في الرابع من هذا الشهر، شهر شتنبر من عام 2012، أصدر وزير التربية الوطنية مقررا قضى بموجبه بتوقيف العمل بالمذكرة الوزارية رقم 109 (المؤرخة ب3 شتنبر 2008)، بشأن الترخيص لأطر هيئة التدريس العمومية بالقيام بساعات إضافية في مؤسسات التعليم الخصوصي. لم يأت القرار من فراغ ولا تم تسويغه دون حيثيات، بل أتى، في تحديد السياق، على معطيات محددة، لعل أقواها على الإطلاق «عدم احترام مقتضيات المذكرة المذكورة من طرف كل من المؤسسات الخصوصية وكذا الأطر التدريسية التي تعمل بساعات إضافية لدى هذه المؤسسات». لذلك، فقد قضى القرار الجديد بعدم السماح (عدم الترخيص بمنطوق القرار إياه) لأساتذة المؤسسات العمومية بالقيام بساعات إضافية في مؤسسات التعليم الخاص، سواء بسواء مع زملائهم، مفتشي المراقبة التربوية والتوجيه والتخطيط، وذلك في مختلف أسلاك التعليم العمومي. هو قرار مفاجئ دون شك، أخذ الخواص على حين غرة، ولاسيما أنه قد صدر صبيحة الدخول المدرسي الرسمي، أي بعدما حددت استعمالات الزمن في القطاع الخاص، وتمت «التعاقدات» ربما بين المدارس الخاصة والأطر العمومية المفروض الاستعانة بها. وهو قرار مفاجئ أيضا بالنسبة إلى أولياء التلاميذ في مؤسسات القطاع الخاص، ولاسيما بزاوية الجودة في الخدمات «التي قد تتأثر بالالتجاء العاجل إلى أطر غير مدربة، وبالأعداد التي سيتطلبها تعويض مئات ممن كانوا يحصلون على تراخيص بالعمل خارج أوقات عملهم الرسمي بساعات إضافية لدى مؤسسات التعليم الخصوصي». وعلى الرغم من الاحتجاجات القوية التي لقيها القرار من لدن الجمعيات المهنية في قطاع التعليم الخاص، فإن الوزارة لم تغلق الباب تماما كما يقال، بل جعلت مسألة التراخيص من صلاحياتها بالمركز وحالة بحالة، عوض ترك ذلك بين يدي مناديب لها بالمناطق والجهات (أي بالأكاديميات) قد يؤولون القرار إياه بطريقتهم، وقد يتواطؤون ضده، وقد لا تكون المصلحة العامة للمدرسة العمومية من باب أولوياتهم. بالتالي، فقد أمدت الوزارة أرباب المؤسسات الخاصة باستمارة تضم مجموعة الأساتذة العاملين في التعليم العمومي، الذين ينوون الاشتغال في القطاع الخاص، « تضم اسم ونسب الأستاذ ورقم تأجيره، إلى جانب مدة العمل التي يجب ألا تتعدى ثمانية ساعات في الأسبوع». بمعنى أن المدارس الخاصة ستتكفل «بملء الاستمارة الخاصة بالأساتذة، وإرسالها مباشرة إلى وزارة التربية الوطنية التي ستشرف بنفسها على الترخيص، مما يفيد بأن هذه الطريقة ستحد من اختلالات تشغيل الأساتذة دون ترخيص». ليس مهما أن يتعاطف المرء مع هذا القرار، أو يتحفظ على منطوقه، أو يرفضه حتى، لكن المهم أن يتمثل المرء بعضا من الأسئلة التي لا مجال كبيرا للمزايدة بشأن طرحها: أولا: ما معنى أن يستنزف التعليم الخاص الموارد البشرية العمومية لتحقيق أرباح خيالية، دونما أن تكون له يد ما في تحمل تكاليف تكوينها، أو إسهام ما في أعباء إعادة تكوينها وتطوير كفاءتها؟ لا بل ما معنى أن يطالب الخواص، في حالة القرار الحالي، بإلغائه وهم يعلمون جيدا بأن ذات المطالبة هي ضد القانون في الجملة والتفصيل؟ ثانيا: كيف يعقل أن يمضي الإطار التعليمي العمومي أكثر من 30 ساعة في القطاع الخاص، في حين لا يتعدى عدد ساعات تدريسه بالقطاع العام 18 إلى 20 ساعة، يقضيها بالقسم متعبا، منهكا، بل غير قادر على المواظبة، فيلجأ إلى الشواهد الطبية للتغطية على غيابه، بل قل على تقاعسه وتقصيره في القيام بواجبه؟ ثالثا: ما معنى أن يكون الأستاذ (وزوجته في العديد من الحالات) أجيرا بالتعليم العمومي، وهو يمضي معظم وقته بالمدارس الخاصة، لا بل إن أبناءه يتابعون دراستهم من بين ظهرانيها؟ وما معنى ألا يبقى بين الأستاذ والمدرسة العمومية من رابط إلا رابط الأجرة نهاية الشهر؟ إننا نزعم أنه لو كان ثمة من حديث عن أو في إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية، فإنه يجب أن يبدأ بتفكيك هذه التساؤلات الثلاثة. يحيى اليحياوي