انتهت المحادثات التي احتضنتها باكستان إلى نقطة غامضة بين شبح عودة الحرب، وبين السلام المسلح، المبني على التدبير التقريبي لنتائجها. كانت مائدة تفاوض نووية تحت نيران الصواريخ البالستية وهواجس الخوف المشترك في المنطقة وفي العالم… أول ملاحظة للقاء الأول بين قيادة الدولة الأمريكية وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأول من نوعه منذ قيام الثورة سنة 1979، وسقوط الشاه، هو غياب الطرف الثالث، والأكثر تضررا من الحرب، ونعني به دول النظام العربي الخليجي الرسمي. يمكن القول إن القرار بوقف إطلاق النار، كان لصالحها بل كان قطيعة في فلسفة ترامب السياسية لفائدة الخليج بعد أن كانت الحرب قطيعة لفائدة إسرائيل. لعل القرار الأمريكي لم يأخذ رأي الخليج في إعلان الحرب، وكان رد المنظومة الرسمية الخليجية، هو عدم مسايرة أمريكا في مغامرتها مع إسرائيل. كانت تلك الطريقة في إبداء التحفظ، والذي قابلته إيران بمحاولة لعب مكيافيللية: أي الدفع بالتحفظ إلى مستوى المعارضة، ورفض التمادي في الحرب، بما يساوي تحويل الضعف الخليجي إلى ورقة قوة إيرانية من أجل وقف الحرب. ويمكن القول كذلك، إن مجلس التعاون الخليجي كان حاضرا من زاوية السعودية، بفعل دولة الوساطة باكستان، التي تمتد إلى تحريك شراكتها مع الرياض لإبلاغ رسالة مفادها أن استمرار الحرب قد يدفع بها إلى تفعيل بنود الدفاع المشترك. بعيدا عن التوأم الإسرائيلي الأمريكي، الذي لا تريد الرياض العمل معه أو إعطاءه المظلة الخليجية العربية لخوض الحرب، يمكن القول كذلك بأن السعودية حاضرة من خلال الوساطة الصينية غير المعلنة، والتي كشف عنها الطرف الأمريكي نفسه، باعتبار أن الصين كانت قد لعبت دورا حاسما في تقريب وجهات النظر بين طهرانوالرياض، وصلت إلى حد اللقاء وتبادل الزيارات والعمل المشترك، منذ ما يزيد عن عقدين من الجفاء والحرب بالوكالة في اليمن وغيرها، والعمل تحت مظلة العمل العربي الإسلامي المشترك، بعد قمة الرياض الاستثنائية حول غزة… وتزامنا مع قرار وقف إطلاق النار، جرت محادثات بين الطرفين السعودي والإيراني بعد أن ذكر بلاغ للخارجية السعودية أن وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان «تلقى اتصالاً هاتفياً من وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عباس عراقجي» بحثا خلاله الوضع في المنطقة وسبل عودة الاستقرار. وهي مبادرة من طرف طهران وليست السعودية… الفصل الديبلوماسي، كان كفيلا بأن يعطي الحرب نفَسًا يحفظ أنفاس المنطقة. وفي الوضع الحالي تعود الحرب ثنائية، بدون منفذ، اللهم إلا العودة إلى حيث انتهت، «أي الاشتباك» مجددا. ولعل المنفذ البديل عوض استئناف الحرب، ودمار ما تبقى من نظام شرق أوسطي وفتح أبواب على الجحيم هو» جدلية الفشل» أي أن يعود الجميع إلى طاولة المفاوضات السياسية، والبحث عن توزان تحت مظلة القرار» الدولي». وهو ما يجعل الانتصار للشرعية الدولية قرارا استراتيجيا يعوض قرار الحرب، بل إنه يدخل الحرب إلى منطق مفهوم وموضوع للتوازنات المعروفة عوض الذهاب بعيدا في العبث القريب من الجحيم… ونعتقد أن الموقف السعودي، خصوصا والخليجي عموما، مقدمة معقولة لهذا المنحى… لاسيما وأن لاشيء يثبت بأنها لن تدفع ثمن هاته الحروب…