إعادة الاعتبار للفعل السياسي في مواجهة التبخيس والتقنوقراطية المعارضة الاتحادية: من موقع الرقابة إلى قوة اقتراحية مؤطرة رهانات المرحلة: العدالة الاجتماعية كمدخل لإنقاذ الثقة في السياسة
في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية مع أسئلة الثقة في العمل الحزبي، جاء حضور إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في برنامج «للحديث بقية»، ليعيد توجيه بوصلة النقاش العمومي نحو جوهر الفعل السياسي، باعتباره مدخلًا أساسيًا للإصلاح، وليس مجرد واجهة تدبيرية تشتغل بمنطق الأرقام دون روح. الحلقة لم تكن مجرد استضافة إعلامية عابرة، بل شكلت فضاءً حقيقيًا لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تؤرق المشهد السياسي الوطني: ما جدوى السياسة اليوم؟ أين تتجه الممارسة الحزبية؟ وما موقع المعارضة في هندسة التوازن الديمقراطي؟ وهي أسئلة لم يتردد لشكر في مقاربتها بجرأة، مستحضرًا الخلفية التاريخية والنضالية لحزب ظل، لعقود، في قلب معركة بناء الديمقراطية بالمغرب. منذ البداية، بدا واضحًا أن لشكر يشتغل على تفكيك إحدى أعقد إشكالات المرحلة، وهي ما يمكن تسميته ب»تآكل المعنى السياسي»، حيث تتحول السياسة تدريجيًا إلى مجرد تدبير تقني للشأن العام، في مقابل تراجع النقاش الإيديولوجي والبرامجي. وفي هذا السياق، انتقد بشكل ضمني تغول المقاربة التقنوقراطية، التي تُفرغ الفعل العمومي من بعده المجتمعي، وتحوله إلى عملية حسابية باردة، لا تعكس انتظارات المواطنين ولا تطلعاتهم. هذا النقد لا ينفصل، في عمقه، عن رؤية الاتحاد الاشتراكي لدور الدولة الاجتماعية، حيث شدد لشكر على أن الأرقام والمؤشرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن العدالة الاجتماعية، ولا عن السياسات العمومية المنصفة. فالتنمية، كما أكد، ليست مجرد نسب نمو، بل هي توزيع عادل للثروة، وضمان فعلي لتكافؤ الفرص، وهو ما يطرح، بشكل مباشر، سؤال النموذج التنموي ومدى قدرته على الاستجابة للتحولات الراهنة. وفي قراءته للمشهد السياسي، توقف لشكر عند ما سماه «ضبابية المواقع»، حيث لم تعد الحدود واضحة بين الأغلبية والمعارضة، في ظل ممارسات تضعف التمايز السياسي، وتؤثر سلبًا على منسوب الثقة لدى المواطن. وهنا، برزت دعوته إلى إعادة الاعتبار للوضوح السياسي، باعتباره شرطًا أساسيًا لبناء تعاقد ديمقراطي سليم، قائم على المحاسبة وربط المسؤولية بالاختيار الشعبي. وفي هذا السياق، قدم لشكر تصورًا متكاملًا لدور المعارضة، رافضًا اختزالها في موقع الرفض أو العرقلة، ومؤكدًا أنها وظيفة دستورية نبيلة، تقوم على الرقابة الصارمة، ولكن أيضًا على تقديم البدائل الواقعية. وهو ما حاول إسقاطه على تجربة الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، الذي اعتبره نموذجًا لمعارضة يقظة، تشتغل بالأرقام والمعطيات، دون أن تفقد البعد السياسي للنقاش. ولم يكن حديثه عن المعارضة منفصلًا عن تقييمه لأداء الحكومة، حيث لمح، بأسلوب سياسي محسوب، إلى وجود اختلالات في تدبير عدد من الملفات الاجتماعية، خاصة تلك المرتبطة بارتفاع كلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية. وهي قضايا، كما أشار، لا يمكن معالجتها بمنطق ظرفي، بل تحتاج إلى سياسات عمومية مندمجة، تستحضر البعد الاجتماعي كأولوية، وليس كملحق. كما تطرق لشكر إلى التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل صعود فئات اجتماعية جديدة، وتزايد مطالب الشباب، مؤكدًا أن الأحزاب السياسية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتجديد خطابها وآليات اشتغالها، حتى تظل قادرة على التأطير والتعبئة. وهنا، بدا واضحًا أن الرسالة موجهة ليس فقط إلى الخصوم، بل أيضًا إلى الحقل الحزبي ككل، في دعوة صريحة إلى إعادة بناء الثقة في العمل السياسي. ومن بين النقاط اللافتة في مداخلة لشكر، تأكيده على أن الدفاع عن الديمقراطية لا يمكن أن يكون انتقائيًا أو ظرفيًا، بل يجب أن يكون موقفًا مبدئيًا وثابتًا. وهو ما يعكس، في العمق، تمسك الاتحاد الاشتراكي بخطه التاريخي، القائم على الربط بين النضال الديمقراطي والعدالة الاجتماعية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة. كما لم يغب البعد الاستشرافي عن حديثه، حيث شدد على أن المرحلة المقبلة ستطرح تحديات كبرى، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، وهو ما يتطلب تعبئة جماعية، تقوم على إشراك حقيقي لكل القوى الحية. وفي هذا الإطار، دعا إلى تجاوز منطق التدبير اليومي الضيق، والانخراط في رؤية استراتيجية بعيدة المدى، قادرة على استشراف المستقبل بدل الاكتفاء بردود الفعل. اللافت أيضًا في هذه الحلقة هو أن لشكر نجح في إعادة التوازن بين الخطاب السياسي والخطاب التحليلي، حيث لم يسقط في التبسيط المخل، ولا في التعقيد المنفر، بل قدم قراءة مركبة، تستحضر المعطيات الواقعية دون أن تفقد البعد المبدئي. وهو ما منح الحلقة قيمة مضافة، وجعلها تتجاوز حدود النقاش الظرفي إلى مستوى التفكير في أسئلة السياسة الكبرى. وفي المحصلة، يمكن القول إن حضور إدريس لشكر في «للحديث بقية» لم يكن مجرد تمرين تواصلي، بل شكل لحظة سياسية بامتياز، أعادت التأكيد على أن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تدبير الشأن العام، بل إلى إعادة المعنى للسياسة، كفعل نبيل يقوم على الاختيار والالتزام والمسؤولية. إنها رسالة واضحة في زمن تتزايد فيه مظاهر العزوف وفقدان الثقة: لا ديمقراطية دون سياسة، ولا سياسة دون وضوح، ولا وضوح دون جرأة في قول الحقيقة.