النيابة العامة تؤكد فرضية انتحار "ضيف" الفرقة الوطنية.. ووالداه يشككان في الرواية ويطالبان بكشف ملابسات القضية    إطلاق سراح الأمير أندرو بعد ساعات من التحقيق.. والملك يؤكد أن "القانون يجب أن يأخذ مجراه"    تشريح يؤكد وفاة بالقفز من مقر BNPJ        بنسعيد يعلن اعتماد صيغة جديدة لدعم المقاولات الصحفية    دعم أمني وطبي.. المغرب ينخرط عملياً في تثبيت الاستقرار بغزة    نصائح ابن حزم في "طوق الحمامة" للعشاق وحكاية ابن السراج والفاتنة شريفة        المجلس الوطني لحقوق الإنسان: تدبير فيضانات الغرب واللوكوس يؤسس لنموذج مغربي في مجال الجاهزية الاستباقية في تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية    مطلب برلماني لوزارة الداخلية بتعويض متضرري فيضانات الحسيمة    الحكومة تصادق على تعيين بنحيون عميدًا لكلية الآداب بتطوان    إحباط محاولة تهريب أقراص مهلوسة إلى المغرب عبر سبتة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    أحكام بسجن المشجعين السنغاليين في المغرب بين ثلاثة أشهر وسنة    أمريكا تمنح 10 مليارات لمجلس السلم    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات بأداء إيجابي    عن القلوب التي تواسي بلا حدود أو قيود    تقرير إسباني: ميناء طنجة المتوسط غيّر خريطة الموانئ في مضيق جبل طارق        الزلزولي: "أنصار ريال بيتيس الأفضل في "الليغا" ويذكرونني بجماهير المنتخب المغربي"    ليلى شهيد.. رحيل امرأة استثنائية    أخبار الساحة    الذهب يرتفع مع تزايد التوتر بين أمريكا وإيران وترقب بيانات تضخم أمريكية    عمالة إقليم العرائش .. كافة سكان مدينة القصر الكبير يمكنهم العودة إلى منازلهم ابتداء من اليوم الخميس    مكتب الصرف يطارد استثمارات "مخفية" لرجال أعمال مغاربة في الخارج    وزارة الأوقاف تحدد موعد قرعة الحج        انطلاق عملية الإحصاء الخاص بالخدمة العسكرية بداية مارس المقبل    وزارة الأوقاف تعلن مواعيد قرعة الحج لموسم 1448ه وإعلان اللوائح النهائية    "الكونفدرالية" ترفض الإصلاح الحكومي الأحادي لأنظمة التقاعد وتحذر من المساس بمكتسبات الأجراء    نقابات الصيادلة تندد ب"الإقصاء" ومجلس المنافسة يؤكد شرعية إصلاح القطاع    شنغن تتجه لتمديد التأشيرات لأكثر من خمس سنوات    استيراد أبقار إضافية يعزز تموين السوق باللحوم الحمراء في شهر رمضان        بنزيما: "شهر رمضان يمنحني التركيز والتألق"    المغرب يجمع منتخبات إفريقيا وآسيا في دورة دولية ودّية بالرباط والدار البيضاء    آيت منا يراهن على جمهور الوداد لاقتحام دائرة أنفا بالدار البيضاء    إنفوجرافيك | 5780 شخصًا.. ماذا نعرف عن الموقوفين على خلفية حراك "جيل زد 212"؟    عمدة واشنطن تعلن عن حالة طوارئ بعد تسرب مياه للصرف الصحي في نهر "بوتوماك"    ملحق أبطال أوروبا.. إنتر يسقط في فخ بودو وأتلتيكو يتعثر ونيوكاسل يكتسح    سامي: الأسرة أساس تناقل الأمازيغية    ليلى شهيد.. شعلة فلسطين المضيئة في أوروبا تنطفئ إلى الأبد    ارتفاع الإيرادات الضريبية في المغرب إلى 291 مليار درهم ما بين 2021 و2025 وحصتها ناهزت 24.6% من الناتج الداخلي الخام    رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: تركيا باتت تمثل "إيراناً جديدة" في المنطقة تقود "محورا سٌنيّا" ضد إسرائيل    "مجزرة ضرائب" أم "سلّة إنقاذ"؟ قرارات الحكومة اللبنانية تحرك الشارع    السيناتور الأمريكي غراهام يهاجم السعودية ويقول إن "حربها" مع الإمارات بسبب تطبيعها مع إسرائيل    وفاة المدافع عن "حقوق السود" جيسي جاكسون    لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟    متى ندرك المعنى الحقيقي للصوم؟    من الإفطار إلى السحور .. نصائح لصيام شهر رمضان بلا إرهاق أو جفاف    في حفل مؤثر أربعينية الحسين برحو بخنيفرة تستحضر مساره في الإعلام السمعي الأمازيغي وخدمة السياحة والرياضات الجبلية    المتحف محمد السادس بالرباط يحتضن تأملات يونس رحمون... من الحبة إلى الشجرة فالزهرة    إمام مسجد سعد بن أبي وقاص بالجديدة ينتقل إلى فرنسا خلال رمضان 1447ه    وفاة الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في فرنسا عن 76 عاماً... صوت القضية الفلسطينية الناعم في أوروبا    إشبيلية .. مركز الذاكرة المشتركة يتوج بجائزة الالتزام الدولي ضمن جوائز إميليو كاستيلار    مخرجة فيلم "صوت هند رجب" ترفض جائزة مهرجان برلين وتتركها في مكانها "تذكيراً بالدم لا تكريماً للفن"    القيلولة لمدة 45 دقيقة بعد الظهر تساعد في تحسين التعلم    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كتابات المجانين: «اللا أحد».. صانع المعجزات!
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 01 - 01 - 2015

تعلمنا كتابات المجانين أن القش البارد لا يصلح لإشعال النار، وأن الكتابة التي لا تشبه جوع الذئب أمام صياد جريح مغطى بالثلج غير جديرة بالالتفات.
في كتابات هؤلاء تمشي الأشياء بدون قدمين في اتجاه أرض لا مقاس لها ولا قشرة. لا شيء يرسو، وكل شيء يصحو دفعة واحدة مثل نهد في مقتبل اللمس الجائع والمباغت. لا يكتبون وفق أي نموذج يحتذى. يكتبون فقط، ويتركون العنان لخيالاتهم وهي تجترح، في المكان الأقصى للإدراك، علاقات أخرى جديدة. ساخرة ومضحكة وسريالية. جمل وتراكيب ضد أي خيبة مبيتة، وضد الاستعارات المزدحمة بالمعاني القريبة والتكلف والبحث عن الإعجاب وإخلاف التوقع. جمل وتراكيب غير معنية بالإتيان بما لم يستطعه الأوائل.. غير معنية بالكشف عن التميز الذي يمنحه «التباري البيوغرافي». غير معنية بأي شيء خارجها. غير معنية بالقارئ الضمني أو الواقعي أو النموذجي. غير معنية بالاقتفاء النقدي، ولا بالفشل أو النجاح. غير معنية بالجوائز وعدد الطبعات والترجمة و»البيست سيللر».
إنه نوع من الكتابة يوجهه «لا أحد» إلى «لا أحد»، ولعل هذا هو الجمال الذي انتبه إليه ميلان كونديرا في «فن الرواية» حين قال: «أحلم بعالم يصبح فيه الكتاب مجبرين على الاحتفاظ سرا بهويتهم وأن يخفوا أسماءهم بأسماء مستعارة». وهذا ما تمنحه لنا كتابة المجانين التي لا تتوجه، في العمق، إلى أحد، لأنها محذوفة من هذا التاريخ الذي يكتبه العقل. إنها كتابة تضيء خارج بيت الأدب الذي أسسه هوميروس وفيرجيل. كتابة غير حانقة ولا متمردة ولا عنيدة ولا متملقة، عارية تماما من الإيديولوجيا، ولا تبحث عن أي مكاسب سياسية. كتابة تشبه رمية النرد، لا تصنعها سوى الصدفة التي يراهن عليها لاعب «ردئ» ليست له أي قدرة للتحكم في عدد الرميات، ولا يرى أي علاقة سببية بين التراكيب.إنه يرمي كيفما اتفق، فيجعل العلاقات الثابتة ترتجف وتنتج معان جديدة.
وبهذا المعنى، يصبح الجنون، حينما نربطه بالكتابة، نوعا من اللعب الردئ، الذي بوسعه إنتاج «جماليات» مغايرة يمكن استثمارها لقياس ما يسميه نيتشه «إستيطيقا الوهم» أو «قوة الزائف».
وهكذا، يصبح من الطبيعي، تأسيسا على هذا الفهم، التعامل مع الجنون كآلية لتوليد جماليات حديثة. وهو ما يجرنا إلى الحديث عن تجارب فكرية وفنية وأدبية تجمعت كلها في ذلك القارب الفريد الذي توغل عميقا في مياه لا يتطلع المبحرون فيها إلى أي يابسة: تجربة هؤلاء العظماء الخارجين عن الأنساق «العقلية» الذين كانت رمياتهم سريعة وحازمة، ومكنتهم من إنتاج خيارات إبداعية كبرى. ويكفي أن نذكر فريديريك نيتشه وريمون روسيل وفردريش هولدرلين وفانسان فان كوخ وأنطونان أرطو ولوي ألتوسير وفرانز كافكا وفيودور دوستويفسكي وسورين كيركيغارد وبيسوا وغي دوموباسان ولودفيغ فتغنشتاين وراينر ماريا ريلكه وجيرار دو نيرفال وجيل دولوز.. والقائمة طويلة، هؤلاء الذين نزعوا الأثواب التي كان يقترحها عليهم العقل ليلجوا بكل قوتهم تلك الغابة المتشعبة السبل التي يسمونها جنونا. كان الألم حاضرا في هذه التجربة، وكان القتل الافتراسي للإطارات التي تؤسس عصرهم حاضرا.. وكان الإبداع الناقض لما قبله هو «المستقبل الذي يدوم طويلا». وهو ما يستدعي تأملا عميقا لكشف تأثير تجربة الجنون، على نحو يختلف بين هذا وذاك، في إبداعات هؤلاء، ومن ثمة إدراك التحولات الجمالية التي لحقت بأعمالهم، ووسمتها ب «الإبداعية الخلاقة». وهذا يقتضي، أيضا، معرفة ما إذا كان جنون الإبداع مجرد أزمة عصبية طارئة تتكرر بين الفينة والأخرى، أم لحظة رحبة من الهواجس يتم عبرها استرجاع الأشياء كما تتصورها الذات المتعكرة بالتخيل والهلوسة؟
قد يكون صحيحا أن الجنون انزياح عن الأنساق الرمزية المشكلة للمعنى، وقد يكون البحث عن تكييف هذا المعنى مع ما يجري داخل الدماغ هو الدافع إلى خلق استعارات جديدة تتجاوز البلاغة التقليدية، بل تدحضها. غير أن بلاغة الجنون غير معنية بالتفسير والإفهام، وغير مكترثة للأنساق اللغوية والرمزية التي تخضع لها هذه الجماعة المؤولة أو تلك. إنها بلاغة تتعرض للإبعاد والإقصاء عن عمد من طرف السلط القائمة لأنها تربك الثوابت وتخلخلها.
وإذا كان الجنون، حسب ما يراه د. لينغ،»هو وجود فئة من الناس نعجز عن فهم ما يدور في أعماق أفرادها لأنهم لسبب ما كفوا عن التعبير عن تجربتهم عن طريق اللغة المتعارف عليها والسلوك السائد.. وبما أنهم الفئة الأقل، والنموذج الأندر، لذا فإن لقب مجانين، ليس أكثر من اصطلاح الأكثرية أطلقته على الاقلية!.. وهو أيضا ظلم مارسته الأكثرية (العاقلة) لتحمي نفسها من الأقلية (المجنونة)»، فإنه مع ذلك، وكما تؤكد التجارب والدراسات التي تناولت هذا الموضوع، فإنه لا يمكننا أن نزعم بأن بلاغة الجنون غير مرتبطة ببلاغة العقل إن صح هذا التعبير. ومن ثمة ليس بوسعنا أن نجزم بأنهم (المجانين) كفوا عن الانتماء إلى «اللغة المتعارف عليها» أو أنهم دمروا كل الجسور خلفهم وهم يسيرون بين تلك الوهاد السحيقة القرار والمخيفة والتي لم يسبر غورها أحد التي تسمى «أرض الجنون».
ففي الماضي، يقول الباحث الفرنسي فيليب برونو، كان الناس يعتقدون بأنّ الجنون موجود كله في جهة، والعقل في جهة أخرى. ولا يمكن أن تكون هناك أيّ علاقة اختلاطية بينهما (...) لكن الطبّ الحديث اكتشف أنّ العبقرية ليست إلا أحد تجلّيات الجنون، أو قل إنّ العبقرية تقع في جهة التطرّف، مثلها في ذلك مثل الجنون. وبالتالي فمن العبث أن نطلب من الشخص العبقري أن يكون طبيعياً أو عادياً أو معتدلا كبقية البشر. لكأنّنا عندئذ نقتل عبقريته أو نعتدي على أعزّ ما فيه: أي شذوذه، غرابته، خروجه على المألوف».
هذا هو: إنه الخروج عن المألوف «غير السعيد» ما دام يكون دائما مرفوقا، على نحو مدهش، بالهذيان والألم والانقطاع عن نظام المعنى الذي يصنعه الآخرون. إنه الخروج عن النسق وإزعاج الوضع القائم أو ما يسميه ميشيل فوكو «تطوير الغرابة».
يقول فوكو: «طوّروا غرابتكم الذاتية أيها الأصدقاء! غذّوا جنونكم الخاص ولا تخجلوا منه! كونوا من أنتم! حتى ولو كره الكارهون..لا تبالوا بالقيل والقال وأحكام المجتمع الامتثالي الضيق الصغير.. فإذا ما خضعتم له في كلّ شاردة وواردة فإنّكم لن تبدعوا شيئا..».
وبهذا المعنى، فالكاتب المبدع ينبغي أن يستمر في المضي قدما، وأن يعزف على الريح مع الريح، وأن يتصل بإحساسه الكشفي وطاقته التدميرية للأنساق والقوالب المعروفة، وأن لا يكتفي بطرق الأبواب التي أوصدها أفلاطون في وجهه، بل أن يحطمها ويدوس عليها بقدميه ثم يمشي في اتجاه نفسه. يقول ستندال: «إنّ العبقريّ شخص مهووسٌ بأفكاره ومعذَّبٌ بها. ولهذا السبب فهو بحاجة إلى أن يمسك بالقلم ويعبر عن نفسه أكثر من غيره».
فكيف يعبر المجنون عن نفسه على مستوى التركيب وبناء الجملة؟ وهل يخرق قواعد النحو والصرف والإملاء ويقترح نظام لغوي آخر، أم أن الانزياح ينصب تحديدا على الإسنادات الغريبة وتوليد المعاني المدهشة؟ هل يلتفت المجنون إلى المدونة اللغوية العامة، أم أنه يلعب بالأشياء والكلمات ويرمي بها كيفما اتفق كلاعب نرد ردئ يستمتع باللعبة ولا يهمه عدد الرميات ولا الوجوه التي تستقر عليها؟
بالرجوع إلى كتابات المجانين (جرة عسل في حجم البحر الميت) يتبين أن هناك تغيرات في سلوك المعنى، ذلك أن اللغة هنا تنتج المفارقات، وتحطم الأصل بالمفهوم الذي وضعه له جاك ديريدا. التراكيب ليس لها هنا أي أصل، أو على الأقل توحي بذلك ما دامت تجهز على النظام البلاغي وتخرقه من الداخل. فهي لغة تشتغل على «تحطيم الأصل الثابت للمعنى بوصفه مصدراً، وتقويضه وتحويل كل شيء إلى خطاب، وتذويب الدلالة المركزية». ولذلك، فالكاتب المجنون هو بمعنى من المعاني «صانع معجزة». إنه لا يكتب ليتجاوز الأصل، بل يكتب انطلاقا من كونه هو الأصل نفسه. 
فالكتابة لدى هؤلاء ليست عملية تلاعب بالمفردات أو الصوائت، وليست قط بحثا عن التدمير والاختلاف وإخلاف التوقع. إنها تعبير جريح تكتبه يد وجدت نفسها تمسك بالفأس عوض القلم، لكسر البنى التي تحتكر إنتاج المعنى بين النص والقارئ. ولهذا، فنحن نلاحظ أنها كتابة مليئة بالتقعيرات والشقوق والتثغيرات الغامضة والمفاجئة (مناطق اللاتحديد)؛ هي كتابة غير هادئة ولا تطمئن إلى أي نسق جاهز. إنها ثمرة الاكتئاب والألم العميقين، وإلا بماذا يمكن تفسير الأزمات الهلوسية التي كان يمرّ بها رامبو عندما كتب رائعتيه: «فصل في الجحيم» و»الإشراقات»؟ وما سرّ الحالات العُصابية-الاكتئابية التي كان يمرّ بها غوته صاحب رائعة «فاوست» من وقت لآخر؟ وما معنى القلق الهائل الذي كان يعاني منه كيركيغارد أو كافكا أو ريلكه؟ وماذا عن ولع كوليردج أو بودلير أو كوكتو بالمخدّرات؟ وما تفسير ذلك الطيش أو الانفعالات المزاجية الغريبة لمايكل أنجلو؟ وكيف نفسّر الميول الانتحارية لدى غوغان وفان غوخ وفيرجينيا وولف وآخرين عديدين؟ وانهيار عقل نيتشه وهو في أوج إبداعه وعبقريته هل له من تعليل؟ وماذا عن جنون غي دو موباسان وهو في ذروة شبابه وعطائه أيضا؟ وقل الأمر ذاته عن الشيزوفرينيا الهائلة لأنطونان آرطو، أو الاكتئاب النفسي العميق لبيتهوفين وبيساوا وفتغنشتاين؟ وماذا عن الهذيانات الرائعة لجان جاك روسو؟ أو نوبات الصرع المرعبة لدوستويفسكي؟ إلخ إلخ..
إن الكاتب الذي يلوذ بالجنون يهرول مدفوعا بقوة قاهرة على جسور معلقة معتمة يلفها السواد، وأقصى ما يفعله هو أن أنه يصطاد بعض النيازك الهاربة التي لا يدركها سواه. وتأسيسا على ذلك، فاللغة التي يستعملها هذا الكاتب ليس ممرا يفضي إلى شيء مغلق، بل تيها يحطم المعنى الثابت لصالح المعنى المتعدد اللانهائي ، فضلاً عن اتساع النسيج اللغوي الحامل لدلالاتٍ أخرى يبنيها التأويل وتعززها القراءة البيوغرافية أو النفسية. إنه نوع من «اللّعب الحرّ» اللامتناهي لكتابة ليست منقطعة تماماً عن المعطى الثقافي للجنون بالمفهوم الذي وضعه فوكو في كتابه «تاريخ الجنون».
إنها كتابة المجانين، أو العباقرة، تستلهم أفقا مفتوحا من النظم المخبوءة التي تقع خلف تعبيرات مفرغة من أي مضمون معرفي أو أخلاقي أو جمالي. إنها معنية، أساسا، بالقضاء على كل حد. وهذا يجعل من لغتها «لغة معقدة عجيبة»، لغة تصيخ السمع لكلام الآلهة كما كان يذهب إلى ذلك دي نرفال الذي حاول جاهداً وبلا أمل- يقول جاكوب روغوزينسكي في مقال له بعنوان «الكتابة في اختبار الجنون»، أن يقنع أصدقاءه وقراءه بأنه ليس «مختلاً» بالمعنى الكلينيكي للمصطلح، وإنما هو راءٍ مُطَّلِعٌ يضطهده أولئك «الأطباء والمفوضون الذين يسهرون على ألا يُسمعَ نشيد الشعر»: «اعترفْ- اعترفْ- كانوا يصيحون في وجهي كما كان يُفعل في الماضي بالسحرة والمهرطقين، ولأُنهيَ ذلك، وافقتُ على أن أدعهم يصنفونني كمصاب بمرض يُعَرفه الأطباء»، الذين منحوا أنفسهم إذن «الحقَّ في السيطرة على كل الأنبياء والرائين، وإسكاتهم»..». أما نيتشه، فيذهب إلى خط الانهيار الشامل للحافة التي تربطه بالأصل (الإله)، حيث يتحول هو نفسه إلى «إله» بعد أن أعلن في «العلم المرح» نبأ موت هذا الإله. إنه انفصال كلي عن الأصل، واحتلال لمكانه العالي. وبذلك ينهي صاحب «هكذا زرادشت» ذلك اللبس المرعب بين الإلهي (الذي يلقي) والإنساني (الذي يتلقى) حيث ينتهي ينتقى ذلك التوحد غير المحدود عبر انفصال لا نهائي.
ومهما يكن، فإن كتابة المجانين، حتى وهي تبحث عن نبر جديد وبلاغة مختلفة ومغايرة وغير مطروقة، تمنحنا ذلك الاستمتاع الذي تنتجه المفارقات الهذيانية، وتجعلنا نركض في أرض بكر تغمرها الأجمات المعلقة والأنهار التي تتدفق بدون ضفتين.
من مقدمة لكتاب سيرى النور قريبا بعنوان: (جرة عسل بحجم البحر الميت- مجانين يلوذون بالكتابة).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.