45 وفدا دوليا يبحثون في المغرب استدامة الإنتاج الحيواني ومواجهة الجفاف تنطلق اليوم بمدينة مكناس فعاليات الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، حاملة معها تطلعات قطاع حيوي يواجه منعطفا تاريخيا وتحديات جيوسياسية ومناخية لم يشهدها من قبل، حيث يفتتح هذا الحدث الذي يمتد من 20 إلى 28 أبريل 2026 أبوابه في العاصمة الإسماعيلية ليتحول إلى منصة سيادية دولية تمتد على مساحة إجمالية تتجاوز 370,000 متر مربع، تستقبل هذا العام أكثر من 1,500 عارض يمثلون أزيد من 70 دولة، في دلالة واضحة على الجاذبية العالمية التي يحظى بها النموذج الفلاحي المغربي. وفي قلب هذا الزخم الدولي، ستكون جمهورية البرتغال ضيف شرف لهذه النسخة، وهي استضافة تمليها الروابط التاريخية والجغرافية المتينة، فضلا عن الطموح المشترك لتطوير فلاحة صامدة في وجه التغيرات المناخية، حيث تشارك البرتغال بوفد رفيع المستوى يضم عشرات المقاولات المتخصصة في التكنولوجيا الزراعية وإدارة الموارد المائية، بهدف نقل خبراتها في "الفلاحة الذكية" التي سمحت لها بتحقيق طفرة في الإنتاجية رغم تحديات الجفاف المشابهة لما يواجهه المغرب، مما يعزز التعاون الثنائي في مجالات البحث العلمي وتطوير سلاسل الإنتاج الحيواني التي تشكل المحور الأساسي لشعار هذه الدورة: "استدامة الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية". الأرقام المسجلة في هذه الدورة تعكس طموحا غير مسبوق في تاريخ الملتقى الذي انطلق لأول مرة عام 2006، حيث يتوقع المنظمون استقطاب ما يفوق 1,1 مليون زائر على مدار أيام الملتقى، مما يرسخ مكانته كأكبر تظاهرة فلاحية في القارة الأفريقية ومن بين الأهم على الصعيد العالمي، ويأتي هذا الحضور الجماهيري والمهني المكثف في وقت يسعى فيه المغرب لرفع كفاءة استخدام المياه بنسبة تزيد عن 20% عبر تقنيات الري الدقيق التي تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية والحساسات الأرضية، وهي مجالات تبرع فيها المقاولات البرتغالية المشاركة بقوة في القطب الدولي. كما تتجلى ضخامة الحدث في مشاركة 45 وفدا أجنبيا ووزراء فلاحة من مختلف القارات، مما يفتح المجال لعقد صفقات استثمارية كبرى عبر منصة "B2BConnect" الرقمية، والتي استهدفت هذا العام تيسير ما يقارب 500 اجتماع ثنائي رفيع المستوى بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين، بهدف تعزيز جاذبية الاستثمار في سلاسل القيمة الفلاحية التي تساهم بنحو 14% من الناتج الداخلي الخام للمملكة وتوفر الشغل لنحو 38% من الساكنة النشيطة، مما يجعل من الملتقى محركاً اقتصادياً بامتياز يتجاوز مجرد العرض ليكون مختبراً لصناعة القرار الفلاحي. وعلى المستوى التقني، يتوزع الملتقى على 12 قطباً موضوعاتيا صممت لتعكس شمولية الرؤية المغربية، حيث يمتد قطب "الآليات والمعدات" على مساحة تفوق 10,000 متر مربع لعرض أحدث الجرارات والآلات الذكية، بينما يستعرض قطب "تربية المواشي" أكثر من 200 من أجود السلالات الوطنية والدولية، في محاولة لإعادة إنعاش هذا القطاع الذي تأثر عالمياً بارتفاع تكلفة الأعلاف بنسبة ناهزت 40%، وهنا تبرز الخبرة البرتغالية في تحسين النسل الحيواني وتطوير أنظمة إنتاج مستدامة كقيمة مضافة للمهنيين المغاربة. وفي إطار استراتيجية "جيل أخضر" التي يتبناها المغرب، يطمح الملتقى للمساهمة في تمكين 400,000 أسرة قروية من الولوج إلى الطبقة الوسطى بحلول عام 2030، مع التركيز على إدماج الشباب عبر خلق 180,000 منصب شغل جديد في القطاع، وهو توجه تدعمه الشراكات الدولية المبرمة خلال أيام المعرض، خاصة مع الجانب البرتغالي الذي يركز على تكوين الشباب في التقنيات الفلاحية الحديثة. كما يتحول الملتقى إلى منارة فكرية عبر تنظيم أكثر من 55 ندوة ومؤتمر علمي، يشارك فيها مئات الخبراء لمناقشة حلول الزراعة المرنة وتطوير البذور المقاومة للإجهاد المائي، وهي التحديات التي جعلت المغرب يضع خطة طموحة لسقي 100,000 هكتار بمياه البحر المحلاة في الأفق القريب. أما الجانب الاجتماعي والتضامني، فيتجسد في المشاركة القوية لأكثر من 500 تعاونية فلاحية تعرض المنتجات المجالية التي تمثل الهوية المغربية الأصيلة، من زيت الأركان وزعفران تاليوين إلى تمور تافيلالت، حيث تهدف هذه الدورة إلى الرفع من رقم معاملات هذه التعاونيات بنسبة 30% من خلال تسهيل ربطها بأسواق التصدير الدولية، لاسيما السوق الأوروبية عبر البوابة البرتغالية. إن حضور البرتغال كضيف شرف لا يقتصر على الجانب التجاري فحسب، بل يمتد ليشمل تبادل النماذج الناجحة في تدبير "ندرة المياه" و"الأمن الغذائي"، حيث وقع الطرفان اتفاقيات تهدف إلى تعزيز التبادل التجاري الفلاحي الذي شهد نمواً مضطرداً في السنوات الأخيرة، مع تطلع البلدين لرفع وتيرة الاستثمارات المشتركة في الصناعات الغذائية التحويلية التي تمكن من تثمين المنتجات الفلاحية وتصديرها بقيمة مضافة عالية. ويراهن الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس لعام 2026 على أن يعزز طموح المغرب، وبدعم من شركائه الاستراتيجيين مثل البرتغال، في امتلاك الرؤية والإرادة للتحول نحو نموذج فلاحي أكثر صمودا وذكاء، ففي ظل التغيرات المناخية التي قلصت حصة الفرد من المياه إلى مستويات حرجة تحت 600 متر مكعب سنويا، يظل "سيام" هو المنصة التي ترسم خارطة الطريق لتأمين الغذاء لأكثر من 37 مليون مغربي وللمساهمة في الأمن الغذائي القاري، مؤكدا أن الاستدامة والسيادة ليسا مجرد شعارات، بل هما نتيجة عمل دؤوب يجمع بين أصالة المنتوج الفلاحي المغربي وقوة الابتكار العالمي الذي تجسده هذه الدورة الاستثنائية بامتياز، لتظل مكناس عاصمة عالمية للفلاحة، وجسرا يربط بين تجارب الشمال وطموحات الجنوب في بناء مستقبل أخضر ومستدام .