البيجيدي يقترح إعادة العمل بلائحة وطنية للشباب أقل من 40 سنة في انتخابات مجلس النواب    لبؤات الأطلس يحققن أكبر قفزة عالمية.. وأسود القاعة يحافظون على المركز السادس        مصرع ثمانية أشخاص في اصطدام مأساوي بتارودانت    قطاع السياحة يحقق نموا ب9,7% في الفصل الأول من 2025    البطالة في ألمانيا تتجاوز ثلاثة ملايين لأول مرة منذ أكثر من عقد    بكين تحذر من خطط أمريكية لنشر صواريخ "تايفون" في اليابان وتعتبرها تهديدًا لأمن المنطقة    بركة: إصلاح المنظومة الانتخابية شرط أساسي لضمان نزاهة الانتخابات التشريعية المقبلة    توقعات أحوال الطقس غدا السبت    المخرج الكوري الحائز على الأوسكار يرأس الدورة 22 لمهرجان مراكش السينمائي    مقتل رئيس حكومة الحوثيين في غارة    بورصة المغرب تبدأ التداولات بالأخضر    توقيع اتفاقية ومذكرة تفاهم للتعاون القضائي بين المغرب والعراق    "التجمع" يصادق على مقترحاته لمدونة الانتخابات ويستنكر "الحملات الإعلامية المغرضة"    بورصة الدار البيضاء تفتح تداولاتها على وقع الأخضر    هرهورة.. افتتاح الدورة السادسة من مهرجان سينما الشاطئ وسط حضور وازن لألمع نجوم الشاشة المغربية    "التقدم والاشتراكية" يقدم مقترحات من أجل تخليق الفضاء الانتخابي وتنقيته من الممارسات الفاسدة    "بي دي اس": ميناء طنجة يستقبل سفينتي إبادة جديدتين يوم الأحد المقبل    49 قتيلاً و100 مفقود قبالة موريتانيا    جدل إعلامي وسياسي بعد سحب اعتماد موقع "أنباء إنفو" في موريتانيا    الصناعات التحويلية.. انخفاض الرقم الاستدلالي للأثمان عند الإنتاج ب 0,1 في المائة خلال يوليوز (مندوبية)    كيوسك الجمعة | الدار البيضاء الأولى مغاربيا والسابعة إفريقيا في مؤشر القدرة الشرائية    توقيف شخصين متورطين في التزوير واستعماله والنصب والاحتيال على مواقع التواصل الاجتماعي    الأمن الوطني يساند موظفاً ضحية افتراءات حساب 'جبروت'"    بولندا: مقتل طيار في تحطم مقاتلة إف-16 أثناء استعدادات لعرض جوي    فنربهتشه يقيل مورينيو بعد الإقصاء                        لأول مرة في معرض الفرس للجديدة.. عرض 3 أمسيات لعروض الفروسية الليلية في نسخة 2025    ليفربول – أرسنال: لا تفوتوا المواجهة بين أبرز المتنافسين على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز!    البطولة العربية لألعاب القوى للناشئين والناشئات.. المنتخب المغربي ينهي البطولة في المركز الأول ب 21 ميدالية منها تسع ذهبيات    غوغل تطلق تحديثاً جديداً لتطبيق "الترجمة" مدعوماً بالذكاء الاصطناعي    المفتش العام للقوات المسلحة الملكية يتباحث مع قائد قوة البعثة الأممية بالأقاليم الجنوبية للمملكة    الرئيس ترامب يلقي خطابا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في ال23 من شتنبر المقبل        ملتقى زيوريخ... المغربي صلاح الدين بن يزيد يحتل المركز الثالث في سباق 3000 متر موانع    الاحتفاء بالمغرب ضمن فعالية "جسر الإنتاج" بمهرجان البندقية 2025        أجواء فنية مميزة في افتتاح النسخة الثالثة من مهرجان السويسي بالرباط    باحثون روس يطورون شبكة عصبية تساعد على تشخيص مرض "باركنسون" بدقة 97%    دراسة: نمط الحياة الصحي في سن الشيخوخة يقي من الخرف    الشاف المغربي أيوب عياش يتوج بلقب أفضل صانع بيتزا في العالم بنابولي    أحمد المصباحي يتألق على مسرح The Voice Suisse    إلياس الحسني العلوي.. شاعر شاب يقتحم المشهد الأدبي ب "فقيد اللذة"    كيف تحوّل "نقش أبرهة" إلى أداة للطعن في قصة "عام الفيل"؟    الزاوية الكركرية تنظم الأسبوع الدولي السابع للتصوف بمناسبة المولد النبوي الشريف    اضطراب النوم يضاعف خطر الانتكاسات لدى مرضى قصور القلب (دراسة)    الصين تحقق سابقة عالمية.. زرع رئة خنزير معدل وراثيا في جسد بشري    ينقل فيروسات حمى الضنك وشيكونغونيا وزيكا.. انتشار بعوض النمر في بلجيكا    "بعيونهم.. نفهم الظلم"    بطاقة «نسك» لمطاردة الحجاج غير الشرعيين وتنظيم الزيارات .. طريق الله الإلكترونية    الملك محمد السادس... حين تُختَتم الخُطب بآياتٍ تصفع الخونة وتُحيي الضمائر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مبدعون في حضرة آبائهم 3 : رجاء الطالبي ، كحب تغشاه الظلمات..

في رسالة كافكا إلى أبيه: « أبي الحبيب.. لقد سألتني مؤخراً: لماذا أزعم أنني أخاف منك؟ وكالعادة لم أدر بماذا أجيبك. تارة بسبب الخوف الذي يعتريني أمامك، وتارة لأن الكثير من التفاصيل متعلقة بحيثيات ذلك الخوف، بحيث لا يكون بوسعي لملمة شتاتها في الحديث معك ولو جزئياً. وإنني إذ أحاول هنا أن أجيبك خطياً، فإن كل ما أقوم به لن يكون سوى محاولة مبتورة، وذلك لأن الخوف وتبعاته يصدانني عنك حتى في الكتابة، ولأن جسامة الموضوع تتعدى نطاق ذاكرتي وإدراكي «.
أمام اللجوء أو الهروب إلى الأم الحاضنة والحنونة وملاذ « التواطؤات « الجميلة، كيف يستحضر مبدعونا المغاربة صورة الأب، وهل تختلف نظرتهم إلى هذه السلطة الرمزية التي ارتبطت بالصرامة والتحكم؟ كيف دبروا هذه العلاقة التي تلتبس فيها العواطف بين خوف واحترام، بين حب أو كره، بين تقديس وقتل؟

كان يقف على ربوة المجهول راهبا صارما قاسيا يتطلع بعين الصقر إلى مجهول الظلمات ويحاول استشراف التهديدات والخطر الذي يمكن أن تهدد به الطريق. هل كان خوفه وصرامته وقسوته صمام أمن يمنع عن صغاره مخاطر الطريق أم كان اليد التي تخنق من شدة خوفها وتضطهد وتعذب وتقسو بلاهوادة وهي تظن أنها تحمي. من حيث تظن أنها تنشر النور كانت تطلق جيوش الظلمة بوحوش نفسية ترتع في أعماق الصغار تخلخل الثقة تخلخل الإقبال تزرع البلبلة والتشوش والشعور بالذنب الذي لم يفارق روحي حتى وأنا أكبر أرتبط أرعى أبنائي الذين هم أيضا شارفوا هول الظلمات التي كانت تئن تحت وطئها أعماقي.
كان لهذا الشيخ الراهب المقتر في عواطفه ( لا أتذكر أن أبي قبلني أو عانقني.. تذكرت أنني لا أملك صورة لي وأبي.. بكيت..) ، المقتر في كل شيء من خوفه، من تشكيكه في العالم الخارجي وفي كل شيء ، كان لهذا الراهب الصارم أن يحمل لروحي حب القراءة هو الذي كان حريصا أن يكون الكتاب أحد سكان البيت والمرافق الهادئ اللامرئي لمن عثر مثلي على ملاذ صغير يهرب فيه من قبضة القسوة التي تشد الخناق وتمنع التنفس في أحيان كثيرة خوفا ورهبة وتوقعا يزعزع الطمأنينة وزرع الكوابيس والقلق الموار الذي لايهدأ ، طفلة صغيرة تمشي على أراضي ملغومة مهددة كيف لها أن تعثر على بر أمان، كيف لها أن تستكين أو تضع رأسها على الوسادة بدون أن تشعر بالخوف وبدون أن لا تهددها يد تقتلعها من فراش المفروض أن يمنحها السلام..أي راهب صارم هذا أي جلاد بنظراته التي تقلب في رأسك بحثا عن خطإ لم ترتكبه، يقلب عينيه فيك ليقرأ مالم تنطق به، مالم يصل لأن يستخلصه من كلامك الطفولي أو الكبير ليضعك دائما في موقف من يمضغ كلامه ويعيد التفكير فيه قبل أن يخرج من فمه.أحببته رغم ذلك ، أحببت لحظات هدوئه وصفائه القليلة، أحببت هذه القسوة التي رمتني إلى عشق الكتب والقراءة ملاذي ومأواي الذي كنت أعثر فيه على حياة أخرى تنسيني الخوف والقلق وهجومات الراهب القاسية المضطربة المعذبة التي تنتزع مني الشعور بالأمان. كانت القراءة من يحميني من عالم يكبر من حولي ويتسع ومفروض علي أن أفهمه وأتقيه وأنتمي إليه وأربي ميكانيزمات الدفاع والثقة تلك الثقة التي كانت تهددها صرامة الشيخ وقسوته وسلطته وتهديده ومواجهته لك بأنك لن تنجحي ولن تصلي إلى تحقيق أهدافك (تشكيك وتحقير وإغراق في الشعور بالذنب…) رغم أنه في أحيان أخرى يشجعك ويدفعك لتربي قوتك بنجاحك في دراستك والعمل الذي يحميك من تهديدات الحياة. كيف يمكنك أن توفقي بين الشعور بالحب والكراهية اتجاهه.. الشعوران اللذان لازماك حتى آخر نفس له، شعور أنه بقسوته والجدران التي علاها بينك وبينه حرمك حتى من الاقتراب منه وضمه وتقبيله والحنو عليه في ضعفه وشيخوخته هو المكابر العزيز الذي كان لايرضى أن تمس قوته وجبروته ولايعترف بضعفه.. يقسو ليكون.. يجلد ليتحكم… لم تدركي إلا متأخرة عندما جلست قريبا إلى طبيبك الخاص تتكلمين إليه وتبكين عندما اشتبكت أحاسيسك اشتباكا مظلما وعجزت أن تشقي طريق الفهم والضوء أمام ظلمات تراكمت وكادت تفقدك التوازن..متى أخبرك الطبيب بضرورة وضع مسافة صارمة بين الحب والكراهية متى اوصاك بمراعاة القرب منه ووضع حد لأذرعه الأخطبوطية التي امتدت لتستولي على حياتك الراهنة وكادت تلتهمها هي أيضا.. متى وعيت بضرورة حماية حياتك في الحاضر من استيلاء أنانية تكبر وتكبر ولاترى سوى نفسها تتغدى ممن حولها… أبي أحبه حد الوله وأكرهه.. ويمكن للحب أن يؤذي ويعذب ويفتك ويحرق أيضا…أي كابوس ذاك الذي قض مضجعي هلعا في آخر أيامه حين رأيتني أصعد أدراجا نحو غرفته وأنا خائفة من رؤيته عندما وجدته في فراشه مستلقيا بنظراته المتوعدة وبوجهه الأحمر، وقفت خائفة وانا أراه ينفجر غضبا ليختفي في دمه الغريب، ولأموت جزعا باحثة عنه عندما أدرت رأسي لأجده جالسا يسند ظهره إلى الحائط في دعة وطمأنينة وكأنه تخلص من حمل ثقيل…كان ذاك هو أبي الذي أحبه…


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.