ليست الاستحقاقات التشريعية المقبلة مجرد موعد انتخابي عابر في الأجندة السياسية الوطنية، بل تمثل محطة مفصلية في مسار البناء الديمقراطي ببلادنا. فهي لحظة سياسية ودستورية تتقاطع فيها تطلعات المواطنين مع مسؤوليات الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين لضمان انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الشعبية الحقيقية، وتكرّس ثقة المجتمع في المؤسسات التمثيلية. ومن هذا المنطلق، يكتسي النقاش حول القواعد المنظمة للعملية الانتخابية أهمية بالغة، إذ إن نزاهة الانتخابات لا تقتصر فقط على يوم الاقتراع، بل تبدأ منذ اللحظة الأولى لصياغة الإطار القانوني والتنظيمي الذي يؤطرها. القوانين والمراسيم التطبيقية التي تنظم العملية الانتخابية تشكل العمود الفقري الذي يحدد شروط التنافس السياسي، ويضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الحزبيين. وفي هذا السياق، يؤكد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن تدبير هذه المرحلة الدقيقة يقتضي فتح تشاور وطني جدي ومسؤول حول المراسيم التطبيقية المنظمة للاستحقاقات المقبلة، بما يضمن مشاركة كل القوى السياسية في صياغة القواعد التي ستنظم التنافس الديمقراطي. فالممارسة الديمقراطية السليمة تقوم على الحوار والتوافق، وليس على الانفراد بالقرارات التي تمس جوهر العملية الانتخابية. ويأتي هذا المطلب منسجماً مع التوجيهات الواضحة التي وردت في الخطاب الملكي الذي دعا فيه جلالة الملك إلى فتح مشاورات سياسية مع مختلف الأحزاب بشأن إعداد القوانين الانتخابية المؤطرة للاستحقاقات المقبلة. غير أن تفعيل روح هذا التوجيه الملكي يقتضي أن يمتد منطق التشاور ليشمل أيضاً المراسيم التطبيقية والتنظيمية المرتبطة بهذه القوانين، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الانتخابية، ولها أثر مباشر في تحديد شروط الممارسة الانتخابية على أرض الواقع. فالاكتفاء بالتشاور حول القوانين دون المراسيم التنظيمية قد يفرغ هذا المسار التشاركي من مضمونه، ويحد من الغاية الأساسية المتمثلة في ترسيخ الثقة وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين. إن أي مقاربة أحادية في إعداد هذه المراسيم من شأنها أن تثير الكثير من التساؤلات حول تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، كما قد تؤثر سلباً على مناخ الثقة الضروري لإنجاح الاستحقاقات المقبلة. فالثقة السياسية تعد أحد الأعمدة الأساسية لأي تجربة ديمقراطية ناجحة، ولا يمكن ترسيخها إلا عبر اعتماد مقاربة تشاركية شفافة تحترم روح الدستور وتستحضر مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. لقد راكم المغرب خلال العقود الأخيرة تجربة سياسية ومؤسساتية مهمة في مجال تدبير الانتخابات وتعزيز التعددية السياسية. غير أن هذه المكتسبات تظل في حاجة دائمة إلى التطوير والتقوية، بما ينسجم مع تطلعات المجتمع إلى ديمقراطية أكثر رسوخاً ومؤسسات أكثر تمثيلية وفعالية. ومن هنا، يأتي موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الداعي إلى ضرورة اعتماد منهجية تشاورية حقيقية في إعداد المراسيم التطبيقية المرتبطة بالانتخابات المقبلة، حتى لا تتحول هذه الاستحقاقات إلى محطة يطغى عليها منطق التحكم أو تخدم مظاهر التغول السياسي، بدل أن تكون مناسبة لتعزيز التوازن الديمقراطي وترسيخ مبدأ التنافس النزيه بين مختلف الفاعلين. إن الديمقراطية لا تُبنى فقط عبر النصوص القانونية، بل عبر الممارسة السياسية التي تقوم على احترام قواعد اللعبة الديمقراطية وعلى الإيمان بأن التعددية السياسية قيمة أساسية في بناء الدولة الحديثة. لذلك فإن فتح حوار سياسي مسؤول حول القواعد المنظمة للانتخابات يمثل خطوة ضرورية لتعزيز الثقة بين مختلف الفاعلين، وضمان مشاركة سياسية واسعة تعكس الحيوية الديمقراطية للمجتمع. إن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة السياسية وروح المسؤولية الوطنية، لأن نجاح الاستحقاقات التشريعية المقبلة لا يهم الأحزاب السياسية وحدها، بل يهم مستقبل المسار الديمقراطي برمته. فانتخابات شفافة ونزيهة تشكل ركيزة أساسية لتعزيز شرعية المؤسسات وتقوية الثقة بين المواطن والعمل السياسي. وبقدر ما يظل احترام القواعد الديمقراطية مسؤولية جماعية، فإن الحرص على ضمان نزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص يظل شرطاً أساسياً لترسيخ دولة المؤسسات والقانون. لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط تنظيم انتخابات في موعدها، بل تنظيم انتخابات تعكس الإرادة الشعبية في إطار من الشفافية والنزاهة والتوافق السياسي. وفي هذا الإطار، يظل الأمل معقوداً على أن تشكل المرحلة المقبلة مناسبة لتعزيز الحوار السياسي المسؤول، بما يضمن تنظيم استحقاقات انتخابية في مستوى تطلعات المواطنين، ويكرس مسار الإصلاح الديمقراطي الذي اختاره المغرب، على أساس التعددية والتوازن واحترام الإرادة الشعبية.