1 – الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟ قد يبدو من المغامرة مناقشة موضوع حارق، مثل الاتفاق الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، تحت نيران الحرب، بل من المجازفة العودة إلى لحظة يبدو أن الجميع يفضل أن تظل في اللاشعور السياسي، والحال أن مناقشة أي قرار من هذا القبيل لا تفرضه قوة القرار فقط وظروفه والحوار في الفضاء العمومي، الذي يمثل التعبير الحر فيه جوهر الديموقراطية، بل تفرضه أيضا الحكمة، لأن أي حقيقة نخفيها تصبح سامة، ومضادة للهدف منها…ولعل أحد أسباب هذا الشعور، هو أنه اتفاق خارج المألوف في العالم العربي الإسلامي، بل لعله نادر على المستوى الدولي. وهو اتفاق لا معلومات خاصة بما سبقه وكيفية تدبيره ، وكم اقتضى الأمر من محادثات حتى أصبح ممكنا… كما أنه اتفاق يخضع لاختبارات حادة وقاسية منذ قيامه، تُطرح على مستوى الشعور العام، كما تُطرح على مستوى الترابط بين التدبير الأخلاقي لمجريات المنطقة وما بين الحق المغربي، أو ما يمكن أن نطلق عليه «المعادلة الأخلاقية والسياسية»، التي ترتفع أحيانا إلى حد المساءلة الفلسفية بين الدفاع عن الأرض ووجود الحليف في وضعية مناقضة له. مما لا شك فيه أن هذا الاتفاق شكل قطيعة قوية في تدبير الملف الترابي المغربي، وغير العديد من المعطيات والمعادلات ذات الصلة به، إذ لم يقتصر أثره على علاقة الجوار بالوحدة الترابية للمغرب فحسب، بل امتد ليشمل علاقة قوى عظمى وحلفاء استراتيجيين بالمغرب وبالمنطقة الجيوسياسية التي ننتمي إليها. لم نطلع، إلى حدود اليوم، على مدى علم الطبقة السياسية بالاتفاق مسبقا. وإذا كنا نلمس، بوضوح، أن تدبير الملف الوطني في قضية الوحدة الترابية قد تغير مع جلالة الملك، خاصة في ما يتعلق بإشراك القوى السياسية ودعواته لاعتبار الملف قضية وطنية بامتياز وليس ملفا خاصا بالمؤسسة الملكية فحسب، فإن المعطيات حول معرفة الطبقة السياسية بمجرياته تظل قليلة. ولعل المرة الوحيدة التي صدر فيها تصريح حول الموضوع كانت ضمن ما كتبه عبد الله العروي في تدويناته السياسية، الواردة في كتاب «دفاتر كوفيد» الصادر عام 2024. فقد كتب العروي عن الاتفاق مع إسرائيل ما يلي: «الطريقة التي تم بها التفاوض حول السياسة الجديدة إزاء إسرائيل، نحن لا نعرف عنها التفاصيل، وقد لا نعرفها من بعد، ولكن لن نتصور ولو للحظة، نظرا لصمت كل الأحزاب الكبرى والصغيرة الحكومية وغير الحكومية لا يمكن أن نتصور أن القصر لم يقدم الدلائل والحجج الدامغة على الخطر القريب والوشيك على حياة الأمة وليس النظام لوحده، الذي تمليه الزيادة الكبرى في تسلح الجزائر ومواقفها الحربية المعادية… الأحزاب التي وافقت ثم اتجه تقديرها نحو وجهة أخرى تضع إشكالا آخر، ورمزا ستكون له آثاره على التشكيلة المقبلة للحقل السياسي على قاعدة مدى الالتزام بما تم الاتفاق عليه بعد تقديم الحجج والبراهين الحاسمة في اختيار هذا التوجه. المعادلة الإقليمية، هل كان للاتفاق دور دافع نحو إقرار المغرب دولة إقليمية بالنسبة للعديدين؟ ليس لنا أن نقول ذلك بل على الآخرين الاعتراف به، وذلك يمر بعدم الاعتراض أو معارضة مغربية الصحراء، ربما قد تم ذلك. الملك نفسه استحضر في خطاب 20 غشت 2021 مواقف الدول التي رأت فيه تحولا. قال جلالته: «هناك من يقول بأن المغرب يتعرض لهذه الهجمات، بسبب تغيير توجهه السياسي والاستراتيجي، وطريقة تعامله مع بعض القضايا الدبلوماسية، في نفس الوقت، وهذا غير صحيح، المغرب تغير فعلا، ولكن ليس كما يريدون؛ لأنه لا يقبل أن يتم المس بمصالحه العليا، وفي نفس الوقت، يحرص على إقامة علاقات قوية، بناءة ومتوازنة، خاصة مع دول الجوار.» وكان من نتيجة ذلك الانتقال في طبيعة العلاقة ودرجتها مع دولتين رئيسيتين هما إسبانيا وفرنسا، اللتين كانتا تريان في الاتفاق الثلاثي قوة إضافية للمغرب في توجهاته، كما قال ملك المغرب. هل كان المغرب سيقدم على القطيعة التي شاهدناها لو لم يحصل «على إنذارات جدية» حول ما يمكن أن يتعرض له من هجومات قد تجعله يجثو على ركبتيه أمام قوة غير عاقلة في الجوار البعيد أو الجوار القريب؟