مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة    مراكش.. حجز 500 مليون سنتيم بمنزل شخص انتحل صفة وكيل الملك    24 غراما من مخدر "الكوكايين" توقع بشخصين في قبضة درك باب برد    الرباط تحتضن اللقاء الثلاثي السنوي والدوري بين المدراء العامين للشرطة بالمغرب وإسبانيا وألمانيا    اللاعبون المغاربة عازمون على تحقيق الفوز أمام الكاميرون    الرباط.. انعقاد الاجتماع الدوري المخصص لتتبع تنزيل ورش الجهوية المتقدمة    الأمم المتحدة تختار المغرب من جديد في مهمة محاربة الإرهاب    بايتاس: المداخيل الجبائية في المغرب سترتفع إلى 366 مليار درهم بحلول 2026    الكونغرس الأمريكي يحتفي بالعلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة    رئاسة النيابة العامة: تسجيل 152 مخالفة مرتكبة بالملاعب المحتضنة لمنافسات كأس إفريقيا 2025 إلى غاية 6 يناير الجاري        إجراء قرعة كأس أمم إفريقيا للسيدات (المغرب 2026) يوم 15 يناير الجاري والإعلان عن الفائزات المتبقيات في فئات جوائز "الكاف" 2025    مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم يتعلق بإحداث وتنظيم الأكاديمية المغربية لمهن الطيران    ماكرون: العلاقات مع المغرب ركيزة أساسية للدبلوماسية الفرنسية    أسود الأطلس ضد عقدة التاريخ .. قمة كروية مفتوحة بين المنتخب الوطني والكاميرون من أجل مقعد بالمربع الذهبي    افتتاح فعاليات المعرض الوطني الكبير بالرباط.. محطة تأمل في ستة عقود من الإبداع التشكيلي المغربي    مدينة أكادير تحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة على إيقاع أجواء احتفالية متنوعة وتذوق أطباق تقليدية    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    الجامعة تحتج لدى "الكاف" بسبب تأخر تعيين حكام مباراة المغرب والكامرون    سانشيز يدعو إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب    الحكومة تقر إحداث أجرة عن خدمات مؤسسات التكوين الفندقي والسياحي    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    نشرة إنذارية.. موجة برد من الجمعة إلى الأحد بعدد من مناطق المملكة    موجة برد تمتد إلى الأحد بهذه الأقاليم    الركراكي .. مواجهة المغرب والكاميرون بمثابة معركة حقيقية بين منتخبين كبيرين        استدعاء وزير الفلاحة للبرلمان لمناقشة اختلالات استيراد وتخزين القمح        مقتل شرطي إيراني طعنا قرب طهران    "الإمارات للدواء" تسحب بعض منتجات حليب الأطفال "نستله"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    إصابة مادورو وزوجته خلال الاعتقال    الولايات المتحدة تنسحب من 66 منظمة دولية بينها 31 أممية    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية    قرنان ونصف من الثقة: كيف تحولت الصداقة المغربية-الأمريكية إلى شراكة جيوسياسية    الجمعية العامة للأمم المتحدة.. تعيين هلال للمشاركة في تيسير مراجعة الاستراتيجية العالمية الأممية لمكافحة الإرهاب    فيدرالية الأحياء السكنية بالجديدة تلتقي مع المدير الإقليمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات االبيضاء سطات    الحبس لمتزوجة وخليلها بالجديدة.. استغلت غياب زوجها وعائلته تضبطها في حالة تلبس داخل منزلها    تحذير عاجل.. ميزة خفية في Gmail قد تضع خصوصية المستخدمين على المحك    "التعري الافتراضي".. الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي وتهديد خطير للخصوصية    زياش و"الكان"... حينما تسقط القوانين قناع الإشاعة    مطار محمد الخامس.. إسناد صفقة بناء المحطة الجوية الجديدة للتجمع المغربي "SGTM" و"TGCC"    كرة القدم.. نيمار يمدد عقده مع سانتوس حتى نهاية 2026        جامعة الشيلي تمنح ميدالية رئاستها لسفيرة المغرب كنزة الغالي    من تنظيم جمعية جوهرة الفنون الثقافية الدورة الرابعة لمهرجان تارودانت الدولي لفنون الشارع    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    الرباط والبيضاء ومراكش تحتضن الدورة 31 لأسابيع الفيلم الأوروبي من 28 يناير إلى 11 فبراير    رمضان بلا "سيتكومات".. التلفزة المغربية تطوي صفحة كوميديا الانتقادات    مهرجان "حلالة العربي".. صرخة إبداع في وجه الفقر الثقافي    هيئات تطالب الداخلية والثقافة بالتحقيق في أبحاث أثرية سرية غير مرخصة جنوب المغرب    نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد أركون: زعزعة اليقينيات و«اللاّمفكر فيه» في الإسلام
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 22 - 07 - 2019

يُعد محمد أركون (1928-2010) أحد أبرز علماء الإسلاميات في التاريخ المعاصر. أسس «علم الإسلاميات التطبيقية» في دراسة «الإسلام النصي» (القرآن والسُنّة) و»الإسلام التاريخي»، موظفاً كل المناهج الجديدة التي ظهرت في مجال العلوم الاجتماعية الحديثة لفهم الظاهرة القرآنية والظواهر المنبثقة عنها.

علم الإسلاميات التطبيقيّة وحداثة الإسلام
برزت المقاربة المنهجية ل"علم الإسلاميات التطبيقية" عند أركون في كامل مشروعه حول "نقد العقل الإسلامي"؛ فالمهمة الرئيسة "للإسلاميات التطبيقية عنده- تدرس الإسلام ضمن منظور المساهمة العامة لإنجاز الأنثروبولوجيا الدينية" أي أن "نخضع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن، وللتحليل الألسني التفكيكي، وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه". بمعنى آخر " خلق الظروف الملائمة لممارسة فكر إسلامي، محرر من المحرمات والميثولوجيا البالية، ومحرر من الأيديولوجيات الناشئة حديثاً"، بما يؤدي إلى فهم منهجي أعمق يتخطى المناهج التقليدية التي طرحتها "الإسلاميات الكلاسيكية"؛ ف "لم يعد ممكناً – كما يخلص أركون- تقديم الإسلام بواسطة فرضيات جوهرية وذاتية وذهنية وثقافية وتاريخية ومادية وبنيوية (…) إنه لن يعود هناك من مكان للحديث عن الإسلاميات التطبيقية، إذا ما تحملت الإسلاميات الكلاسيكية بدورها، وبشكل تضامني، كل الصعوبات الحالية للمجتمعات العربية والإسلامية من جهة، ومخاطر ممارسة علمية هي الآن في أوج تجددها من جهة أخرى" (راجع: أركون، محمد، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1998، ص 56 وما بعدها).
يتجاوز مشروع أركون الإسلام إلى الأديان التوحيدية الأخرى: "لكي يصل إلى العقل اللاهوتي عند أهل الكتاب، فيتحول مفهوم أهل الكتاب إلى المفهوم الأنثروبولوجي _التاريخي: مجتمعات أم الكتاب والكتاب؛ ثم إلى نقد العقل الديني، حتى يحل الإسلام وتحل الأديان المنزلة محلها الحقيقي في ميدان التعرف الأنثروبولوجي على الأديان العالمية منها والمحلية الموسومة بالوثنية، منذ أن انتصر العقل اللاهوتي المعتمد على سلطة الإمبراطورية (…) ويزداد المشروع اتساعاً بنقد عقل الأنوار الذي فرضته أوروبا البورجوازية والرأسمالية كأنموذج عالمي بديل للأنموذج الديني" (أركون، محمد، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال، أين هو الفكر الإسلامي اليوم؟ ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثالثة، 2006، ص 7).
يتبع أركون "المنهجية التعددية لا الأحادية الجانب" في مشروعه الفكري الضخم فيقول: "لا أطبق منهجية واحدة على التراث الإسلامي، بل منهجيات عدة، كالمنهجية الألسنية، والمنهجية التاريخية، والمنهجية الاجتماعية، والمنهجية الأنثروبولوجية، وأخيراً التقويم الفلسفي العام أو الخلاصة النهائية. وهذا يعني أنني من أتباع الإبستمولوجيا التعددية التاريخية: أقصد فلسفة المعرفة التعددية التاريخية، وبالتالي، لا يمكن حصري في مدرسة واحدة أو مذهب فكري واحد أو موقف واحد للعقل أو تيار واحد" (المرجع السابق، ص 17).
قراءات في القرآن: زعزعة اللاّمفكر فيه
يشكل "قراءات في القرآن" (ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2017، 686 صفحة) العمل التأسيسي الذي دشن عليه أركون كامل مشروعه. ظهر الكتاب لأول مرة عام 1982 بالفرنسية لدى دار نشر باريسية، ثم أعيد نشره مرة ثانية عام 1991 في تونس. بعد هذه الطبعة أمضى المؤلف فترة طويلة في التطوير والتنقيح والإضافة، فصدرت الطبعة الثالثة بعد وفاته عام 2016 عن دار (Albin Michel) في فرنسا.
جاء الكتاب في (12) فصلاً وزعت على النحو الآتي: الفصل الأول: كيف نقرأ القرآن اليوم؟؛ الفصل الثاني: حول مشكلة الصحة الإلهية للقرآن؛ الفصل الثالث: قراءة سورة الفاتحة؛ الفصل الرابع: إعادة قراءة سورة الكهف؛ الفصل الخامس: من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي: دراسة مكانة المرأة في الشريعة الإسلامية؛ الفصل السادس: هل يمكن التحدث عن العجيب المدهش أو الساحر الخلاب في القرآن؟؛ الفصل السابع: مدخل إلى دراسة العلاقات بين الإسلام وبين السياسة؛ الفصل الثامن: الدين والمجتمع طبقاً لمثال الإسلام؛ الفصل التاسع: الحج في الفكر الإسلامي؛ الفصل العاشر: الوحي، والتاريخ، والحقيقة؛ الفصل الحادي عشر: من أجل قراءة "ما فوق نقدية" لسورة التوبة؛ والفصل الثاني عشر: " التشكيل المجازي للخطاب القرآني".
إن الحجم الكبير للكتاب وكثافة أفكاره والإشكاليات المطروحة فيه، تحتاج إلى مراجعات وتعقيبات وافية، لا سيما أن بعض فصوله ناقشت قضايا على درجة نقدية عالية، وخرجت بنتائج علمية تصدم "العقل الفقهي". لقد انشغل أركون بهم معرفي أساسي في "وصيته الفكرية الأخيرة" – كما وصفت الكتاب المجلة الفرنسية (Le Monde des Religions) –: زعزعة اليقينيات و"اللامفكر فيه" في الإسلام، بهدف التحرر من الانغلاقات الدينية الموروثة التي تكبل مقاصد النصوص التأسيسية وتقف حاجزاً أمامها، على اعتبار أن النص الديني مفتوح على التأويلات المتعددة والمعارف المختلفة مما يسمح –وفقاً لمنهجية علم الإسلاميات التطبيقية- بإدخال الإسلام في الحداثة واستيعابها والتصالح معها كما فعلت المسيحية في أوروبا.
الدوغمائيّة الحرفيّة والخطاب الإسلامي
يطرح صاحب "العلمنة والدين" في الفصل الأول من كتابه الإشكاليات الآتية: كيف يمكن أن نقرأ القرآن اليوم؟ هل ينبغي أن نراكم جبالاً من التبحر العلمي الأكاديمي لكي نبعث من مرقدها، حتى في لحظة القراءة فقط، معاني ودلالات قديمة تظل غائبة عن حياتنا اليومية وغريبة عنها تماماً؟ هل يمكن الاقتصار على التحليل المفهومي فقط، وتقليص كلام الله إلى مجرد وثيقة قابلة للفكّ والشرح عبر عالم الفيلولوجيا الاستشراقي؟ ثم بوجه خاص أو أخص، هل ينبغي أن نستمر في النظر إلى القرآن بمنزلة كتاب المسلمين في كل الأحوال، أو أنه في أفضل الأحوال يكتشفه غير المسلم بنوع من الودّ والتسامح دون أن يشعر بأنه يعنيه شخصياً بشيء؟
يخلص أركون إلى أن هذه الأسئلة "طرحت في الأوساط اليهودية والمسيحية بخصوص التوراة والعهد الجديد. حاول علماء لاهوت وفلاسفة مشاهير منذ بضع سنوات تجاوز الإشكالات الكلاسيكية، لكي يستطيعوا التحدث عن الله بما يتناسب مع فكرنا الحديث ومعارفنا المعاصرة، ولكن مثل هذا الجهد التجديدي الكبير لم يحدث حتى الآن في ساحة الفكر الإسلامي. مثلاً، لا نجد في الساحة الإسلامية شخصيات فكرية لاهوتية تعادل أندريه نيهير (André Neher) بالنسبة إلى الفكر اليهودي، أو جان دانييلو (Jean Danielou) وإيف كونغار (Yves Congar) وجاك ماريتان (Jacques Martain) وإيتيين جيلسون (Etienne Gilson)…إلخ بالنسبة إلى الفكر الكاثوليكي، أو كارل بارت (Karl Barth) ورودلف بولتمان (Rudolf Bultmann) وأندريه دوما (André Dumas )…إلخ بالنسبة إلى الفكر البروتستانتي" (قراءات في القرآن، ص 80).
سعى أركون في كتابه إلى تفكيك "الدوغمائية الحرفية" التي ينهض عليها الخطاب الإسلامي الحركي والفقهي، في إطار صراعه التاريخي مع العقل، وذلك انطلاقاً من "التوتر الصراعي الكائن بين العلوم الدينية أو التقليدية من جهة، والعلوم الدخيلة (الأجنبية) من جهة أخرى. هنا يكمن جوهر المشكلة. هكذا نجد أنفسنا وقد رجعنا إلى التقلبات الأيديولوجية التي طرأت على مكانة العقل وأنماط العقلانية المتصارعة داخل السياقات الإسلامية وذلك بدءاً من القرن الثامن ميلادي" (المرجع نفسه، ص 35). ثمة خلاصة هامة تشكل أحد أبرز الخلاصات الأساسية في الكتاب، يفسر فيها أركون أسباب تراجع "العقل الفلسفي" في الحضارة العربية والإسلامية. يقول: " بعد الحضور الهش والمقاومة المشرفة للعقل الفلسفي في الإسلام الكلاسيكي، فإن تيار العلوم الدينية والقرآن اللامخلوق هو الذي انتصر وهيمن على العالم الإسلامي منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا. بمعنى آخر: إن المعتزلة هزموا والفلاسفة هزموا ولم ينتصر إلاّ التيار الحنبلي – الأشعري. إذا لم نأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، فلن نفهم شيئاً من شيء ضمن ما يحدث اليوم. إذا لم نفهم الماضي بل الماضي البعيد، فلن نفهم الحاضر" (المرجع نفسه، ص 36).
القطيعة الإبستيمولوجيّة والعقل التّأصيلي
وضع أركون في مشروعه حول "نقد العقل الإسلامي" مفاهيم ومصطلحات وخلاصات جديدة، وأفاد من مناهج العلوم الاجتماعية الحديثة التي وسعت مداركه وقدرته الفذة على استنطاق النصوص الدينية في الإسلام. تحدث عن الطابع السكولائي الاجتراري (Scolastique) للتراث، معتبراً أن استمرار هذا العقل الممتد منذ القطيعة مع التراث التنويري هو السر في تخلفنا، من دون أن يطالب بطيّ الصفحة معه، داعياً إلى ممارسة القطع مع العقل التأصيلي، ورفض القطيعة مع العقل الإسلامي ككل. (انظر: الفلسفة والمدينة أعمال المؤتمر الفلسفي اللبناني – العربي، المركز الدولي لعلوم الإنسان، جبيل، 2013). هذه الدعوة دفعته إلى تبني مفهوم "القطيعة الإبستيمولوجية" (La Rupture épistémologique) التي أسس لها فلاسفة غربيون من بينهم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (Gaston Bachelard) الذي بنى تصوره لتاريخ العلوم على هذا المفهوم إلى جانب مفهوم العائق الإبستيمولوجي ومفهوم الجدل. وهو مفهوم يعبر في نظره عن فترات الانتقال الكيفي في تطور العلوم. فبقدر ما تحدث تلك الكيفية، بقدر ما تحدث قطيعة إبستيمولوجية بين الفكر العلمي الجديد والفكر السابق له.
يأتي هذا التصور ضد نظرية الاستمرارية التي نادى بها إميل ميرسون (Emil Meyerson) وليون برنشفيك (Léon Brunschvicg) إذ يذهب القول بالاستمرارية من وجهة نظر هذا الاتجاه إلى أن كل معرفة علمية جديدة هي استمرار للمعرفة العلمية السابقة، فتاريخ العلم سلسلة يتولد بعضها من بعض. وما التغير الذي يحدث في العلم إلا تغير تدريجي. ويدللون على صحة رأيهم بالتطور التدريجي للمنهج العلمي وطريقة انتشاره. في حين يقول باشلار: إن في تاريخ العلوم قفزات كيفية ينتقل بفضلها إلى نظريات جديدة، لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد استمرار للفكر السابق. فبقدر ما تتحقق تلك القفزات الكيفية، بقدر ما تتحقق قطيعة إبستيمولوجية بين المعرفة العلمية والمعرفة العادية. (راجع: الإبستيمولوجية، الموسوعة العربية، المجلد الأول، ص 78. راجع أيضاً: بوعزة ساهل، أوراق باشلارية، دار القرويين، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2001، ص33).
الإسلام والسّياسة والدراسة النقديّة للتراث
ناقش أركون في كتابه "قراءات في القرآن" العلاقة بين الإسلام والسياسة من منظور جديد، مقدماً مجموعة من النقاط في دراسته للسلطة السياسية في التاريخ الإسلامي. إلى ذلك تناول العلاقة بين الدين والمجتمع طبقاً لمثال الإسلام، مفنداً بعض أطروحات الاستشراق الكلاسيكي في هذا المجال وإسهاماته العلمية، ومشدداً على أهمية رصد الجهود في سبيل دراسة المجتمعات العربية والإسلامية التي لا تزال مجهولة (من مثل علم الآثار وعلم العراقة والأقوام والفنون والتراث الشعبي والتاريخ الاجتماعي والتقني) حتى الآن، بعيداً من التأريخ الإسقاطي والمؤدلج، على عكس المجتمعات الغربية المتقدمة التي درست في كل شاردة وواردة وطبقت عليها أحدث المناهج العلمية.
عالج صاحب "الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد" ظاهرة انفجار المدّ الأصولي في العالمين العربي والإسلامي بدءاً من سبعينيات القرن المنصرم. هذا المد الأصولي لا يمكن فصله عن "انتعاش القانون الديني" أي الشريعة الإسلامية في دول عربية وإسلامية، وهو إن دل على شيء، فعلى "قوة تغلغل القوالب التقليدية في الإدراك والتصور والممارسة في حياة الأفراد والشعوب المعنية" (قراءات في القرآن، مرجع سابق، ص 398). إن الحركات الإسلامية تنمو بسرعة داخل البيئات الاجتماعية الأكثر ميلاً إلى أنماط التدين غير العقلاني، وهي غالباً توظف الاضطرابات التي تمر به فئات محددة في سبيل توطيد نفوذها وعمقها المجتمعي.
يدعو أركون إلى نزع "الأسطرة التبجيلية" و"التهويلية" عن الماضي العربي الإسلامي، لافتاً إلى ضرورة الانخراط في الدراسة النقدية للدين على طريقة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber) أو إرنست تروليتش (Ernst Troeltsch) [أستاذ علم اللاهوت البروتستانتي في جامعة هايدلبرغ (Heidelberg University)]. هنا نجده ينتقد العديد من الباحثين العرب دون أن يسمي أحداً منهم، لأنهم لم يناقشوا بشكل علمي ونقدي صريح الموروث الديني والتراثي والتاريخي. ويعود بنا إلى من يسميهم "منشطي تياري النهضة والثورة" من أمثال الشيخ الأزهري علي عبد الرازق، صاحب الكتاب الشهير "الإسلام وأصول الحكم" (1925) وعميد الأدب العربي طه حسين صاحب "في الشعر الجاهلي" (1926). ويرى أن هؤلاء لم يجازفوا في الدخول في الصراع ضد الكهنوت الإسلامي، كما فعل فولتير (Voltaire) ضد الكهنوت المسيحي، كما لم يساهموا في تفسيخ العقائد اللاهوتية الدوغمائية والوعي غير الصحيح على طريقة ميشيل دي مونتين (Michel de Montaigne) ، ولم يدخلوا في صراع دائم وذي دلالة أو أهمية تذكر، من أجل تعرية الأصول الآنية والاحتمالية والدنيوية للشريعة. وأخيراً، لم يفعلوا أي شيء لبلورة لاهوت إسلامي جدير بعصرنا وبالروح العلمية الجديدة. في النتيجة، أين هي النهضة؟ وما معنى النهضة دون ذلك؟ إنه لأمر ذو دلالة بالغة أننا لا نزال نعيش حتى اليوم على رسالة التوحيد لمحمد عبده الجديرة بالتقدير، ولكنها لا تخلو من الضعف أيضاً. إن جدار الصمت الثقافي المريب المضروب حول الدين (…) يدل إما على غياب المبالاة لدى المجددين المعاصرين بالعقائد الشعبية، وإما خوفهم من التعرض لموضوع حساس وملتهب كالاعتقاد الديني، وإما غياب كفاءتهم العلمية، أي تزودهم العلمي والمنهجي بنظام خاص وجديد من المعرفة، وإما تفضيلهم الإغراق في الاستغلال الأدبي للموضوعات الدينية المشوقة للقارئ. في كل الأحوال نلاحظ أن الدين مهجور من المثقفين الحداثيين ومتروك كلياً لكي يتلاعب به المشايخ التقليديون والدعاة والموظفون الدينيون المسؤولون عن تسيير شؤون العبادات والتقديس في المجتمع، كما أنه متروك لمستهلكيه الذين لا يعدون ولا يحصون" (المرجع نفس، ص 459-460).
لقد أصاب أركون في تحليله علاقة النخبة بالنقد التاريخي والعلمي للدين. وعلى الرغم من أن نقد الفكر الديني تفجر في بدايات القرن العشرين وترك تأثيرات ايجابية على مجمل الحركة الثقافية في العالم العربي، غير أنه دخل في انتكاسة كبيرة لأسباب عدة، يرتبط بعضها بتنامي الحركات الأصولية التي تدعي احتكار المعنى والحقيقة، وبتوطيد الأنظمة الاستبدادية التي أسست لروابط تبادلية ووظيفية مع المؤسسات الدينية، مما ساعد على تراجع كارثي لأدبيات نقد الفكر الديني. وتفاقمت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، ويمكن ملاحظة تراجع الإنتاج المعرفي العلمي النقدي عندنا مقابل تقدم الأدبيات الدينية التبجيلية وإعادة نشر كتب التراث.
تطرق أركون إلى موضوعات حساسة لها أهمية كبيرة لعصرنا اليوم. ولا ريب أن مشروعه في نقد العقل الإسلامي يتطلب المزيد من الاهتمام، ومن المفيد جداً أن يدرج منهجه حول الإسلاميات التطبيقية- لاسيما الأنثروبولوجيا الدينية وعلم الأديان المقارن- في مناهج الدراسات الإسلامية داخل الجامعات والمعاهد العربية المعنية بهذا التخصص، بدل الاكتفاء بالأدبيات التراثية المكررة التي لا تشكل وعي علمي جديد قادر على مصالحة الإسلام مع الحداثة وتجاوز الانغلاقات اللاهوتية والتاريخية.
لا تدعي هذه القراءة السريعة الإحاطة بأهم الإشكاليات والطروحات التي قدمها الكتاب. تمت الإضاءة على بعضها، إذ إن كل فصل من الفصول المدرجة يستحق قراءة وتعقيباً مطولاً.
انهمك أركون في نقد العقل الإسلامي بغية الكشف عن نقاط الخلل فيه، مقترحاً إمكانات نظرية علمية جديدة، تهدف بالدرجة الأولى إلى النهوض بوعي إسلامي حداثي يواكب تحديات العصر ويجيب عن التحديات الكبرى؛ أي تلك التحديات المرتبطة بكيفية بناء عقل نقدي، يُخرج المجتمعات العربية والإسلامية من الانسداد التاريخي الراهن ومن قيود العقل الخرافي. إن عملية الإصلاح الجادة لا بد أن تبدأ بالإصلاح الديني في موازاة الإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حرية التفكير والتعبير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.