في المغرب أخذ جيل جديد من الكتاب والباحثين يحتل الواجهة، ويزاحم الرؤى التقليدية، وهو يفتح الأوراش المحظورة، ويعمل فيها بالتنقيب والبحث والتحقيق أحيانا، وبالمراجعة والتصحيح والتجديد أحيانا ثانية، وبالتفكيك والهدم والإصلاح أحيانا ثالثة. من أبرز هذه الأسماء الباحثة والكاتبة والفقيهة أسماء المرابط، التي رشقتها قوى المحافظة والتقليد، خلال الأيام الأخيرة، بسهام التهديد، كما جرت عادتها مع كل صوت تقدمي مجدد. فمن هي هذه المرأة؟ وما فكرها؟ وما طبيعة رؤيتها التي أزعجت تيارات التقليد والمحافظة؟ لا يعتبر موقفها من نظام الإرث المعتمد، الذي عبرت عنه في الآونة الأخيرة وجر عليها الإقالة- أو فرض عليها الاستقالة- من الرابطة المحمدية للعلماء، وكذا الحملة المسعورة التي قادتها أطياف التقليد، أول موقف تنويري في مجال القراءة الدينية. ولكن أسماء المرابط عرفت بجملة من المواقف الجديدة التي عبرت عنها تجاه قضايا دينية مستشكلة، منها تنظيم الصلوات في المساجد والتربية الدينية الكارثية، بحسب تعبيرها، والحجاب. وفي هذه القضايا كلها، بدت أفكارها تفكيكية وإصلاحية في الآن ذاته. ورغم السجالات التي ثارت حولها في العديد من المحطات، إلا أن ذلك كله لم يمنعها من ترؤس مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، ومن الانتماء إلى الرابطة المحمدية للعلماء التي تخضع لإمارة المؤمنين. في هذا السياق، يبرر الحقوقي أحمد عصيد الهجمة على المرابط بالقول إن "السبب الرئيس لانزعاج قوى التقليد والرجعية من مواقف امرأة مفكرة، هو تعودهم على أن الفقه وشؤون الدين شأن ذكوري يحتكره أصحاب اللحى الطويلة، بينما نعلم علم اليقين بأن من أسباب تخلف المسلمين وتردّي أوضاعهم هو احتكار الرجال لسلطة الإفتاء في مصير النساء في غيابهن، وهو أمر ينبغي أن ينتهي إلى غير رجعة." رأت أسماء المرابط النور في الرباط سنة 1960، وهي ابنة أحمد المرابط، المنفي السياسي، المحكوم عليه بالإعدام في عهد الحسن الثاني، وصديق الزعيم السياسي المهدي بنبركة. تربت أسماء في كنف والديها بفرنسا ولبنان والجزائر، حيث تتلمذت في مدرسة الأخوات الكاثوليكيات في العاصمة الجزائر، قبل أن تهتم بالأديان، وتنكب على دراسة الثقافة الإسلامية. ورغم أنها حاصلة على دكتوراه في مجال الطب وشرعت تزاول المهنة في مستشفى ابن سينا بالرباط، كما عملت طبيبة متطوعة طوال سنوات (من 1995 إلى 2003) في بعض المستشفيات العمومية بإسبانيا وأمريكا اللاتينية، إلا أن انكبت على تأليف العديد من الأعمال في مجال التأويل الديني، غايتها "إعادة قراءة النصوص المقدسة، وكذا دراسة الفكر الإسلامي دراسة نقدية." ولعل من أبرز ما أصدرته أسماء المرابط كتابان باللغة الإنجليزية في بريطانيا وهولندا هما: "المرأة في القرآن" و"20 سؤالا وجوابا حول الإسلام والمرأة من وجهة نظر إصلاحية". إذ تتناول "من منظور إصلاحي"، في هذين الكتابين، واقع المرأة في الإسلام وإمكانيات تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. إذ تطرح الأسئلة حول وضع المرأة في الدين الإسلامي، حيث تهتم، في المقام الأول، بالصور النمطية السائدة والأحكام المسبقة حول المرأة في الإسلام، سواء تلك التي يروجها الغربيون، أو تلك التي ينشرها المسلمون أنفسهم عنها من خلال التأويل المغلوط والسيئ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وقد صدر الكتابان تباعا ضمن منشورات "كيوب بابليشينغ" البريطانية و"أمريت بابليشيرز" الهولندية. إذ تقترح فيهما معا مقاربات وتحليلات للمفاهيم القرآنية الأساسية المتصلة بوضع المرأة، مركزة أساسا على ما تسميه ب"الأخلاق القرآنية للعلاقات بين الرجال والنساء". وفي هذا الصدد، تعمل، من خلال هذه "الأخلاق"، على هدم وتفكيك التأويلات التمييزية الموروثة عن الماضي، مبرزة المبادئ الإسلامية التي تؤسس المساواة بين الرجال والنساء. ففي كتاب "النساء في القرآن"، تقدم أسماء المرابط مقاربة جديدة حول موضوع المرأة المسلمة، مركزة على الأخلاق التي نص عليها القرآن في العلاقات بين الرجال والنساء، كما يحاول فهم بعض المفاهيم التي جاءت في القرآن لفائدة المساواة بين الرجال والنساء. إذ تدعو، في الدرجة الأولى، إلى إعمال العقل والفكر في أخلاق العلاقات التي ينبغي أن تجمع بين الرجل والمرأة، كما تتصورها المصادر الفقهية في الإسلام، حيث تسعى من خلال ذلك إلى "فك شيفرة" بعض المفاهيم القرآنية، بما يسمح بإرساء أسس المساواة بين الرجل والمرأة. أما في كتاب "20 سؤالا وجوابا حول الإسلام والمرأة"، فقد تحدثت فيه المرابط عن إشكالية المرأة في الإسلام اليوم، حيث أصبحت رهينة لتصورين متطرفين، تصور إسلامي محافظ متشدد، وتصور غربي يحمل رؤية أحادية للإسلام، بل تصل أحيانا إلى حد الخوف من هذا الدين. في هذا الإطار، تسعى الكاتبة إلى استنطاق المصدرين الأساسيين في الدين الإسلامي وهما القرآن والسنة النبوية، حيث الغاية من ذلك تتمثل- كما في الكتاب الأول- في إعادة قراءة مختلف التصورات والتأويلات التي أنتجت الصور النمطية والأحكام المسبقة الرائجة حول المرأة في الإسلام.