يواجه التنزيل التجريبي ل"المجموعة الصحية الترابية" بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة انتقادات نقابية متصاعدة، إثر تسجيل اختلالات في التدبير المالي والإداري وتأخر في صرف مستحقات الأطر الصحية، ما يهدد مسار تعميم هذا الإصلاح المهيكل على المستوى الوطني. وتبرز هذه الصعوبات العملية بعد نحو ستة أشهر من الإطلاق الفعلي للنموذج التجريبي في أكتوبر الماضي، ضمن خطة حكومية تهدف إلى إعادة تنظيم العرض الصحي وتنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية، والقانون رقم 08.22 القاضي بإحداث المجموعات الصحية الترابية. ووجه المكتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية، العضو في الفيدرالية الديمقراطية للشغل، مذكرة ترافعية مستعجلة إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، يسجل فيها تعثرات ترافق عملية نقل ودمج الموارد البشرية. وتفيد المراسلة النقابية بأن الشغيلة الصحية بالجهة تعاني من تدهور في الأوضاع المادية جراء "التعطيل غير المبرر" لصرف مستحقات متراكمة منذ أشهر. وتشمل هذه المستحقات تعويضات الحراسة والإلزامية والمداومة، ومستحقات الترقية في الدرجة والرتبة، والتعويضات عن التنقل، فضلا عن حذف منحة المردودية. ويشكو الفاعلون المهنيون من "ضبابية" تكتنف الهيكلة التنظيمية وتوزيع الصلاحيات بين الإدارة العامة للمجموعة الصحية الترابية والمصالح اللاممركزة التابعة للوزارة. وأدى هذا الوضع، بحسب مصادر نقابية، إلى تداخل في الاختصاصات، وتفاوت في الإدارة، وبطء شديد في تسوية الوضعيات الإدارية للعاملين بالمؤسسات الاستشفائية. وتشير النقابة إلى وجود تباين في المعاملة بين موظفي المجموعة الصحية الترابية النموذجية ونظرائهم التابعين مركزيا لوزارة الصحة. ونبهت الهيئة ذاتها إلى تعثر تفعيل مقررات الحركة الانتقالية، واستمرار الإشكالات المرتبطة بمركزية الأجور، ما اعتبرته استهتارا بحقوق الأطر الصحية وضربا للالتزامات المنصوص عليها في اتفاقات الحوار الاجتماعي القطاعي السابقة. ودعت الهيئة النقابية إلى عقد اجتماع مؤسساتي ثلاثي الأطراف يجمع الوزارة الوصية، والإدارة العامة للمجموعة الصحية، والفركاء الاجتماعيين، لفك ما وصفته ب"البلوكاج" الذي طال ملفات التسويات الإدارية والمالية. وتجاوبت الإدارة مع هذا المطلب ببرمجة لقاء رسمي متم شهر مارس الجاري لاحتواء الاحتقان وبحث مسارات التسوية. ولوحت النقابة، في بيان استنكاري منفصل، بتسطير برنامج نضالي يتضمن خطوات ميدانية نوعية، في حال عدم تقديم ضمانات حقيقية لتسوية المتأخرات. كما شددت على ضرورة اعتماد الاستحقاق والكفاءة في إسناد مناصب المسؤولية، بعيدا عن الارتجال والمحسوبية في تدبير هذه المرحلة الانتقالية. وتكتسي هذه الأزمة أهمية بالغة بالنظر إلى أجندة الحكومة الرامية إلى تعميم نظام المجموعات الصحية الترابية تدريجيا خلال سنة 2026. وصادقت السلطة التنفيذية في دجنبر 2025 على أحد عشر مرسوما تحدد تواريخ الشروع الفعلي في ممارسة اختصاصات هذه المجموعات بجميع جهات المملكة الاثنتي عشرة، بمجرد استكمال هياكلها الإدارية. وحذرت النقابات من مغبة تعميم هذا النموذج على الصعيد الوطني قبل إجراء تقييم موضوعي وشامل للتجربة النموذجية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة وتصحيح اختلالاتها. وتعتبر التنظيمات العمالية أن نقل التجربة بوضعها الحالي يمثل مخاطرة باستقرار المنظومة الصحية وبمصداقية الإصلاحات المبرمجة. في المقابل، تؤكد المقاربة الحكومية أن إحداث هذه المجموعات، التي تتمتع باستقلالية إدارية ومالية، يشكل رافعة أساسية لتنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية. وترى السلطات أن هذا الخيار التدبيري سيساهم في تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج، وتحسين الحكامة عبر منح الجهات صلاحيات أوسع في اتخاذ القرار وتوجيه الاستثمارات وتدبير الصفقات العمومية. ويفترض أن تتيح هذه المجموعات انتقالا من النمط المركزي التقليدي إلى تدبير لاممركز، يغطي مجالات أساسية حددها المشرع في تقديم العلاجات، وتأمين الصحة العامة من خلال ضمان اليقظة الصحية ورصد الأوبئة، إلى جانب مهام التكوين، والبحث العلمي والابتكار، والإدارة وضبط المستعجلات. وتهدف الهيكلة الجديدة إلى تأمين مسار علاجي مندمج ومتدرج يضم المستشفيات الجامعية كقاطرة للبحث والعلاج المتخصص، وصولا إلى المستشفيات الجهوية والإقليمية ومراكز الرعاية الصحية الأولية ومستوصفات القرب، بهدف تخفيف الضغط المباشر على الأقطاب الطبية المركزية. ورغم الأهداف الاستراتيجية المعلنة التي تروم تجويد العرض الصحي وتحسين جودة التدخلات الطبية، يرى الشركاء الاجتماعيون أن نجاح الورش مرتبط جذريا بمدى القدرة على ضمان انتقال سلس يحفظ المكتسبات الإدارية والمادية، ويؤسس لنظام تحفيزي فعال. ويعتبر المهنيون أن التحفيز هو السبيل الوحيد للحد من نزيف الكفاءات الطبية وشبه الطبية والتقنية نحو القطاع الخاص أو الهجرة إلى الخارج. وبات مسار التنزيل رهينا بمدى نجاح جولات الحوار المرتقبة في توفير التزامات إجرائية مكتوبة ومحددة بآجال زمنية مضبوطة. ويتطلع الفاعلون إلى قرارات عملية تحول دون تحول المرحلة الانتقالية إلى مصدر للاحتقان الميداني، الذي قد يؤثر سلبا على التنزيل الفعال للتغطية الصحية الشاملة وعلى استمرارية المرفق العام في تلبية الاحتياجات الصحية للمواطنين.