بمناسبة تنظيم الملتقى الوطني للنساء الاتحاديات، تقدمت ضمن الجلسة الأولى بمداخلة موسومة ب: "مساهمة الاتحاد الاشتراكي في مسار المكتسبات الدستورية للنساء"، من خلال إبراز مساهمة الحزب في معركة المكتسبات القانونية والدستورية لفائدة المرأة المغربية باعتبار ذلك واجبا نضاليا وجزءا لا يتجزأ من مطلب الدولة الديمقراطية، رغم ما كان يكلف ولا يزال على مستوى البعد الانتخابي في مواجهة التيارات المحافظة. لا يمكن مقاربة مسار مكتسبات النساء في المغرب بمنطق السرد الاحتفائي أو الجرد الكرونولوجي البسيط، بقدر ما يقتضي الأمر استحضار منطق أعمق، يقوم على تحليل التفاعل المعقد بين الفعل السياسي، والتحول المجتمعي، والبناء الدستوري. فهذه المكتسبات لم تتشكل في سياق هادئ أو توافقي بالكامل، بل ولدت، في كثير من لحظاتها الحاسمة، داخل فضاء صراع سياسي وقيمي، بين رؤيتين متباينتين للدولة والمجتمع. في هذا السياق، يبرز دور حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية باعتباره أحد الفاعلين السياسيين الذين عملوا، على امتداد زمني طويل، على نقل قضية المرأة من مستوى المطالب الاجتماعية إلى مستوى الرهان الدستوري والمؤسساتي. وهو انتقال لم يكن آليا، بل مر عبر ثلاث لحظات كبرى: التأسيس السياسي، التمكين التشريعي، ثم التكريس الدستوري. في مرحلة التأسيس، أي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لم تكن قضية المرأة تحتل موقعا مركزيا في الأجندة السياسية العامة. غير أن الاتحاد الاشتراكي تبنى مقاربة مغايرة، قوامها الربط العضوي بين الديمقراطية والمساواة، معتبرا أن أي مشروع إصلاحي لا يمكن أن يكتمل دون إدماج فعلي للنساء في بنيته الفكرية والمؤسساتية. وقد تجلى ذلك في إدماج القضية النسائية داخل الخطاب السياسي للحزب، وتأطيرها تنظيميا، وإنتاج خطاب نقدي للبنيات الاجتماعية التي تعيد إنتاج التمييز. وهنا بالضبط، انتقلت القضية من بعدها الاجتماعي إلى بعدها السياسي – الهيكلي، لتصبح جزءا من سؤال الديمقراطية ذاته، لا مجرد ملحق به. غير أن هذا التأسيس سرعان ما اصطدم بواقع سياسي ومجتمعي لم يكن مستعدا بالكامل لاستيعاب هذا التحول. فمع بداية التسعينيات، وخاصة مع محطة "المليون توقيع" سنة 1992، دخلت قضية المرأة إلى المجال العمومي بقوة، لكنها في المقابل كشفت عن حدة التوتر بين تيارات إصلاحية وأخرى محافظة. لقد كان النقاش، في جوهره، نقاشا حول المرجعية؛ هل يمكن إعادة بناء قواعد الأحوال الشخصية في ضوء مبدأ المساواة؟ وهو سؤال يتجاوز البعد الاجتماعي ليطرح، بشكل غير مباشر، إشكالية دستورية تتعلق بطبيعة الدولة وحدود تدخلها في مجال يتقاطع فيه الديني بالسياسي. ومع تجربة التناوب التوافقي، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، انتقل هذا النقاش من مستوى الترافع إلى مستوى الفعل العمومي. فقد تم إدماج قضايا النساء ضمن البرنامج الحكومي، وشكلت "خطة إدماج المرأة في التنمية" لحظة سياسية فارقة، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب ما أثارته من ردود فعل مجتمعية وسياسية قوية. لقد كشفت هذه التجربة عن صعوبة تحويل المساواة إلى سياسة عمومية في سياق محافظ، لكنها في المقابل أسست باعتبارها خيارا سياديا للدولة، لا مجرد مطلب فئوي. وفي امتداد هذا المسار، جاء إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004 ليكرس جزءا من هذا التراكم، في إطار توازن دقيق بين متطلبات التحديث واحترام الثوابت. وهنا ينبغي التذكير بأن قضايا الأحوال الشخصية ظلت، منذ الاستقلال، ضمن المجال المحفوظ للمؤسسة الملكية، باعتبار الملك أميرا للمؤمنين، وهو ما جعل كل إصلاح في هذا المجال يتم عبر لجان معينة في إطار تحكيم ملكي مباشر؛ من لجنة علال الفاسي في أواخر الخمسينيات، إلى لجنة عبد الهادي بوطالب سنة 1992، ثم لجنة إدريس الضحاك ومحمد بوستة في بداية الألفية الثالثة، وصولا إلى ورش المراجعة الحالي. غير أن من أبرز المحطات التي عكست الانتقال من المساواة كشعار إلى المساواة كقاعدة قانونية، يبرز تعديل قانون الجنسية سنة 2007. فقد شكل هذا الإصلاح تحولا نوعيا في مفهوم المواطنة، من خلال تمكين المرأة المغربية من نقل جنسيتها لأبنائها، بعد أن كان هذا الحق حكرا على الرجل. وقد لعب الفريق الاشتراكي داخل البرلمان، دورا محوريا في الدفع بهذا التعديل، في إطار ترافع تشريعي يعكس وعيا بأن المساواة لا تتحقق عبر المبادئ المجردة، وانما عبر تدخل قانوني دقيق يمس جوهر الحقوق. وإلى جانب ذلك، ساهم الحزب في ترسيخ آليات التمييز الإيجابي، خاصة من خلال اللائحة الوطنية للنساء، وهو ما يعكس انتقالا من الاعتراف بالمساواة إلى البحث في شروط تحققها الفعلي داخل المؤسسات التمثيلية. أما لحظة التحول الحاسمة، فقد تجلت مع دستور 2011، حيث تمت دسترة مبدأ المساواة والمناصفة، استجابة، من بين عوامل أخرى، لمذكرات ومرافعات القوى الديمقراطية، وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي. لقد أصبحنا، بذلك، أمام انتقال نوعي من الترافع السياسي إلى الإلزام الدستوري، حيث لم تعد المساواة مجرد مطلب، بل قاعدة معيارية ملزمة للدولة. غير أن هذا التحول يطرح اليوم سؤالا جديدا: هل يكفي التنصيص الدستوري لتحقيق المساواة؟ الواقع يؤكد أن التحدي لم يعد في الاعتراف، ولكن في التفعيل. فمع فتح ورش مراجعة مدونة الأسرة، بعد استقبال الحزب من طرف اللجنة الملكية، تبرز الحاجة إلى تجديد النقاش حول مدى ملاءمة المنظومة القانونية مع مقتضيات الفصل 19، وتجاوز مظاهر التمييز المتبقية، وتعزيز الحماية القانونية للنساء في سياق اجتماعي متحول. إن ما يكشفه هذا المسار، في نهاية المطاف، هو أن المساواة لم تكن يوما منحة جاهزة، بل نتيجة تراكم نضالي طويل، جمع بين الفعل السياسي والضغط المجتمعي والإنتاج المؤسساتي. كما يكشف أن القيمة الحقيقية لأي مقتضى دستوري لا تكمن في صياغته، بل في قدرته على التحول إلى واقع فعلي. ومن ثم، فإن معركة المساواة اليوم لم تعد معركة من أجل الاعتراف، بل معركة من أجل النجاعة الدستورية؛ أي القدرة على تحويل النص إلى أثر، والمبدأ إلى ممارسة، والدستور إلى حياة يومية للمواطنات والمواطنين.