إن "البلاغ المشترك" الصادر عن مكوّنات المعارضة، والفرق النيابية، والمجموعة النيابية، والنواب غير المنتسبين بمجلس النواب، ليس مجرد إعلان سياسي عابر؛ بل هو حدث دستوري بامتياز. فاللجوء إلى الإحالة على المحكمة الدستورية بخصوص مشروع القانون رقم 02.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة يُعبّر عن انتقال النقاش من دائرة "المزايدات السياسية" إلى أفقٍ أعلى: أفق حماية الدستور وضمان اتساق التشريع مع الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية الصحافة والنشر. هذه المبادرة، كما ورد في البلاغ، استندت صراحةً إلى الفصل 132 من الدستور وإلى المقتضيات التنظيمية والمسطرية المؤطرة لإحالة القوانين على المحكمة الدستورية، بما يؤكد أن البرلمان – حين يفعل أدواته – لا يشرّع فقط، بل يُراقب ويحصّن المسار الديمقراطي من داخل المؤسسات. إن الاستناد إلى المحكمة الدستورية ليس تعطيلًا للتشريع، بل هو ترشيد للتشريع. ففي الأنظمة الدستورية الحديثة، ليست قوة الدولة في كثرة القوانين، بل في "جودة القاعدة القانونية" ومدى احترامها لمرجعية الدستور. وعندما يتعلق الأمر بالصحافة، فإننا لا نتحدث عن قطاع مهني فحسب، بل عن إحدى الضمانات العميقة للديمقراطية: مراقبة السلطة، كشف الاختلالات، حماية الحق في المعلومة، تكوين رأي عام مسؤول ومراقب، وفتح المجال العمومي للنقاش الحر والمسؤول. ومن هنا، تُقرأ الإحالة كفعلٍ مؤسساتي يضع حرية الصحافة في موقعها الصحيح؛ ليست منحةً من السلطة، بل حقٌّ دستوري، وأي تنظيم قانوني لها يجب أن يمر عبر معيارين صارمين: أولهما، معيار الشرعية الدستورية: هل ينسجم النص مع الدستور؟ ثانيهما، معيار الضرورة والتناسب: هل القيود – إن وُجدت- ضرورية ومتناسبة ولا تمس جوهر الحق؟ إن المجلس الوطني للصحافة ليس إدارةً عمومية؛ إنه مؤسسة يفترض أن تُجسّد فلسفة التنظيم الذاتي للمهنة؛ أي أن المهنة تُنظّم جزءًا من شؤونها بنفسها، تحت سقف القانون، مع احترام استقلاليتها عن السلطة التنفيذية وعن توازنات الأغلبية الحكومية. غير أن البلاغ يلمّح بوضوح إلى أن المشروع، في صورته المحالة، يثير تخوفًا من تحويل المجلس من فضاءٍ للتنظيم الذاتي إلى آلية ضبط سياسي-إداري للمهنة، وهو ما أكدتها في كتابات سابقة منذ تم وضع هذا المشروع، وهو الذي من شأنه أن يخلق مناخًا من "الرقابة المقنَّعة"، أو يجعل حرية الصحافة رهينة ترتيبات قانونية تبدو تقنية، لكنها تمس جوهر الاستقلالية. وهنا تصبح الأسئلة الحقيقية ليست تقنية، بل دستورية وفلسفية: – هل يُعزز المشروع استقلال المهنة أم يضعفها؟ – هل يضمن تمثيلية مهنية عادلة أم يعيد تشكيلها على نحوٍ يخلّ بالتوازن؟ – هل يوفر ضمانات إجرائية عادلة في التأديب والمساءلة أم يفتح الباب لعقوبات ومعايير فضفاضة؟ – هل يوازن بين حرية التعبير ومتطلبات أخلاقيات المهنة دون الانزلاق إلى تقييد الحق؟ من أهم ما ورد في البلاغ الإشارة إلى أن هذه الإحالة جاءت في سياق "إصرار حكومي" على تمرير النص. وهذه العبارة ليست تفصيلًا؛ لأنها تعكس في العمق توترًا بين منطقين: – منطق "الأغلبية العددية" التي قد تميل أحيانًا إلى اختزال التشريع في تصويتٍ سريع. – ومنطق "الأغلبية الدستورية" التي تعني احترام النقاش العمومي، واستحضار الآراء الاستشارية، وتقديم نصٍّ يستجيب لالتزامات الدولة الدستورية والحقوقية. وفي هذا السياق، تكتسب الإحالة بعدًا تربويًا في الحياة البرلمانية؛ إنها رسالة بأن حماية الحريات ليست شأنًا أخلاقيًا فقط، بل شأنٌ دستوري، وأن البرلمان ليس "قاعة تصويت" بل مؤسسة توازن وضمان. من جهة اخرى يذكر البلاغ أن النص أثير بشأنه نقاش واسع، وأنه يثير اختلالات، مع الإشارة إلى آراء استشارية صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان. وهنا تبرز نقطة جوهرية في التحليل: الآراء الاستشارية ليست بديلًا عن التشريع، لكنها مؤشر نوعي على "المعيار الحقوقي" للنص. فعندما تُسجّل مؤسسات دستورية/وطنية ملاحظات قوية، فإن تجاهلها لا يبقى مجرد خيار سياسي، بل قد يتحول إلى قرينة على ضعف البناء الحقوقي للقانون، وإلى عنصر مؤثر في تقدير المحكمة الدستورية لمدى احترام المشرّع لمقتضيات الدستور وروحه. وأمام هذا وذاك، ماذا ننتظر من المحكمة الدستورية؟ إن دور المحكمة الدستورية هنا لا يقتصر على "التصديق أو الرفض"، بل يتجاوز ذلك إلى تأطير معنى حرية الصحافة في النظام الدستوري المغربي، وتحديد الحدود الفاصلة بين: – التنظيم المشروع للمهنة – وبين التدخل الذي يمس جوهر الحرية أو يفرغ التنظيم الذاتي من محتواه. ومن ثم، فإن قرار المحكمة -أياً كان مضمونه- سيشكل سابقة معيارية: إما تكريسًا لاتجاه يوسع ضمانات الحرية، أو ضبطًا لحدود تدخل المشرّع عندما يتعلق الأمر بمجالٍ شديد الحساسية في أي دولة تسعى لتقوية نموذجها الديمقراطي. وبعيدا عن الاكتفاء بالصراع السياسي حول المشروع، يمكن تلخيص مدخل الإصلاح في ثلاث قواعد: 1. ضمان استقلالية المجلس الوطني للصحافة عبر هندسة قانونية تحميه من أي هيمنة محتملة. 2. تعزيز التنظيم الذاتي الحقيقي بما يضمن تمثيلية مهنية عادلة وشفافة. 3. إقرار ضمانات دقيقة في التأديب والمساءلة وفق معايير الوضوح، والشرعية، والتناسب، والحق في الدفاع، وتفادي العبارات المطاطة التي قد تُستعمل خارج مقصدها. أخيرًا، في الثقافة والمنهج الدستوريين، إن الإحالة على المحكمة الدستورية ليست خطوة ضد أحد، بل خطوة لصالح الدولة الدستورية. إنها حماية لمسار التراكم الإيجابي للحقوق والحريات لبلادنا، بل إنها اختبارٌ لمتانة البناء الديمقراطي: هل نقبل بأن تكون حرية الصحافة موضوعًا لقوانين قابلة للتأويل المُقيِّد؟ أم نُصرّ على أن الحرية أصلٌ، وأن التقييد استثناء مضبوط بضوابط صارمة؟ في كل الأحوال، ما يقع ليس تفصيلًا؛ إنه لحظة تذكير بأن الدستور ليس وثيقة رمزية، بل عقدٌ سياسي وحقوقي حيّ، وأن حماية الحريات لا تكون بالخطابة، بل بإجراءات مؤسساتية واضحة، من بينها الاحتكام إلى المحكمة الدستورية عندما يختلط التشريع بالحساسية الحقوقية. (*)أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة كلية الحقوق اكدال – الرباط