بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وفي إطار برنامج دعم الجولات المسرحية برسم سنة 2025، احتضنت مدينة خنيفرة، مساء الأربعاء 28 يناير 2026، عرضا مسرحيا حسانيا حمل عنوان «راهِ ألّا كَبّة» (ليس سوى نفايات)، قدمته «جمعية النخيل للثقافة والفن والتربية» القادمة من مدينة كلميم، بتعاون مع جمعية الإبداع لقرية الصناع التقليديين، وذلك على خشبة المركز الثقافي أبو القاسم الزياني، وجاء العرض بعد كلمة ترحيبية مقتضبة، ليفتح منذ لحظاته الأولى أفقًا تأمليا عميقًا، عبر رؤية فنية نقدية صيغت بلغة مسرحية. اشتغل العمل المسرحي على نموذج رمزي للمثقف، لا بوصفه شخصية جاهزة، بل كحالة إشكالية تعكس تناقضات الواقع وأسئلته المؤرقة، في معالجة تمتح من السخرية السوداء، فيما اعتمد العمل إخراجا واعيا أنجزه عبد القادر اطويف، مدعوما بدراماتورجيا عبد الرحمان بندحو، التي منحت النص عمقه الرمزي، فيما تولى التشخيص كل من يوسف التاقي وعلية طوير، مقدمين أداء متوازنا ومكثفًا، استطاع أن يشد انتباه الجمهور ويقوده بسلاسة عبر التحولات النفسية والفكرية للشخصيات. أما السينوغرافيا، التي أشرف عليها م. علي اطويف، فقد حاولت، رغم الإكراهات، أن تصنع فضاء دلاليا يخدم الرؤية العامة للعمل، في حين جاء الاقتباس إلى الحسانية، الذي أنجزته أميمة اطويف، ليضفي على العرض خصوصية لغوية وثقافية، وكم تفاعل الجمهور الخنيفري مع العرض، سواء من خلال الإنصات الواعي أو التصفيق المتكرر، ما عكس تعطشا حقيقيا للمسرح الجاد، غير أن هذا النجاح الفني لم يحجب واقعا مؤلما أعاد الحدث الثقافي تسليط الضوء عليه، ويتعلق بغياب قاعة مسرح تستجيب للشروط التقنية والفنية الضرورية بمدينة خنيفرة. وقد لمحت الكلمة الترحيبية، بأسلوب مهذب لا يخلو من أسف عميق، إلى أن العرض قد يفقد جزء من شروطه الجمالية الكاملة، في ظل غياب تجهيزات أساسية مرتبطة بالإنارة الاحترافية، والهندسة الصوتية، والديكور، وإدارة الحركة، والمؤثرات البصرية، وهي عناصر لا تعد ترفًا، بل مكونات جوهرية في خلق الجو النفسي اللازم لكل مشهد، حيث لم يكن عرض «راهِ ألّا كَبّة» مجرد محطة فنية عابرة، بل مناسبة أكدت أن جمهور خنيفرة، العاشق للفن الرابع، يستحق فضاءات مسرحية تليق بذائقته، وتمنح الإبداع حقه الكامل في التجلي والتأثير. في اشتغال بصري ودلالي كثيف، يفتتح العرض مشاهده بين أكوام من الكتب والدوريات المبعثرة على الخشبة، حيث يتم العثور على كتاب يحمل عنوان المسرحية نفسها، في إحالة رمزية مباشرة إلى المعنى العميق الذي ينسج العمل خيوطه عبر كل تفاصيله، فالمسرح هنا لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يحول الكتاب إلى شاهد على مصير المعرفة، هنا يتحرك بطل المسرحية داخل هذا الركام الورقي باحثًا، منقبا، وكلما عثر على قصاصة مبتورة، تنفجر قهقهته الساخرة، قهقهة موجعة تعلو على منظومة قيم عالم مأزوم، تختزلها عبارة متكررة: «تحدي الموت». غير أن هذه المشاهد، التي سرعان ما تكشف عن هشاشتها، إذ لا يكف البطل عن تنبيه الجمهور إلى «عدم تصديق كل ما يقوله»، في لعبة مسرحية ذكية تفكك العلاقة بين القول والحقيقة، وبين الخطاب والنية، ويمضي النص في تصعيد توتره، مستحضرا في خطاب البطل ثيمات المراقبة والسلطة والتحقيق، عبر حركات صارخة وإيماءات حادة، جسد من خلالها ما يتعرض له المثقف من استفزاز ومضايقة وقهر، في ما يسميه بسخرية مرة «لعبة التحدي» مع «ولد الشعب»، حيث تختلط الشعبوية بالعنف الرمزي، ويصبح التفكير الحر فعلًا محفوفًا بالعقاب. وفي هذا السياق، يبدو المثقف محاصرا من الخارج والداخل معا، عاجزا عن إيجاد موقع آمن داخل مجتمع لا يتسامح مع الأسئلة المزعجة، فيما يكشف النص، عبر مسار الشخصية، كيف تحول المثقف إلى كائن غريب حتى داخل دائرته الحميمية، فدخول الزوجة إلى فضاء الضوء لم يكن مجرد حضور ثانوي، بل لحظة تصادم بين ذاكرة حب قديم وضجيج فكر متعب، بين حياة مشتركة وأحلام مؤجلة، حاولت الشخصية النسائية أن تستعيد ما تبقى من المعنى، غير أن الحوار ظل مشدودا بين الإحباط والحنين، بين الأمل والخذلان. ومع توالي المشاهد، يقترب البطل من حافة الانهيار النفسي، يفكر في الهروب من ثقل الواقع ومن بوصلة المجتمع، فينزلق نحو تخييلات قصوى تعكس عمق الأزمة لا تفاصيلها، من محاولة الانتحار شنقا أو حرقا أو طعنا، وفي كل مرة يتراجع أمام صوت داخلي خافت يدعوه إلى النجاة، ولو مؤقتا، وتبلغ الرمزية ذروتها حين يرتمي داخل فضاء النفايات، في صورة بليغة عن الإقصاء الذاتي والجماعي معا، فلا يجد من يمد له يد العون سوى رفيقة عمره، التي تعيده، قسرا أو حبا، إلى تماسٍ مع الواقع. هذه الخاتمة لم تأت معزولة عن سياقها، بل حملت دلالة أوسع، تحيل إلى أولئك الذين أساءوا أو خانوا أو تسببوا في أذى الآخرين، ثم وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع نتائج أفعالهم، دون شجاعة الاعتراف العلني بالأخطاء، وبهذا، يوسع النص أفق قراءته، ليغدو نقدا أخلاقيا وسياسيا في آن، لا يبرئ أحدا، ولا يعفي الخطاب من مسؤوليته، لتنتهي المسرحية وهي تضع المثقف في قلب المأساة، بوصفه أول ضحايا قمع حرية الكلمة، وتكميم الأفواه، وتطويق الإبداع بخطوط حمراء، تحوّل الفكر من فعل تحرر إلى عبء، ومن حلم جماعي إلى عزلة فردية. واختتم العرض، الذي راهن على نص غارق في الرموز المفتوحة على تعدد القراءات والاحتمالات، وبعد تتويج اللقاء بكلمة مقتضبة للمسير، أعقبتها مداخلة للسينوغرافي، الذي قرب الحضور من بعض خلفيات العرض وخياراته الجمالية والفكرية، ومن ذلك إلى لحظة اعتراف وتقدير، من خلال تكريم عدد من الوجوه الحاضرة، من بينها مسؤولون عن قطاعي الشباب والثقافة، وفاعلون جمعويون وإعلاميون، إلى جانب مشاركين في قافلة الوحدة والتواصل، من المعتقلين السابقين لدى جبهة البوليساريو بمخيمات العار. وتأتي مسرحية «راهِ ألَّا كَبَّة» لتكرس المسار الفني ل «جمعية النخيل للثقافة والفن والتربية»، بعد عرضها «گرفاف»، المقتبس عن مسرحية «الدب» لأنطوان تشيكوف، وهو عمل أكد بدوره انفتاح الجمعية على النصوص العالمية وإعادة قراءتها برؤية محلية، كما ينسجم هذا الإنتاج المسرحي مع هوية الجمعية الثقافية العامة، المعروفة أيضا بتنظيم مهرجانها السنوي للشعر والقصة، وبإصدار مجلة «وادي درعة» التي يشرف على إدارتها الفنية م. علي أطويف، ما يجعل من تجربة الجمعية مشروعا متكاملا في أفق ترسيخ فعل ثقافي جاد ومتجدد.