منذ سنوات والمغاربة لا يكفون عن مطالبة الحكومات المتوالية بضرورة إلغاء العمل بالساعة الإضافية، التي قلبت حياتهم رأسا على عقب، ولاسيما بعد أن ثبت بما لا يدع مجالا للشك تعارضها مع جودة الحياة وما لها من تأثيرات سلبية وأضرار بليغة على صحة المواطن النفسية والجسدية، حسب رأي عديد الخبراء والأخصائيين في المجال الصحي. والعودة سريعا إلى الساعة البيولوجية والقانونية وفق توقيت "غرنيتش" التي تناسب واقع المغاربة، غير أن مطلبهم طالما اصطدم بتجاهل وتعنت كبار المسؤولين الحكوميين الذين تعاقبوا على تدبير الشأن العام ببلادنا. فالمجتمع المغربي يعيش حالة من القلق والاستياء على نقاش ما انفك يتجدد كل سنة حول التوقيت الرسمي للمغرب، وهو نقاش يتجاوز الطابع التقني البسيط، الذي قد يبدو في بداية الأمر على أنه شكلي، ليأخذ بعده أبعادا اجتماعية وصحية واقتصادية وثقافية عميقة، حيث أن السلطات العمومية قررت من تلقاء نفسها بعيدا عن رأي المغاربة اعتماد الساعة الإضافية، بدعوى الحاجة الملحة إلى إصلاحات اقتصادية وإدارية، تروم تعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في المجال الأوروبي، وتوحيد الإيقاع مع الأسواق الاقتصادية الكبرى، وتيسير التواصل التجاري والمالي، فضلا عن تنسيق العمل بين المؤسسات، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول بالنسبة للملكة المغربية. ترى متى بدأ العمل بهذه الساعة المشؤومة؟ دون الغوص كثيرا في التاريخ، يشار إلى أن المغرب جرب اعتمادها عام 1984، واستمر العمل بها على مدى سنة وثلاثة شهور متوالية، خلال ما سمي آنذاك ب"مرحلة التقويم الهيكلي" الذي فرضه البنك الدولي على المغرب. ثم سرعان ما تم الرجوع إليها عام 2008 في عهد حكومة عباس الفاسي الأمين العام لحزب الاستقلال، بدعوى توفير الطاقة عبر تقليص فترة الإضاءة المسائية، خاصة أن المغرب يستورد جل حاجياته منها، وأنه حصل في ذات السنة على "الوضع المتقدم" في علاقته مع الاتحاد الأوروبي، وتحول إلى قبلة لمراكز الاتصال الأوروبية وخدمات أخرى تشغل آلاف الشباب المغاربة، مستفيدة من الامتيازات الضريبية وضعف كلفة اليد العاملة، لكن العمل بالساعة الإضافية لم يكن يتجاوز ثلاثة شهور فقط (يونيو، يوليوز وغشت). بيد أنه وفي عهد حكومة عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية تقرر رفع العمل بالساعة المشؤومة على مدى ستة شهور في السنة، على اعتبار أن دول العالم تعتمد التوقيت الصيفي لنصف عام. لكن خلفه سعد الدين العثماني أبى إلا أن يمتثل لأوامر اللوبيات الاقتصادية، وتعلن حكومته في 26 أكتوبر 2018 عن أن العمل بالساعة الإضافية سيستمر طوال العام باستثناء الشهر الفضيل رمضان. ففي الوقت الذي تم فيه إطلاق حملة وطنية رقمية للمطالبة باستمرار العمل بالساعة القانونية بعد نهاية شهر رمضان برسم عام 1447، من خلال إعداد عريضة إلكترونية رسمية موجهة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، وخاصة أن عدد الموقعين تجاوز 140 ألف توقيع، وهو رقم يعكس بوضوح حجم الانشغال المجتمعي المتنامي بهذا الموضوع المقلق والمؤرق، ويؤكد أن مسألة التوقيت ليست بالأمر الهين ولم تعد مجرد نقاش تقني، وإنما تحولت إلى ملف بأبعاد اجتماعية وصحية وتربوية. وكشفت ذات الحملة عن أنها وفي سياق هذه الدينامية، ستعمل مستقبلا في حالة إصرار الحكومة على عدم الاستجابة لهذا المطلب الشعبي، على إعداد عريضة رسمية وفق مقتضيات قانون العرائض والملتمسات، إلى جانب القيام بخطوات أخرى تشمل مراسلة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والدعوة إلى تبني "التصويت المشروط" في الاستحقاقات الانتخابية القادمة. سارعت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة إلى إغلاق الباب في وجه المطالبين بإسقاط الساعة المشؤومة، عبر بلاغ لها تعلن من خلاله عن العودة إلى اعتماد الساعة الإضافية "غرينتش + 1" ابتداء من يوم الأحد 22 مارس 2026 حيث سيتم تقديم التوقيت الرسمي ساعة واحدة عند حلول الساعة الثانية صباحا، في إطار التدابير المعمول بها. ويأتي هذا الإجراء تطبيقا لقرار رئيس الحكومة رقم 26.06.3 الصادر بتاريخ 9 شعبان 1447 الموافق 29 يناير 2026، والمتعلق بالرجوع المؤقت إلى الساعة القانونية للمملكة… وهو ما أصاب المغاربة بخيبة أمل كبرى، حيث أنه وبعد مرور ثماني سنوات على اعتماد الساعة الإضافية مازال النقاش جاريا، لكون السلطات مصرة على إبقاء العمل بها، بدعوى أنها تهدف إلى تكريس الاستقرار الإداري والاقتصادي، في حين يستنكر معظمهم فرض هذا الخيار، جراء ما يترتب عته من مخاطر وإخلال بالنوم، التأثير على مواعيد الدراسة وخاصة في أوساط الأطفال، وإرباك الحياة اليومية لملايين الأسر المغربية، ناهيكم عن الاضطرابات المتواصلة على مستوى الساعة البيولوجية، والانعكاس السلبي على الأداء الأكاديمي والدراسي والمهني، وكذلك على الجانب النفسي والجسدي… من هنا وبصرف النظر عن مبررات الحكومة، التي تصر على التمسك بالنظام الحالي رغم تنبيهات الخبراء، بات من الضروري على المؤسسات الوطنية وخاصة منها المؤسسات الاستشارية ومؤسسات الحكامة الإدلاء برأيها في الموضوع، في ظل تزايد الرفض الشعبي لهذه الساعة الإضافية المشؤومة التي تعد أضرارها أعمق بكثر من منافعها، إذ تنعكس سلبا على جودة التعليم وتساهم في تشتيت تركيز المتعلمين، وتتسبب في تعدد المشاكل الصحية والنفسية، جراء اختلال التوقيت البيولوجي، بالإضافة إلى التأثير الكبير على الحياة الأسرية والمهنية. فمتى تستيقظ ضمائر المسؤولين الحكوميين ببلادنا لإنهاء هذا الجدل؟