مستشارو "فيدرالية اليسار" ينتقدون اختلالات جماعة أكادير    لجنة حقوقية تستنكر المحاكمات "غير العادلة" لمتابعي حراك "جيل زد" وتكشف خروقات جسيمة    الموانئ المغربية تحقق نموا بنسبة 8.9% برواج يفوق 262 مليون طن في 2025    بدء مفاوضات إيرانية أمريكية في سلطنة عمان    بتوقيع مذكرتي تفاهم..الاتحاد العام لمقاولات المغرب يعزز التعاون الدولي مع الصين    قتلى وجرحى في تفجير مسجد بباكستان    اتفاق منحة بين مجموعة البنك الإفريقي للتنمية وبنك المغرب لتطوير المدفوعات الإلكترونية وتعزيز الشمول المالي        المخيم الدولي بالجديدة بين وعود الاستثمار وشبح الإفلاس التدبيري    الفيضانات موعظة من السماء أم اختبار من الله؟    تحركات الجيش الجزائري على الحدود الشرقية تختبر الصبر الاستراتيجي للمغرب    جمعية "عدالة": منطق التخويف يحل محل تشجيع التبليغ عن الفساد في المغرب    مواقف وزير العدل بين القول والفعل!    الانخفاض يفتتح تداولات بورصة الدار البيضاء    الجليد يوقف حركة الطيران بمطار برلين    أسطول الصمود العالمي يعلن إطلاق "أكبر تحرك" لكسر حصار غزة    المغرب واجتماع المعادن الاستراتيجية والنادرة    الوداد يشدّ الرحال إلى كينيا استعدادًا لمواجهة نيروبي يونايتد    قضية نغوموها تكلف ليفربول ملايين الجنيهات لصالح تشيلسي    بنك المغرب يحصل على منحة 510 آلاف دولار من البنك الإفريقي لتعزيز المدفوعات الإلكترونية    غرفة الجنايات باستئنافية سطات تؤجل محاكمة المتهم بجرائم قتل بابن أحمد لإخضاعه لخبرة عقلية            النفط يواصل التراجع مع انحسار المخاوف بشأن الإمدادات        تقرير رسمي: عدد مستخدمي الإنترنت في الصين يبلغ 1.125 مليار شخص    كأس إسبانيا.. أتلتيكو مدريد يفوز على بيتيس بخماسية ويتأهل لنصف النهاية    كيوسك الجمعة | المغرب يتصدر شمال إفريقيا في مؤشر الدول المؤثرة في العالم    أسعار الذهب والفضة يتجهان لتراجع أسبوعي وسط قوة الدولار    النقابة الوطنية للصحة تعلن تضامنها المطلق مع ضحايا الفيضانات وتؤكد جاهزيتها لخدمة المواطنين المتضررين    أمطار رعدية في توقعات اليوم الجمعة بالمغرب    باريس تحقق مع جاك لانغ بشأن إبستين    "عمرة وهمية" تستنفر شرطة مراكش    العثور على جثة شرطي متقاعد داخل شقته بطنجة    قصر إيش... شاهد حي على مغربية الأرض وعمق التاريخ في الجنوب الشرقي للمملكة    الفنان نصر مكري يطلق ألبومه السابع "بيغ بانغ"    مخزون الوقود يسد حاجيات المغرب    رواية محمد سعيد الأندلسي: "لعنة الدم الموروث" ثلاثية كاملة تغطي الماضي والحاضر والمستقبل    القنصليات المغربية تواكب تسوية أوضاع المهاجرين بإسبانيا    مراجعة ArabTopCasino ما الذي يقدمه الموقع وكيف هو منظّم ولمن هو موجّه    مركز التنّور يصدر كتاب (Critical Inflections) لسناء الشّعلان    رمضان على القناة الثانية.. برمجة استثنائية تحتفي بالإنتاج الوطني    الوداد يسعى لتجاوز آثار الهزيمة الأخيرة واللحاق بأولمبيك آسفي إلى ربع نهائي كأس "الكاف    رحيل مفاجئ للشاف "كيمو"    لأول مرة.. رئة صناعية تبقي مريضا على قيد الحياة 48 ساعة        الموت يغيّب الشاف كمال اللعبي «كيمو»    الاتحاد السعودي يحسم صفقة يوسف النصيري رسميًا        كأس إسبانيا: بلباو يهزم فالنسيا ويتأهل لنصف النهاية    "ريمالد" ترصد تحولات حق الإضراب    دراسة: الأطعمة فائقة المعالجة ترفع خطر وفاة مرضى السرطان    شهادات ليلة البرق..ورسائل الرعد للغافلين    دراسة علمية تكشف علاقة وضعية النوم بتدهور بصر مرضى الجلوكوما    علماء يحددون جينات تحمي المسنين من الخرف    من يزرع الفكر المتشدد في أحيائنا؟    طارت الكُرة وجاءت الفكرة !    محاضرة علمية بطنجة تُبرز مركزية الإرث النبوي في النموذج المغربي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«تاضا» أو الإرضاع الجماعي عند أهل زمور

يحاول د. حمو بلغازي في هذا الكتاب، سبر أغوار تقليد أمازيغي ضارب في القدم، دأبت على ممارسته قبائل زمور. ورغم أن تقليد «تاضا» أو الإرضاع الجماعي، قد انمحى وتلاشى مع مرور السنوات وتعاقب الأجيال، لكنه مع ذلك يظل مؤشرا مهما على طبيعة العلاقات التي تؤطر المعاملات بين أفراد تلك القبائل.
وكما جاء في التمهيد الذي وضعه السوسيولوجي المغربي، حسن رشيق، للكتاب، فإن بلغازي «يقدم تحليلا للتقليد الذي يحدد ويجدد الميثاق والالتزامات الاجتماعية لتلك القبائل، وكذا العقوبات التي تترتب عن كل من أخل بتلك الالتزامات. كما يسلط الضوء على دور ذلك الميثاق في فض النزاعات التي قد تحدث».
وحسب بلغازي، فإن عادة «تاضا» «إذا كانت تستمد اسمها من هذا الإرضاع الجماعي الرمزي المتبادل (تبادل الوجبات الطقوسية وفق القواعد المقدسة للضيافة)، فإنها لا تختزل في الأخوة بالرضاعة فقط. فأفراد الجماعات المرتبطة بتاضا (أيت تاضا) التي «يقترن» أرباب الأسر من رجالها عن طريق إجراءالقرعة بخصوص أحذيتهم، يعتقدون أن هذه الرابطة أمر رهيب لأنها مقدسة وذات طابع خارق للطبيعة: فكل إخلال باحترامها من شأنه أن ينتج عنه عقاب غيبي شديد. وبحكم الحكايات الكثيرة المتداولة التي توحي بالهلع والرهبة من العقاب الذي يمكن أن يلحق بكل مخل بتاضا، فإن هذه الأخيرة تشكل ميثاقا قويا وناجعا، وظيفته الأساسية هي إقرار وضمان استمرارية التوازن المجتمعي داخل الكيان القبلي».
حسب ما جاء في كتاب «جين سيرفيي» الصادر سنة 1985 تحت عنوان «التقاليد والحضارة الأمازيغية: أبواب السنة»، فإن السير بالحذاء فوق أرض ما يعني، في منطقة المغرب العربي، ملكية تلك الأرض. خلال سنوات الستينات من القرن الماضي، وفي الجزائر بالضبط، كان كلما نشب نزاع بين أفراد حول ملكية الأرض، كان يتعين على أطراف النزاع ارتداء أحذيتهم والتوجه إلى ضريح أحد الأولياء، من أجل أداء القسم، ثم العودة إلى الأرض، محل النزاع، وإعادة ترديد القسم وفي نفس الآن ضرب الأرض بأقدامهم ثلاث مرات. ويرمز ذلك الضرب إلى الرغبة في وضع المتنازعين بصمتهما على تلك الأرض، وبالتالي ملكيتها.
يعلق «سيرفيي» على هذا الأمر بالقول: «يتعين على الأجنبي في أرض الإسلام خلع حذائه في عتبة منزل مضيفيه، ويظهر بذلك السلوك أنه لا يفكر بتاتا في الادعاء بأن لها حقا في تلك الملكية التي يدخلها: وينطبق نفس الأمر أيضا لدى دخول المسجد والضريح».
وقد لا نستغرب إت علمنا أن علاقة الأرض بالحذاء ليست مقتصرة على شعوب المنطقة، بل حتى في إسرائيل يتم إتمام عملية بيع الأرض بتقديم البائع حذاءه للمالك الجديد. وفي العراق، تم العثور على خطاطات قانونية قديمة توضح أن بيع الأرض يتم تأكيده برفع قدم البائع من الأرض ووضع قدم المشتري فوقها.
إن هذه النماذج الثلاثة تشير إلى أن خلع الحذاء أو رفع القدم من فوق الأرض يرمز إلى فقدان الملكية أو التخلي عنها لسبب من الأسباب. فهل تخلي الأفراد المشاركين في حفل «تاضا» عن أحذيتهم يرمز إلىتجردهم من ملكية تلك الأرض؟
إن الأرض التي يوجد عليها أهل زمور في الوقت الراهن أصبحت تابعة لهم بفضل الفتوحات. كما أنهم ألفوا وقوع حوادث يتسبب فيها قطاع الطرق بما في ذلك الاعتداءات وسرقة المواضي.ومما لا شك فيه أن تقليد «تاضا» جاء على خلفية وقوع العديد من النزاعات بين المجموعات القبلية. وبالعودة إلى السياق التاريخي والروايات التي تم تناقلها، يمكن القول إن قيام «أيت تاضا» بخلع أحذيتهم، لا يعبرون عن احترام الفضاء الذي يحتضن ذلك التقليد فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى التعبير عن أن كل طرف سيكف عن إلحاق الأذى بأفراد الطرف الآخر وممتلكاته عقارية كانت أم منقولة.
إن كانت عادة خلع الأحذية تروم توحيد مجموعتين من خلال أفراد ينتمون إليهما، فإنها، في نفس الآن، تستثني الأفراد غير المشاركين. ومشاهدة شخص يسير بحذائه فوق أرض المجموعتين يعني أن ذلك الشخص غير مرتبط معهم بذلك الميثاق. ولنتذكر ما سبقت الإشارة إليه في موسم سيدي العربي البوهالي، حيث كان الجميع يرتدون أحذيتهم باستثناء أفراد مجموعتي «أيت أونزار» و«أولاد حميد». لكن ما يلبث أن يحل اليوم الخامس من الموسم، حتىيصبح أمر خلع الحذاء مطبقا على جميع الحاضرين في مكان انعقاد الموسم، سواء كانوا مشاركين في طقوس «تاضا» أم مجرد ملاحظين. وإن شد أي شخص عن طوع ذلك الأمر، فإن اللعنة ستحل به. وحسب رواية «مبارك»، الذي ينتمي إلى إحدى القبائل المرتبطة بعادة «تاضا»، فإن كل من يريد حضور طقوس تلك العادة، عليه أن يظهر الاحترام ويخلع حذاءه. وإن لم يفعل، فإن شيئا غير سار سيصيبه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.