مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، بدأت تظهر بوادر الهروب من أحزاب إلى أخرى بحثا عن تزكية تضمن المرور إلى المجلس التشريعي بأقل تكلفة. وكان أول حزب يعرف فرار بعض أطره هو الاتحاد الاشتراكي، والمستقبل هو حزب التقدم والاشتراكية، غاية في نفس يعقوب. وهناك فرار من أحزاب إدارية إلى أخرى، من الأحرار نحو حزب الأصالة والمعاصرة، ومن المعاصرة نحو الأحرار، بنفس المنطق. وهناك من يطرح تحالف أحزاب اليسار من أجل تبوؤ مركز متقدم في الانتخابات المقبلة، طمعا في موقع حكومي. أصبح المشهد السياسي يعرف حمى انتخابية وسط أحزاب الأغلبية الحكومية، خاصة بعد أن تم إبعاد أخنوش عن رئاسة الحزب الذي يرأس الحكومة، إبعاد كانت له تداعياته على التحالف الحكومي، بالإضافة إلى الخلاف العميق بين رئيس الحكومة والوزير وهبي على إثر سحب مشروع قانون المحاماة (26.20) من بين يديه، مما سيؤدي إلى انهيار التحالف الحكومي المقدس ضد الشعب المغربي الذي عانى من حكومة أخنوش ما لم يعانِه أبدًا من قبل. في ظل هذه الظروف، يدعو الأمين العام لحزب الكتاب إلى تحالف أحزاب اليسار من أجل الانتخابات التشريعية المقبلة. وهي دعوة تحترم، لأن السياسة ليس لها طعم، ولكن أي تحالف لا يمكن أن يتحقق في ظل اختلاف واضح من حيث المبادئ والمنطلقات، مما سيؤدي حتما إلى التفكك عند أول محطة. وبالعودة إلى التجارب السابقة التي عرفها المشهد السياسي بمناسبة الانتخابات، فإن تحالف اليسار الديمقراطي المغربي المكون من أحزاب: المؤتمر الوطني الاتحادي، والطليعة الديمقراطي الاشتراكي، والاشتراكي الموحد، عرف سيرورة تنظيمية طويلة بالمحافظة على الثوابت لكل مكون، من أجل تجاوز الانتخابات دون أن ينكسر ذلك التحالف الذي أصبح مشروع الحزب اليساري الكبير. ومن ثم انتقل هذا التحالف إلى الاندماج، أي تحالف أحزاب ومكونات سياسية يسارية، والذي اختير له اسم "فيدرالية اليسار الديمقراطي". لم يتحقق هذا الطموح بجرة قلم أو بسهولة كما يعتقد البعض، بل تحقق بعد سنين من اللقاءات والمشاورات، وبعد تحالف انتخابي بمناسبة انتخابات تشريعية وجماعية سابقة، وبعد نقاشات موضوعاتية طويلة تسودها القواعد الديمقراطية من أجل البحث عن المشترك وعن الشكل التنظيمي في إطار فلسفة ذات ارتباط بالمرجعية المشتركة، وكذلك الاقتناع بالمنظور المؤسساتي لتدبير شؤون الحزب، حتى يجد كل مكون ذاته في هذا الإطار الذي يحمل مشروعا مجتمعيا مرتبطا أساسا بالقضايا الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والحقوقية للجماهير الشعبية المغربية وللطبقة العاملة. تحقق الاندماج في كل أبعاده التنظيمية والسياسية والاستراتيجية. إنه طموح تحقق في سياق الانشقاقات في صفوف اليسار، وفي سياق تمكن الجهاز المخزني من المشهد السياسي، وفي سياق التراجعات الخطيرة عن المكتسبات الدستورية وعن الحريات العامة، وفي سياق دولي طغت فيه المصالح الاستراتيجية على حساب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي. إن الاندماج كان حدثًا سياسيًا وتاريخيًا. وقد بدأ البعض يشكك في تماسكه واستمراره، واعتبر البعض أن عملية الاندماج عملية بسيطة تتحقق بالشعارات أو بالاتصالات الفردية أو بالبحث عن الزعامة أو عن وسيلة ركوب نحو المجهول أو نحو البلاط السلطاني. بل إنه عمل تنظيمي تواصلي بين المكونات السياسية التي قررت، على مستوى أجهزتها التقريرية، الاندماج في تنظيم سياسي واحد، وبعد مصادقة الأجهزة التقريرية للمكونات السياسية على المستوى السياسي والتنظيمي والمذهبي والاستراتيجي قبل المؤتمر التأسيسي الذي أعطى لتحالف اليسار الديمقراطي اسم "فيدرالية اليسار الديمقراطي". ولم يكن المؤتمر هو البداية والنهاية، بل كان بداية مسار شاق وعسير لتنفيذ مخرجات المؤتمر التنظيمية والإشعاعية والتواصلية، والانفتاح على القوى الديمقراطية وعلى الفعاليات السياسية اليسارية وعلى المثقفين والفنانين، وتوطيد العلاقات الخارجية مع الأحزاب التقدمية العربية ومع أحزاب اليسار الأوروبي. إن أي وحدة لا يمكنها أن تتحقق عبر الرغبات الذاتية دون تقدير المسافات الفاصلة بين المقصودين بالوحدة أو بالتحالف، ودون اعتبار أوضاعهم التنظيمية والسياسية. وإلا ستكون عبارة عن تجمع انتخابي ينتهي حسب النتائج. وما يدعو إليه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية من تحالف لأحزاب اليسار هو تحالف انتخابي ليس إلا، لأن أي تحالف لا يؤدي إلى قوة وأداة سياسية متماسكة في أبعادها السياسية والثقافية والتنظيمية والديمقراطية سيكون مصيره التلف.