطولة الختامية للتنس    مديرية العرائش تنظم البطولة الإقليمية للعدو الريفي المدرسي+ صور وفيديو    إسبانيا تسقط على أرض كرواتيا بهدف في الوقت القاتل    الجزائر تستنجد برعاياها في الخارج لإنقاذ صندوق المعاشات من الإفلاس    بنشماش: ظهير الحريات قاصر عن استيعاب أشكال التعبيرات الجديدة تم إصداره سنة 1958    ياسمينة خضرا: الإنسان قادر على ممارسة التعذيب والقتل رغم إنسانيته»    الهيئة الاستشارية للشباب بمجلس الجهة تشارك في يوم دراسي حول برنامج التنمية الجهوية    الرسول الأعظم (ﷺ) إكسير حياة الإنسان في الزمن المطلق    مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، المَبْعوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.    مرض السكري يتفشى بين المغاربة وأخصائي يوضح بخصوص أعراض المرض وطرق الوقاية والعلاج    تقرير.. أكثر من 400 مليون مصاب بداء السكري حول العالم    مغاربة العالم يستنكرون تخاريف الخرجة المذلة للبشير السكيرج …    الغندور: الأكل لا يزيد الوزن    دراسة: العلماء يتوصلون لفائدة غير متوقعة للشاي    هذه 9 علامات تشير إلى أنك مصاب بعدى الكلي    ﺍﻟﻌﻄﺮﻱ: ﻻ ﺣﻖ ﻟﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻨﻜﺎﺭ ﻣﺎ ﺻﺪﺭ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ ﻳﺎﻓﻌﻴﻨﺎ هذا ما ﺯﺭﻋﻨﺎﻩ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺭﺷﻴﺪ ﺷﻮ ﻭﺳﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺤﻴﻢ    التجارة بالدين تستفحل من جديد مقال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





البعد الشطاري في رواية «وكالة عطية» لخيري شلبي

يعتبر البعد الشطاري واحدا من أهم العناصر البارزة في هذه الرواية الصادرة عن دار شرقيات سنة 1992، إذ أن أغلب شخصياتها شطارية، محتالة وهزلية لا تعير أدنى اهتمام للقيم السائدة.
ومن المعروف أن هذا النوع من الأدب كان قد انتعش في إسبانيا في أواخر القرن 16، وهو أدب يرصد حياة الفئات المهمشة في المجتمع، تلك الفئات التي تعيش على السرقة والتسول والنصب والاحتيال وغيرها. فكلمة «البيكارو» تعني المهمش أو المغامر، وهو نموذج لشخصية خليعة وشيطانية وهزلية، تحيى حياة غير هنية.
كما أن الثقافة العربية هي الأخرى عرفت هذا النوع من الأدب من خلال فن المقامات، فبطل المقامة في الغالب شخصية ذكية ومحتالة ومولعة بالارتحال، وهذه هي أهم صفات الشخصية الشطارية. وقد انفتح خيري شلبي على هذا التراث وأضفى على شخصياته هذه الأبعاد الشطارية. إذ أن أغلب شخصيات الوكالة ليس لها شغل قار، بل هي في بحث دائم عن لقمة العيش التي تحصل عليها في الغالب، عن طريق الحيلة أو السرقة أو التسول أو غيرها. فسيد زناتي مثلا لا شغل له إلا إنتاج أفكار تدر على منفذيها أرباحا هامة «وهكذا يطلع النهار على سيد زناتي وهو في مطرحه هذا كملك الملوك في حضنه سنيورة تسقيه شهد المحبة ويروي ظمأها بالحنان والفتوة. فما تكاد الشمس تبعث رسلها إلى فناء الوكالة مارة على سيد زناتي في قعدته هذه من خصاص الشباك المطل على الشارع ؛ حتى يكون جميع نسوانه قد صحون واغتسلن وتزين على سنجة عشرة، تحولن إلى سيدات من أبناء البيوتات الكبيرة، تفوح منهن روائح عطر ثمين من صدروهن ومعاصمهن وأصابعهن وآذانهن. بعدها بقليل يهل الرجال بقية العدة، ما بين بك أوجه من جلالة الملك، أو أفندي من موظفي الحكومة، أو عمدة من علية القوم .. كل واحد من هؤلاء سيتسلم واحدة منهن ليسرح بها على باب الله ؛ لكل ثنائي خط معلوم وهيئة مرسومة بل وحوار محفوظ بل وخريطة للحركة مخطوطة، كل ذلك يبتكره ويخططه سيد زناتي بعبقرية فذة فيما هو جالس يسكر ويلهو ..» (الرواية ص 339).
فالسيد زناتي شأنه شأن أي شخصية شطارية يأنف من اتخاذ عمل منتظم لرزقه ويفضل الصعلكة واقتناص فرص الحب والغرام، كما يفضل الارتحال والكسل والعطالة وتحصيل المال بإعمال الحيلة واستعمال العقل وفصاحة اللسان وبلاغة البيان. فهو شاب في مقتبل العمر له أربع نساء يعيش في الوكالة كأمير. يحترمه سكان الوكالة نظرا لذكائه وفطنته. وقد أصبح مرجعا في عالم النصب والاحتيال واغتصاب المال بالحيلة والذكاء. وهو لم يعد يمارس هذه الأمور بنفسه، بل أصبح يلقن زبناءه الحرفة، ويتقاضى أجرا عن كل عملية ناجحة. ومن بين ما يلقنهم محاكاة شخصيات من علية القوم طرأ لها طارئ مباغت في حياتها، ودفعت بها الظروف إلى استجداء المعونة والمساعدة. فبقدر قدرة المحتال على محاكاة هذه الشخصيات التي يمثلها بقدر قدرته على إقناع ضحاياه وإحكام الشرك حولهم. يقول عبد الفتاح كيليطو في هذا الإطار : «إن الخصيصة الرئيسية لمحترف الكدية هي أن يتظاهر بمظهر شخص آخر، ويحاكي خصوصيات لهجية، ويخلق إيهاما، أي أن يتنكر ... إنه بعبارة أخرى حاكية»(1).
ومبدأ المحاكاة لدى المكدي أو الشاطر نجده قد تكرر أكثر من مرة في الرواية. فالسارد مثلا، عندما طلب منه أن يتقمص شخصية أصولي مبجل ومحترم تعرض لعملية سرقة بمعية زوجته. نجده قد تماهى مع هذه الشخصية إلى درجة أنه بدأ يذرف الدموع أمام ضحاياه كي لا يترك لهم أدنى شك في هويته.
إن ازدواج الهوية هي واحدة من أهم سمات شخصية الشاطر. تجده يدعي العفة والنبل والإخلاص لكنه في نفس الوقت يقوم بما يناقض هذه القيم. وهذه الازدواجية الفارقة في شخصية الشاطر نجدها مثلا عند وداد وسندس وسيد زناتي وزينهم العتريس وغيرها من شخصيات الوكالة. أما السارد فقد ظل بين بين. أي بين عالم الشطار المكديين وبين عالم غير الشطار.
لكن عوالم وحيوات وتجارب الشطار استهوته وفتنته لذلك كان يتلصص عليهم، ويعمل كل ما في وسعه كي يتقصى أخبارهم، بل كان يتقرب منهم كي يتعرف عليهم بشكل أكبر، يقول مثلا عن تلصصه على قطيطة : «متعتي الوحيدة الآن هي قطيطة، وكيف تسوي حياتها، كيف تخرج من منزلها صباح كل يوم كالموظفين لتؤدي عملها في مكان ما من المدينة لتعود عقب النهار كسبانة ربحانة ما تشتري به الرغيف وحزمة الفجل وقرص الطعمية» (الرواية، ص. 93). ويقول أيضا عن رغبته القوية في اكتشاف سر وداد الغازية : «... فيستبد بي الشوق لمعرفة ماذا يدور داخل هذه الشقة، لكنها تظهر من جديد في وسط السهرة قرب منتصف الليل، على ضوء فانوس شاحب ...» (الرواية، ص. 186).
لقد ظل الشغل الشاغل للسارد هو التعرف أكثر على عوالم سكان الوكالة وظروف عيشهم وطرق تحصيلهم للمال «شعرت برغبة عظيمة في الانغماس فيها حتى النخاع. إن الأسطورة التي كان من المفترض أنها تمنعني عن الوكالة وتكرهني فيها، هي التي تكرهني عليها، تغريني بالدخول فيها، بل إنها لتزرعني فيها زرعا، بكل ما في السحر من قوة، وبكل ما بنفسي من استجابة ورغبة في الرؤية والكشف والممارسة» (الرواية، ص. 16). ولعل عدم اندماج السارد في عالم الوكالة واكتفائه بمجرد شاهد عما يجري داخلها هو الذي لم يؤهله كي يصير شاطرا ومكديا كسكانها، وهذا هو ما يبرر الإبقاء عليه في السجن لوحده في آخر الرواية وإطلاق سراح الآخرين. فحتى عندما شارك في عملية نصب ناجحة من ابتكار بنات أفكار السيد زناتي فهو لم يستطع أن يصير شاطرا محترفا. لأن بلوغ مصاف الشطار والمحترفين كان يتطلب منه الكثير من الاستعداد والتجربة.
كان السيد زناتي يقول له باستمرار : «إن شغلنا صعب لا يقدر عليه أي أحد المسألة ليست مسألة تعليم أو مدارس !! إنها توفيق من الله !! أهم شيء في شغلتنا أن الإنسان منا يكون في وجهه القبول ! القبول أساسي في شغلتنا ! طالما في وجهك القبول من الأساس فإن الناس يصدقونك في كل ما تقول وتفعل حتى لو كنت كذابا أفاقا ! وحتى وهم يعرفون أنك تسرح بهم» (الرواية، ص. 341). ويقول أيضا : «شغلتنا شغلة كلام منسق وتمثيل أحلى إن كنت عدم المؤاخذة موهوبا في هاتين الناحيتين فإن مستقبلك معنا عسل وفسطة ! فما هي مواهبك ؟ !» (الرواية، ص. 341). يقول الكاتب عيسى الدودي في تعريفه لمفهوم شخصية الشاطر : «ومن ناحية التعريف فمن أقدم الكلمات التي لها علاقة بهذا الاسم Picaresque، كلمة Pica اللاتينية التي تعني الرمح. ومنها جاء الفعل Pica في الإسبانية الذي يعني وخز، لسع، لدغ، نقر، ثقب، وغيرها من المعاني التي تدل على التصرف العنيف الذي يحدث الألم كما تفعل الأفاعي أو العقارب أو النحل ... عندما تغرز الطرف الذي تخرجه الذي يسمى بالإسبانية «Pico» في من ترغب إيذاءه. وليس غريبا أن تكون تصرفات البكارو Picaro وهو بطل الرواية البيكاريسكية، ضمن هذه المعاني الدالة على الإيذاء وإلحاق الضرر، فهو صعلوك وشخاذ وغشاش ومخادع ويجنح إلى المكر والحيلة والدهاء في سلوكاته وتصرفاته التي تؤذي الآخرين»(2).
فإذا ما استعدنا بعض المحكيات المجسدة لفكرة النصب والاحتيال في هذه الرواية، فسوف نجدها تتوافق بشكل كبير مع روح وفلسفة الأدب الشطاري سواء منه القديم أو الحديث، فحكاية سندس مثلا التي استطاعت أن تنفذ إلى أسرة محمد أفندي حسن وأن تداوم على زيارتهم مقنعة جميع أفرادها بأنها عرافة وأن بإمكانها جلب السعد لهم، كما أن بإمكانها إرجاع زوج صفية الذي تركها وتزوج من أخرى. إن القيام بهذا الدور على أحسن وجه دون أن يصدر عنها أدنى خطأ يثير الشكوك حولها هو أمر يتطلب الكثير من الفطنة وسرعة البديهة ورباطة الجأش. وعندما تأكدت سندس بأن أسرة محمد أفندي أصبحت بكاملها طوع بنانها، انتقلت إلى الخطوة الموالية والحاسمة وهي سرقة كل ما تملكه هذه الأسرة من مجوهرات وذهب بعد أن أقنعتهم أن ما يعيشون فيه من مشاكل وهموم هو بسبب النحس الموجود في الذهب. كما أقنعتهم أن بإمكانها إزالة هذا النحس «العمل اسمه مشاهرة الذهب ! شرط العمل السحري أن يتم في حجرة مظلمة ! تقول هذه الغجرية إن في هذا الذهب سرا خطيرا لمن فهم حقيقته ! (...) الولية الغجرية كلفت البنتين بتحضير إبريق من المياه سقط عليه الندى وتضيف هي إليه أشياء من عندها ...» (الرواية، ص. 244). غير أن سندس قبل أن تقدم على هذه الخطوة كانت قد تعرفت جيدا عما يمتلكونه من ذهب واشترت مثله من المجوهرات المزيفة. وهكذا تمكنت من استبدال الذهب الحقيقي بالذهب الزائف.
إن النجاح في هذه المهمة يتطلب مهارة كبيرة واستعدادا كثيرا. ولعل من بين ما يتطلبه النجاح في مثل هذه المهام هو فصاحة اللسان وسحر الكلام وكذا قدرتها على محاكاة دور المرأة الصادقة المخلصة والمتألمة لحال هذه الأسرة والراغبة في تقديم مساعدة لأفرادها الذين ظلمتهم الظروف. يقول عبد الفتاح كليطو : «يوجد فارق بين الحاكية والمكدي، الأول يمارس لعبة ولا يخفي مطلقا أنها لعبة يؤديها في تلك اللحظة. ولا يخلط الحاضرون بينه وبين الدور الذي ينجزه، وتكمن أهمية المشهد في شفافية الازدواج. أما الثاني فإنه على العكس من ذلك يختار التخفي الصفيق الذي لا يمكن اختراقه، ويحتاط أن يستشعر أحد أنه غير مندمج كليا في المظهر الذي يتظاهر به»(3).
واللافت للنظر في مغامرات الشطار أنهم يخرجون من أية ورطة سالمين إلا فيما ندر من الحالات. فسندس عندما تعقبها أفراد أسرة محمد أفندي وفتشوها لم يجدوا معها أي شيء لأنها تخلصت من الذهب مباشرة بعد خروجها من المنزل، إذ سلمته لرمضان عريجة الذي كان في انتظارها. وحتى عندما أخذوها إلى الشرطة تم إطلاق سراحها في الحين لأنهم لم يجدوا معها أي شيء من شأنه إدانتها.
وبناء على هذه النماذج من الشخصيات يمكن اعتبار شخصية الشاطر في الرواية بطلا مضادا للبطل التقليدي. فإذا كان هذا الأخير كما حدده لوكاتش هو بطل إشكالي يحمل قيم أصيلة في مجتمع منحط، فإن الشاطر مخلوق بئيس، شرير، قذر، سكير .. شحاذ ولا ضمير له. إنه نموذج آخر من الشخصيات مختلف عن الشخصيات التقليدية التي تعودنا على مصادفتها في النصوص الروائية.
وقد اعتمدت «وكالة عطية» من حيث السرد على ضمير المتكلم شأنها شأن كل النصوص الشطارية حيث يكون البطل هو الراوية الحامل لراية المنبوذين الذين ينتسب إليهم سواء من حيث انتمائه الطبقي أو من حيث مواصفاته أو غيرها. فرغم أن بطل الرواية هو شاب متعلم ومختلف نسبيا عن شخصيات الوكالة، إلا أنه يتوفر على العديد من المواصفات التي تدنيه وتقربه منهم. غير أنه لم يستطع أن يصير واحدا منهم كما سلفت الإشارة إلى ذلك. أما المعجم اللغوي المهيمن على النص في متح من الواقع ومن قواميس الصعاليك والشطار، ومن لغة الشارع بما تطفح به من بذاءة وعهر وسوقية وغيرها.
وتزداد هذه اللغة بذاءة بشكل خاص في جلسات الخمر والحشيش والمخدرات، وهي كثيرة جدا في الرواية «رشقته صبيحة بنظرة جانبية تطفح بالأنوثة السافرة الخشنة، الماجنة، في طيبة ممزوجة بشقاوة تاريخية :
«مساء الفل يا روح مامتك أنت ياصغنن يا شقي!«.
ثم قهقهت كأعتى الحشاشين الرجال مصعرة خدها نحوي منخرطة في القهقهة يتقلص كل شيء في وجهها؛ أمسكت بالمبسم مسكة حريف قراري، راحت تشد الأنفاس على مهل شديد، حتى إذا ما سحبت السحبة الأخيرة فطنت إلى المغزى الجنسي الذي رسمته هي بإيقاع السحب وطقطقة النار وصوت بقللة المياه في النارجيلة» (الرواية، ص. 138).
إن لغة الشطار في النص هي لغة تهتكية لا تقيم أدنى اعتبار للمواضعات الاجتماعية أو الأخلاقية المتعارف عليها. وهي لغة تقوم على التلميحات الجنسية البذيئة أحيانا، وعلى التوظيف المتهتك والسوقي للمعجم الديني أحيانا أخرى. إنها لغة لا تعترف بما يسمى بالوقار أو الحياء العام أو غيرها من الأشياء التي تميز مختلف أشكال التواصل الرسمية.
أما التيمات المرتبطة بعالم الشطار فإنها لا تخرج عن النصب والاحتيال والجنس والحشيش والدعارة والمغامرات العبثية المجونية وغيرها. إنها تيمات تكشف عن نزعة التمرد اللاواعي على الأعراف والقوانين وغيرها. فحتى كتابة بعض عقود الزواج أو نسخها لا يتم فيها اللجوء إلى الجهات الرسمية المخولة لهذا الأمر، بل إن السارد هو الذي كان يكتب هذه العقود أو يقوم بفسخها. مما يبين أن عالم الشطار له قوانينه وأعرافه وتقاليده الخاصة به والتي لا تعير كبير اهتمام للقوانين والأعراف الرسمية، ومن بين الأمثلة الأخرى الدالة على هذا الشذوذ قبول وديدة فكرة الطلاق من بدر بن السعيد كي تتزوجه ابنتها لأنها تحبه. كما أن السيد زناتي بدوره تنازل عن زوجته جنونة لعشيقها بعد أن تأثر بقصته .. وغيرها من الأحداث والسلوكات التي تبدو غريبة بالمقاييس المتعارف عليها، ولكنها في عالم الشطار والمهمشين والصعاليك تبدو عادية ومألوفة.
وتتميز كذلك فئة الشطار بمجموعة من المواصفات؛ فإلى جانب الانتماء الاجتماعي إلى طبقة المهمشين والمنبوذين فإنهم يمارسون نوعا من البطولة خارج القانون، كأنهم في صراع دائم مع الآخر الذي لفظهم وهمشهم اجتماعيا. فيصير نجاح أية عملية احتيال ضد هذا الآخر وكأنه استرداد لحق من حقوقهم وإعادة الاعتبار لذواتهم. كما أن هذه الفئة من المجتمع تحظى بنوع من التعاطف والإعجاب من طرف العامة الذين يلتمسون لهم الأعذار ويشيدون بأفعالهم أحيانا.
كما يتميز الشاطر أيضا، بازدواج الشخصية، فهو إلى جانب كونه لئيما ونصابا وكذابا تجده حريصا على مظاهر الإيمان والتقوى كما هو الشأن مثلا بالنسبة لشخصية زينهم العتريس الذي يدعي أنه درويش ومريد لإحدى الزوايا الصوفية، ولكنه لا يتورع عن القيام بكل ما يمكن أن يوفر له لقمة العيش. ونفس الشيء بالنسب للسيد زناتي الذي يداوم على زيارة بعض الأضرحة ملتمسا منها العون والبركة، وهو في نفس الآن من عتاة محترفي النصب والاحتيال. إن خطورة الشاطر تكمن في كونه يمنح ضحيته الوهم بالاعتقاد بصدقه وإخلاصه وورعه. ولكنه في نفس الآن يضمر ويبيت له عكس ذلك. يقول عبد الفتاح كيليطو في هذا الصدد : «ينبغي أن لا نتناسى القرابة بين الحاكية والمكدي والقاص. كل هؤلاء الثلاثة، بوسائل مختلفة، يخلقون شكلا من الإيهام»(4).
لقد استطاع خيري شلبي، من خلال المحكي الشطاري الموظف في الرواية، أن يكشف عن تناقضات الواقع، وأن ينفذ إلى عمق أعماقه كي يشخص حيوات ومصائر فئات اجتماعية قلما يتم الالتفات إليها من طرف الرواية العربية. كما أن انفتاحه على عوالم «القراريين»، كما يسميهم، ساعده على الاقتراب من قضايا وموضوعات تمس في الجوهر المحرمات والطابوات المسكوت عنها ؛ إن الانطلاق من سيرة الشطار كأفق للتخييل عمل ينطوي على الكثير من الجرأة لأنها سيرة وجودية أبيقورية قوامها العبث واللذة والتحلل من كل المعايير القيمية المتوافق عليها.
إن قضية الشاطر الأساسية هي قضية بحث يومي عن قوته، لذلك تجده ينتزع هذا القوت ويستخلصه بجميع الطرق والأشكال. إنه شخص يعيش على حافة الخطر لكنه يستلذ بهذه الحياة وينتشي أكثر كلما توفق في عملية من عملياته الاحتيالية، إنه جواب آفاق لا يمتلك إلا ذكاءه يسخره في تحصيل رزقه ولو بالغش والكذب والسرقة وغيرها.
لقد انفتح خيري شلبي على المكون الشطاري في العديد من رواياته سواء منها «وكالة عطية» أو رواية «الشطار» أو رواية «موال البيات والنوم» وغيرها. الشيء الذي يبين أنه يتوفر على ذاكرة نصية ثرة في هذا المجال. كما يتضح أيضا أن الكاتب اختار طريقا آخر نحو الحداثة الروائية، وهو طريق التراث العربي القديم من خلال أدب الكدية أو من خلال الأدب الشفوي الشعبي. ولعل هذا الاختيار في الكتابة والتخييل يضعنا مباشرة أمام سؤال عريض كان قد شغل المبدعين والنقاد على حد سواء، وهو هل الحداثة تمر عبر التراث أم عبر الغرب ؟ ويبدو من خلال اطلاعنا على العديد من النصوص الروائية العربية أن هذا الإشكال هو واحد من الإشكالات الزائفة لتي شغلت النقد العربي. لأن قيمة وجودة العمل الأدبي لا تضمنها روافده النصية بقدر ما تضمنها موهبة وقدرة الكاتب على إنتاج نص له فرادته وأصالته سواء متح مادته وأساليبه ولغاته من التراث، أم من غير التراث. فرواية مثل «الزيني بركات» مثلا لجمال الغيطاني رواية أصيلة ومتميزة ليس لأنها استلهمت التراث فقط، بل لأن كاتبها استطاع ان يرتقي بها إلى مستوى من البراعة والإدهاش. وهذا لا يعني أن جميع النصوص التي استلهمت التراث جيدة والعكس صحيح.
إن جودة نص ما لا تضمنها روافده بالضرورة، بل تضمنها قدرة الكاتب على التخييل والصياغة وبناء الحبكة والقبض على ما يضفي على نصه فرادة وتميزا. وأعتقد أن خيري شلبي توفق في ربح هذا الرهان من خلال انفتاحه على المكون الشطاري الذي تم توظيفه جنبا إلى جنب مع مكونات ومحكيات أخرى أضفت على النص تعددا أسلوبيا ولغويا مائز العلامات.
واليوم إذ نودع هذا الأديب الكبير فإن الرواية العربية تفتقد واحدا من أكبر أعلامها ورموزها الذين أثروا هذا الفن بكتابات شيقة وممتعة لم يعرها النقد الأدبي بعد، كل الأهمية والاعتبار.
هوامش
(1) عبد الفتاح كليطو : المقامات، دار توبقال للنشر، ط. 2، ص. 44.
(2) عيسى الدودي : العرب الأسبوعي، عدد السبت 21 مارس 2009.
(3) عبد الفتاح كليطو : المقامات، دار توبقال للنشر، 2001، ط. 2، ص. 44 45.
(4) عبد الفتاح كليطو : المقامات، م. م، ص. 46.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.