في خضم التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، فرضت الرقمنة نفسها كخيار لا مفر منه في مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع التعليم. غير أن الانتقال غير المتوازن نحو التعليم الجامعي عن بعد في المغرب يطرح إشكالات عميقة تتجاوز البعد التقني، لتلامس جوهر العدالة الاجتماعية ووظائف الجامعة داخل المجتمع، بل وتكشف أيضا عن اختلالات في التدبير تزيد من تعقيد الوضع وتفاقم آثاره. أول هذه الإشكالات يتمثل في تكريس الفوارق الطبقية والمجالية. فبينما يستفيد الطلبة المنحدرون من المدن الكبرى والمناطق الحضرية من تغطية رقمية جيدة، وأجهزة إلكترونية حديثة، يظل آلاف الطلبة في المناطق الجبلية والقروية خارج هذه الدينامية، بسبب ضعف أو انعدام شبكة الأنترنيت، وغياب البنيات التحتية الرقمية الأساسية. هذا الواقع لا يخلق فقط فجوة رقمية، بل يعيد إنتاج نفس الفوارق الاجتماعية التي كان يفترض في الجامعة أن تقلصها. وهنا يتحول التعليم عن بعد من أداة للإنصاف إلى آلية للإقصاء، حيث يصبح الولوج إلى المعرفة مرتبطا بالوضع الاجتماعي والجغرافي، بدل أن يكون حقاً مكفولا للجميع. ويزداد هذا الوضع حدة مع ضعف المواكبة المؤسساتية للطلبة في هذا الانتقال. فالكثير من الطلبة يجدون أنفسهم أمام منصات تعليمية غير مستقرة، أو محتويات بيداغوجية غير متكيفة مع نمط التعليم عن بعد، مما يخلق نوعا من الارتباك ويفقد العملية التعليمية نجاعتها. كما أن غياب التكوين الكافي للأساتذة في مجال التدريس الرقمي يجعل من التجربة في كثير من الأحيان مجرد نقل تقليدي للدرس الحضوري إلى شاشة، دون مراعاة خصوصيات التفاعل الرقمي. ومن بين الاختلالات البنيوية المرتبطة بهذا التحول، تفشي ظاهرة الاعتماد المتزايد على "الساعات الإضافية" التي تقدمها المراكز الخارجية الخاصة، خارج أسوار الجامعة. فبدل أن يكون التكوين الجامعي كافيا ومتكاملا، يجد عدد كبير من الطلبة أنفسهم مضطرين للجوء إلى هذه المراكز من أجل استدراك ما لم يتم تحصيله داخل الجامعة، سواء بسبب ضعف التأطير، أو غياب التفاعل، أو اختلالات التعليم عن بعد. هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن بعدها الطبقي، إذ إن الولوج إلى هذه الساعات الإضافية يظل رهينا بالقدرة المادية للطالب وأسرته. وهو ما يكرس مرة أخرى منطق "تعليم بسرعتين": تعليم عمومي يعاني من اختلالات، وتعليم مواز مؤدى عنه يتيح فرصاً أفضل للفهم والاستيعاب. وبهذا المعنى، لا يشكل انتشار هذه المراكز حلا بقدر ما يعكس أزمة عميقة في المنظومة، ويؤشر على تراجع ثقة الطلبة في قدرة الجامعة على أداء دورها كاملا. كما أن تنامي هذا النمط من "التعليم الموازي" يطرح إشكالا مؤسساتيا، حيث يتم بشكل غير منظم في كثير من الأحيان، ودون مراقبة بيداغوجية واضحة، مما يفتح المجال أمام تفاوت كبير في الجودة، بل وأحيانا أمام ممارسات تجارية تستغل حاجة الطلبة للنجاح. وهنا يتحول التعليم من حق عمومي إلى سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب. أما الإشكال الثاني، فيرتبط بطبيعة الجامعة نفسها، ودورها التاريخي. فالجامعة لم تكن يوماً مجرد فضاء لتلقي المعارف الأكاديمية، بل شكلت مدرسة حقيقية للنضال، وصقلا للشخصية، ومجالا لتعلم مهارات الحياة، من نقاش وحوار، وتنظيم، وترافع. داخل مدرجاتها وساحاتها، تكونت أجيال من الأطر التي تقود اليوم مؤسسات الدولة، وراكمت تجارب سياسية ونقابية وفكرية ساهمت في بناء الوعي الجماعي. إن تقليص الحضور الفيزيائي داخل الجامعة، وتعويضه بمنصات رقمية تفتقر في كثير من الأحيان إلى التفاعل الحقيقي، يهدد بتفريغ الجامعة من هذا الدور الحيوي. فالطالب الذي يتابع دروسه عن بعد، معزولا خلف شاشة، يفقد جزءا كبيرا من التجربة الجامعية، بما تحمله من احتكاك إنساني وتعدد في الآراء، ومن انخراط في قضايا المجتمع. كما أن ضعف الحياة الطلابية، من أنشطة ثقافية ونقابية، يؤدي إلى تراجع دور الجامعة كفضاء لإنتاج النخب وصقل الكفاءات القيادية. ويترتب عن هذا الوضع خطر استراتيجي يتمثل في إضعاف جودة الرأسمال البشري على المدى المتوسط والبعيد. فالأطر التي تحتاجها البلاد لا تُبنى فقط بالمعرفة النظرية، بل كذلك بالخبرة الميدانية، والقدرة على التواصل، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي، وهي مهارات يصعب تطويرها في بيئة تعليمية افتراضية محضة، أو في منظومة يضطر فيها الطالب لتعويض نقص التكوين العمومي بحلول خاصة مؤدى عنها. إن المطلوب اليوم ليس رفض الرقمنة أو معاداة التعليم عن بعد، بل إدماجه في إطار رؤية شمولية تضمن تكافؤ الفرص، وتحافظ على جوهر الجامعة كفضاء للتكوين الشامل. فلا يمكن الحديث عن تعليم رقمي ناجح دون تعميم البنيات التحتية في كل ربوع الوطن، ولا يمكن القبول بنموذج تعليمي يختزل الطالب في متلقٍ سلبي، ويُقصيه من أدواره كمواطن فاعل. كما أن إصلاح هذا الورش يقتضي معالجة ظاهرة الساعات الإضافية في بعدها البنيوي، عبر تقوية جودة التكوين داخل الجامعة، وضمان التأطير الكافي، وإعادة الثقة في المؤسسة العمومية، إلى جانب تقنين هذا القطاع الموازي بما يحمي الطلبة من الاستغلال، ويضمن حدّاً أدنى من الجودة والشفافية. إن الدفاع عن جامعة عمومية قوية، دامجة، وحاضنة للقيم الديمقراطية، يمر عبر مواجهة كل السياسات التي تعمق الفوارق، وتفرغ المؤسسات من مضمونها. فالتعليم ليس مجرد خدمة، بل هو رافعة أساسية للعدالة الاجتماعية، وأداة لبناء مجتمع متماسك ومتوازن. (* )أستاذ جامعي الكاتب العام للشبيبة الاتحادية