إذا كان رجال السياسة رجال ممارسة لا رجال فكر، فإن إدريس لشكر ممارسة تفكر وفكر يمارس، لا يتحدث من أجل الحديث بل يتحدث من أجل الفعل، فعل يتحرك وحركة تفكر … ولقد تأكد اليوم، في برنامج « للحديث بقية «، على القناة الأولى، من خلال مقاربته للقضايا السياسية والحزبية الداخلية، أن الاتحاد الاشتراكي حزب مبدع، حزب لا كالأحزاب، إنه يفكر ويجتهد «التحليل الملموس للواقع الملموس». والاتحاديات والاتحاديون في المؤتمر الوطني 12 كانوا على حق ، وبحكمة ووعي، عندما رفعوا شعار « هذا هو اختيارنا…إدريس لشكر قائدنا «، سعة الأفق السياسي، قدرة واضحة على الإمساك بخيوط اللحظة كما هي، وطنيا ودوليا، قراءة دقيقة لموازين القوى داخل المشهد الحزبي الذي يتقوى بوتيرة متسارعة بعد المؤتمر الوطني الثاني عشر. ما يميز هذا النفس القيادي للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر أنه لا ينظر إلى القضايا الكبرى بعين الانفعال، بل بعين المسؤولية. فحين يتحدث عن الأوضاع الدولية، ينطلق من قاعدة واضحة: مصلحة المغرب فوق كل اعتبار، والتعامل مع الأزمات يجب أن يتم بمنطق الحكمة لا بمنطق التهويل، وبمنهج الحلول السياسية لا بردود الفعل المتسرعة. وهذه ليست مجرد لغة دبلوماسية، بل تعبير عن نضج سياسي يعرف أن ما يقع خارج الحدود ينعكس مباشرة على الداخل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وفي ما يخص القضية الفلسطينية، يتأكد مرة أخرى أن الاتحاد الاشتراكي ثابت في موقعه، منحاز إلى الحق الفلسطيني دون مزايدة، ومتشبث بحل سياسي عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه الكامل في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. هذا الموقف ليس شعارا مناسباتيا، بل جزء من هوية نضالية تعتبر أن الشرعية الدولية ليست تفصيلا، وأن السلام لا يصنعه منطق القوة، بل يصنعه احترام الحقوق. كما أن حضور الحزب في الواجهات الدولية والإقليمية لم يكن يوما حضورا رمزيا، بل كان دائما امتدادا لدوره في الدفاع عن مصالح المغرب والقضية الوطنية، داخل مختلف المنتديات الاشتراكية والتقدمية. وهذا ما يعطي للموقف الحزبي وزنه، لأنه يجمع بين وضوح المرجعية وصلابة الحضور وحسن التقدير. وفي ملف ملتمس الرقابة، برز مرة أخرى أن الاتحاد الاشتراكي تعامل مع الموضوع من منطلق سياسي مسؤول، باعتباره آلية دستورية جدية لتقوية موقع المعارضة وإعادة الاعتبار للنقاش الديمقراطي المؤسساتي. لكن ما أضعف هذا المسار هو أن بعض الأطراف فضلت حساباتها الخاصة على منطق الفعل المشترك، فاختلطت المبادرة الجدية بالمزايدات الصغيرة. ومع ذلك، ظل واضحا أن الحزب كان صاحب موقف منسجم، وأنه تحرك بوعي سياسي وأخلاقي، بعيدا عن كل أشكال الشعبوية. والأمر نفسه ينسحب على عدد من الملفات الاجتماعية الحساسة، ومنها النقاش المرتبط بالساعة الإضافية، حيث برز الفرق بين من يشتغل بمنطق الدولة ومن يشتغل بمنطق الإثارة. فهذه القضايا لا تحل بالصراخ ولا بالتبسيط، بل تحتاج إلى نقاش مؤسساتي رصين، وإلى تقييم علمي وتقني، وإلى جرأة في اتخاذ القرار على أساس المصلحة العامة لا على أساس تصفيق اللحظة. لهذا كله، فإن ما يتأكد اليوم هو أن الاتحاد الاشتراكي يعيش لحظة صعود سياسي وتنظيمي حقيقي. بعد المؤتمر الوطني الثاني عشر، لم يعد الحزب فقط يستند إلى رصيده التاريخي، بل صار يشتغل أيضا بطاقة متجددة، وبوضوح أكبر في الرؤية، وبقيادة تعرف كيف تربط بين تعقيد السياق الدولي، وانتظارات الداخل، والتحولات المتسارعة في المجتمع والمشهد الحزبي. وهذا بالضبط ما يجعل الحزب اليوم أكثر قدرة على توسيع حضوره، وتقوية موقعه، وربح الرهانات المقبلة بثقة ومسؤولية. يتبين وبالملموس أن الاتحاد الاشتراكي، عندما يرفع شعاراً أو ينتج مفهوماً أو يطرح برنامجاً سياسياً، أو يعقد مؤتمرا … فليس بغرض التمويه والتغليط، الضجيج والبهرجة، وليس بغرض دغدغة عواطف الجمهور والسيطرة على مشاعره وكسب أصواته… إن مفاهيم الاتحاد الاشتراكي مفاهيم نابعة من وعي نظري عميق وقابلة لتجريب عملي مسؤول…من هنا كانت هذه المفاهيم، وفي كل مرة، ثورة في حقل سياسي يطغى عليه العقم والجمود، الاجترار والرتابة. إن كل متتبع للخطاب السياسي ببلادنا، لابد وأن يخرج بخلاصة سياسية ودالة؛ مفادها أن كل الساسة والمحللين والإعلاميين والمعلقين السياسيين، لم ولن يستطيعوا الخروج من الخطاب السياسي الاتحادي ومن النسق المفاهيمي الاتحادي، يفكرون ويتكلمون لغة اتحادية. إن الاتحاد الاشتراكي ناضل وعمل من أجل الارتقاء بالسياسة، خطاباً وممارسة وتنظيماً، وأغنى الحقل السياسي بأدبيات سياسية رفيعة ومفاهيم دقيقة ومعبرة، مفاهيم ارتقت بالخطاب السياسي ببلادنا من خسة الألفاظ الغارقة في الشعبوية إلى رفعة المصطلحات المؤسسة على التفكير العملي والعلمي، بعد تنقيتها وتطهيرها من شوائب والتباسات اللغة العامية والاستعمال اليومي. إن الخطاب السياسي الاتحادي يتم إنتاجه داخل اللغة العالمة وبمنهجية علمية، ومنذ البداية عمل الاتحاد الاشتراكي على تأصيل الخطاب وتجديده، وإنتاج المفاهيم وإغنائها، في تفاعل جدلي مع التحولات السياسية والمجتمعية التي تعرفها بلادنا، في هذا الإطار يتأطر شعار «دولة قوية عادلة ومجتمع حداثي متضامن؛ المغرب أولا وشعار تناوب جديد بأفق اجتماعي ديمقراطي. «