لا شك في أن روسيا قد فاجأت العالم بمبادرتها الهادفة إلى وضع الاسلحة الكيميائية السورية تحت المراقبة الدولية ، و تدميرها فيما بعد .كما زادت من عزلة الاتجاه الداعي إلى توجيه ضربة عسكرية لسوريا . فقد أعطت الدليل أنها تبقى فاعلا اساسيا في الأزمة السورية وقادرة على إدخال متغيرات جديدة بإمكانها تغيير مجرى الأحداث في هذا الصراع . ردود الفعل لحد الساعة كانت مرحبة بهذه المبادرة التي يمكن أن تجنب مختلف الاطراف المأزق الذي وجدت فيه بفعل استعمال السلاح الكيميائي في 21 غشت في الغوطة ، و ظهور مؤشرات على تورط النظام في ذلك . إنها مبادرة مبدئيا تسمح للرئيس الأمريكي وحليفه الفرنسي من القول أن الضغط الذي مورس على سوريا ، و على حلفائها ، و الخوف من الانعكاسات العسكرية و السياسية قد دفعها إلى الإقدام على هذه المبادرة . و في نفس الوقت ، فإنه يسمح للإدارة الأمريكية بأن لا تدخل في مغامرة لم تكن محسوبة اعتبارا لعدم شعبيتها من طرف الرأي العام الذي عبر عن مناهضته لها كما تدل على ذلك استطلاعات الرأي ، ارتكازا على كون التدخلات السابقة في افغانستان و العراق رغم أنها حققت الهدف الأصلي منها ، و المتمثل في إسقاط النظام ، فإنها لم تتمكن من تدبير مرحلة ما بعد العمليات العسكرية و سقوط النظام بشكل مقبول . على العكس من ذلك ، فقد خلقت وضعية لا إستقرار عمقت من التوترات و بروز صراعات جديدة ذات طبيعة دينية و إثنية و طائفية تشكل تهديدا للاستقرار في المنطقة برمتها . فضلا عن ذلك ، فإن هذه الضربة المحتملة ظلت محاصرة بغموض الأهداف المتوخاة منها ، حيث ساد الكثير من التضارب في تحديد المرجو منها . أكثر من ذلك ، فإن المخاطرة / الصفر لا توجد في مثل هذه العمليات . فقد تعطي الانطباع أنها متحكم فيها ، و لكن قد تتطور بشكل مغاير تماما ، كما تدل على ذلك حالتا افغانستان و العراق . لذلك ، فإن هذه المبادرة قد تخلص الإدارة الامريكية و الفرنسية من عبئ تحمل ضربات لا تجد سندا شعبيا . ولا قانونيا على اعتبار أن مثل هذه العمليات لو تمت خارج الشرعية الدولية ، فإنه تصبح موسومة بصفة العدوان . و هو أمر مهما كانت مبرراته يتعارض و التطلع نحو بناء دولة القانون على المستوى الدولي . لذلك يبدو أن القوى الغربية تحاول ان تنتهز هذه المبادرة لتحويلها إلى التزامات ملموسة تفرض على النظام السوري التخلي عن ترسانته الكيميائية . و من ثم فقد سارعت فرنسا إلى تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن في ظل الفصل السابع لا يكتفي فقط بتجريد سوريا من اسلحتها الكيميائية ، و لكن أيضا يفرض عقوبات يتضمنها القرار نفسه في حالة عدم الالتزام بذلك . مما يعني ان ضرب سوريا في حالة خرقها لمشروع القرار المقدم ستتعرض لعقوبات تلقائية دون الرجوع إلى مجلس الامن . و هذا يعني أن الدول الغربية تريد الخروج من إكراه النقاش حول شرعية و مشروعية استعمال القوة ضد سوريا . إذا كانت الإدارة الامريكية تشعر بمزيج من الارتياح و الإحباط في نفس الوقت ، فإنها تحاول أن تكون حذرة في التعامل مع هذه المبادرة الروسية . و تسعى أن لا تترك روسيا وحدها قادرة على التحكم في الصيرورة الدبلوماسية في هذا النزاع ، خاصة و أنها بهذه المبادرة قد عبرت عن قدرة على المناورة ، و على إبراز عزلة الرئيس الأمريكي كما تجلى ذلك خلال مؤتمر مجموعة العشرين . لكن مع ذلك ، فإن روسيا بدورها لم تكن في وضع مريح . فمن جهة أولى ، و كما هو معروف ، فإنها تعتبر الحليف الرئيسي لسوريا . و هناك مصالح عسكرية و اقتصادية بين الطرفين . أكثر من ذلك ، فإن سوريا تمثل إلى جانب إيران الحلقة الرئيسة في سياسة المقاومة و استرجاع النفوذ التي تبناها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين . فمنذ وصوله إلى السلطة ، فهو يحاول استرجاع النفوذ الروسي الذي افتقدته روسيا تحت سلفيه غورباتشوف و يلتسين . وهو يقوم على تبني سياسة مستقلة و نشيطة من أجل مواجهة سياسة التطويق و الإضعاف الذي تمارسها الولاياتالمتحدة ضد روسيا .و كذلك احتواء الصين . و من ثم تتعدد الملفات الخلافية بين الطرفين . فهي ترتبط بتوسيع الحلف الاطلسي الذي امتد إلى دول كانت تحت المظلة السوفياتية ، و في هذا السياق عارض بشدة دخول أوكرانيا إلى هذا الحلف . كذلك امتد إلى معارضة الدرع الاستراتيجي المتمثل في نصب صواريخ قد تهدد التراب الروسي . فضلا عن العمل على تخريب الثورات الشعبية ذات النكهة اللبرالية التي وقعت في بعض الدول الواقعة تحت النفوذ الروسي كما هو الأمر بالنسبة لاوكرانيا و جيورجيا و كرغستان . ففي كل هذه الجمهوريات تسعى روسيا على معارضة هذا التوجه ، و إرجاع هذه الدول إلى حظيرتها . لذلك ، فإن الاستراتيجية الروسية لا تعير اهتماما كبيرا للاعتبارات المتعلقة بحقوق الإنسان . بل ما يهمها بالأساس هو ما يتعلق بالاعتبارات الجيو سياسية و الجيو استراتيجية . لذلك ما توجد غالبا في خندق الدول التي تعتبرها الإدارة الامريكية بالمارقة . و في نفس السياق ? فإنها أجمالا وقفت موقفا متحفظا من الربيع العربي الذي أفرز بروز قوى إسلامية تحاربها روسيا بدون هوادة اعتبارا لسابقة الشيشان و الحرب التي قادها بوتين هناك ، فضلا عن المخاطر التي تواجهها جمهوريات القوقاز . لكن هذا الموقف النازع نحو الاستقلالية ، و التمترس وراء الشرعية الدولية زاد مع ما وقع في ليبيا ، حيث تشعر روسيا بان دول الحلف الاطلسي قد استغلت شرعية مجلس الأمن لتجاوز المهام المنوطة بها . فقامت بإسقاط امعمر القدافي لتحقيق مآرب اقتصادية و استراتيجية على حساب المصالح الروسية . و من ثم فإن السلوك الروسي بات يقوم على رفض كل ما من شأنه إدانة النظام السوري في هذه الحرب الأهلية . في هذا السياق ، قد استعملت روسيا حق الفيتو ثلاث مرات مساندة في ذلك بالصين التي رغم بعض الاختلافات مع روسيا فهي تشاطرها قناعة رفض التدخل الأجنبي خاصة فيما يتعلق بحالات مرتبطة بحقوق الإنسان . فهي تعرف أيضا أنها توجد في واجهة المجتمع الدولي بسبب ممارساتها المنتهكة لتلك الحقوق . لكن من جهة أخرى ، فإن هذا الموقف الروسي بدا في مأزق . فقد ظهر لروسيا أن حليفها قد ارتكب خطأ باستعمال الاسلحة الكيميائية . وهي جريمة لا يمكن مساندتها ، او الاستمرار في تبريرها خاصة إذا اظهر تقرير لجنة المفتشين الحجج الدامغة على ذلك . أكثر من ذلك ، فإن إيران الحليف الآخر لسوريا انزعجت للفعل الشنيع الذي قام به النظام السوري باستعمال السلاح الكيميائي ، كما ظهر ذلك من مواقف بعض المسؤولين الإيرانيين السابقين . و من ثم فقد دفعت إلى البحث عن مخرج يقي سوريا من الضربة العسكرية التي قد تشكل سابقة أخرى قد تشجع على استعمال نفس السلاح في مواجهة الملف النووي الإيراني . في نفس الوقت ، فإن روسيا لا يمكن لها أن تقف في وجه الولاياتالمتحدة إذا قررت ضرب سوريا لاعتبارات استراتيجية واضحة . لقد أدركت روسيا عزم الإدارة الامريكية على توجيه ضربة إلى النظام السوري . وذلك من شأنه رغم المخاوف المحيطة به أن يخلخل معنويات الجيش السوري ، و قد يعطي امتيازا ميدانيا للمعارضة التي تسيطر عليها الجماعات الإسلامية المتشددة . و من ثم سعت إلى الخروج من موقف الدفاع إلى الهجوم من خلال مبادرتها هذه التي تعطيها هامشا واسعا من التحرك ، و تحمي موقعها كقوة مسموعة في المنطقة .. سارع النظام السوري إلى القبول بالمبادرة الروسية . وهو موقف ضروري لتجنب الرعب الذي أحدثه التهديد الأمريكي و الفرنسي . فسوريا ، بالرغم من لغة التهديد فهي تستحضر تجربة صدام حسين ، و تدرك أن الضربات مهما كانت محدوديتها ستؤثر على موقع النظام . و من ثم ، لم يكن أمام النظام السوري إذا أراد حماية وجوده سوى القبول بالمبادرة في انتظار التفاوض حول كيفية تفعيلها و إخراجها إلى الوجود من خلال انضمام سوريا إلى معاهدة منع الأسلحة الكيميائية التي دخلت إلى حيز التنفيذ في سنة 1997 و المنظمة المنبثقة عنها وكذا إقرار نظام معقد ومتكامل لمراقبة تلك الأسلحة السورية و تدميرها فيما بعد . . فهو في وضع حرج . و لا يمكن أن يحمل حلفاؤه أكثر مما يحتملون . لكن سوريا كدولة تبدو خاسرة .فقد أقرت بشكل رسمي بامتلاكها لأسلحة محرمة الاستعمال منذ الحرب العالمية الأولى . ففي حالة تدمير المخزون الذي سيأخذ وقتا طويلا ، فإن ذلك يعني أن الشعب السوري هو الخاسر . فاقتناء ذلك المخزون كلف الملايين من الدولارات . و هو يذكرنا مرة أخرى بسلوك الزعيم الليبي الراحل امعمر القدافي الذي قبل التخلي عن برنامجه النووي في سياق الضغوط الأمريكية إبان ما عرف بأزمة لوكربي . في نفس الوقت ، فإن البلد سيفقد إحدى ادوات الردع بالنسبة له في محيط إقليمي قلق لم يستطع لحد الساعة بناء نظام إقليمي خالص من أسلحة الدمار الشامل . و قد تكون إسرائيل ، في حالة تحقق هذا السيناريو من أكبر المنتصرين حيث ترى كيف يتم إضعاف خصومها بسبب الضغط الدولي و بسبب أخطاء قيادتهم . تخلي النظام السوري عن ترسانته الكيميائية لا يعني هزيمته . فهو ما زال يتوفر على ترسانة مهمة من الأسلحة التقليدية و من مساندة حلفائه ، لكن هذا التنازل في حالة تحققه الفعلي ، قد يفتح نوعا من الأمل في مزيد من ليونة موقف النظام من الحرب الأهلية الدائرة في البلاد منذ أكثر من سنتين . هل يعني ذلك أن احتمال الضربة العسكرية قد تراجع بشكل نهائي ؟ من السابق لأوانه التكهن بذلك . فالرئيس الامريكي ما زال في حملته الإعلامية من أجل إقناع الرأي العام الأمريكي والكونغريس بصوابية الاستمرار بالتهديد باستعمال القوة ضد النظام السوري ، لكن مما لا شك فيه ، فإن هذا المعطى الجديد يعقد أكثر من مسعاه. وبالتالي يجعل من الضربة قائمة ، و لكن بشكل ضعيف .فالرئيس الأمريكي وحليفه الفرنسي مطالبان بالتراجع، والعمل على عدم جعل روسيا و حدها تحدد مآلية هذا الملف السوري . فمن الواضح ان الملف السوري يوجد اليوم في منعطف قوامه كيفية تجريد سوريا من اسلحتها الكيميائية ، و في نفس الوقت التحضير للجولة الثانية من مفاوضات السلام حول الوضع في سوريا. ولا شك في أن هذا المسار سيكون شاقا دبلوماسيا خاصة و أن المطالب الغربية ، لا تقف فقط عند تجريد سوريا من أسلحتها بل تتضمن أيضا محاكمة المسؤولين أمام المحكمة الجنائية الدولية. ومن ثم فإن ذلك سيفتح معركة قانونية ودبلوماسية قد تتسم بالمزايدات من هذا الطرف أو ذاك . لكن بصفة عامة، وفي حالة استبعاد شبح الضربة العسكرية، ومباشرة مرحلة جديدة في هذا الصراع المأساوي، فإن هذه الأزمة التي اندلعت في 21 غشت بسبب استعمال السلاح الكيميائي، قد يكون من حسناتها أنها كانت ضارة و لكن في نهاية المطاف نافعة إذا مكنت ليس فقط من معالجة ملف السلاح الكيميائي، ولكن فتح الطريق أمام وقف لإطلاق النار، ومباشرة مفاوضات تضع حدا لمعاناة الشعب السوري .