الحملة التي تم إطلاقها من طرف جهات مجهولة، عبر شبكات التواصل الاجتماعي ضد ثلاث علامات تجارية، في طريقها إلى أن تتحول إلى تمرد اقتصادي، اجتماعي وسياسي. إنه رابع حَراك احتجاجي يهز المملكة في ظرف سنة ونصف… ترجمة: إبراهيم الخشباني عن سيلين لوساتو، "لونوفيل أوبسرفاتور" حراك لغز؛ لا أحد يعرف من أطلقه ولا أحد يعرف نواياه بالتحديد. وهو مع ذلك حراك مستمر منذ ثلاثة أشهر ونصف دون أن يبدو عليه أي ضعف أو وهن. منذ ال 20 من أبريل الماضي استُدْعِيَ المغاربة إلى مقاطعة ثلاث علامات تجارية رائدة: الماء المعدني "سيدي علي"، ومُوَزِّع الوقود "إفريقيا" ومنتجات الحليب ومشتقاته "سنترال دانون". مقاطعة هدفها الاحتجاج ضد غلاء المعيشة، والرشوة والفساد، وضد التزاوج بين أوساط اقتصادية وسياسية. إنها مقاطعة تعرف نجاحا إلى الآن؛ ف %57 ممن لهم معرفة بالحراك أكدوا ليومية "ليكونوميست" المغربية في أواخر شهر ماي الأخير أنهم منخرطون في المقاطعة؛ %67 منهم من الطبقة الوسطى. إنه نجاح بنتائج ملموسة: أدى إلى تقديم وزير الشؤون العامة لحسن الداودي لاستقالته، كما أرغم رئيس "دانون" "إيمانويل فابر" على السفر إلى الدارالبيضاء في محاولة لاستعادة بعض ما فقدته علامته من صورتها. فمنتج الحليب ومشتقاته هو بالفعل أكبر المتضررين من المقاطعة؛ بما أن البنزين والماء المعدني ليسا مما تستهلكه عادة الطبقات الشعبية؛ فقد عرفت مبيعات منتجات "سانطرال- دانون" تراجعا بنسبة %50 منذ بداية شهر ماي وينتظر أن تعرف خسائر مهمة خلال الأشهر الستة الأولى من هذه السنة. هذا الحراك؛ إنما هو انعكاس لتذمر عام؛ إنه آخر حلقة من أزمة سياسية، واجتماعية، واقتصادية عميقة. في نهاية سنة 2016؛ كانت وفاة بائع سمك شاب مطحونا في حاوية أزبال أمام أعين رجال الأمن قد فجرت حراكا؛ حيث انتفضت منطقة الريف ضد التهميش الاقتصادي للجهة. ثم إن انقطاع الماء لمدة طويلة بسبب السقي المكثف لحقول البطيخ في نواح بجنوب البلاد قد أثار الانتفاضات التي سميت ب"مظاهرات العطش" بمدينة "زاڭورة" طيلة الصيف الماضي. وفي نهاية سنة 2017 جاء الدور على عمال مناجم جرادة للنزول إلى الشوارع للمطالبة بالشغل. حراكات سلمية ردت عليها السلطات بالقمع. ولقد سقطت أول الأحكام في شهر يونيو الأخير مثل ساطور المقصلة: قادة الحراك الأساسيون تم الحكم عليهم بأحكام بلغت العشرين عاما من السجن. وكان أن خرجت الحسيمة عاصمة جهة الريف إلى الشارع للاحتجاج. تلت ذلك اعتقالات أخرى… واليوم، مع هذه المقاطعة، فإن التعبئة أطلت بوجه جديد. إنه وجه الخفاء لمستهلكين يصارعون ضد غلاء المعيشة. ذلك أنه على الرغم من نسبة نمو جيدة، ومن تضخم متحكم فيه؛ فإن الوضع الاقتصادي للبلد ينعكس سلبا على الساكنة: البطالة مستمرة في التزايد؛ بحيث تمس اليوم %25 من الشباب؛ بل إن النسبة تصل في المجال الحضري إلى %43. وبما أن متوسط الأجور لا يكاد يبلغ 350 أورو في الشهر؛ في الوقت الذي يستقر فيه الحد الأدنى للأجور في 250 أورو فقط؛ يُتَفَهَّم إذن، لماذا تنضم الطبقة المتوسطة التي تزداد هشاشة هي الأخرى إلى الحراك بحماس. يقول عالم الاجتماع المهدي عليوة مفسرا: «هذه الطبقة الوسيطة التي قبلت مرغمة بالإصلاحات السياسية المتعلقة باللَّبْرَرَة الاقتصادية؛ تجد اليوم صعوبة في العيش؛ فالمواد الاستهلاكية أصبحت مرتفعة الثمن بالنسبة لها هي أيضا، وأصبحت مضطرة للدفع غاليا من أجل الدواء ومن أجل التعليم. لسنا في دولة اجتماعية، ولا في دولة راعية توفر الرفاه. وبالتالي، فالتذمر يزداد حدة أكثر فأكثر». بل إن الاحتدام يتجاوز بكثير الغلاء المرتفع جدا للأسعار. وتؤكد المنظمة غير الحكومية "تراسبارانسي-المغرب" أن «المستهدف بالفعل هو مجمل الحكامة في اقتصاد يلغمه الريع، والرشوة وتدخل السلطة». بينما يقول المؤرخ والاقتصادي محمد الناجي: «إن الاحتجاج الناتج عن الضجر من التحمل سياسيا أكثر هو الذي يعبر عن نفسه في شكل مقاطعة؛ بما معناه إحالة غريزية تترجم استياءً من تحكم للسلطة في الاقتصاد بشكل خانق». فالعلامات الثلاث المستهدفة بالمعاقبة الشعبية جميعها لها علاقة بالسلطة. مديرة الماء المعدني سيدي علي مريم بنصالح شقرون؛ التي كانت إلى حدود ماي المنصرم رئيسة الباترونا المغربية؛ ظلت بانتظام تظهر في لائحة المرشحين ل"التوزير". والملياردير عزيز أخنوش، مالك المؤسسة الأم لمحطات توزيع المحروقات "إفريقيا" هو نفسه وزير الفلاحة في الحكومة الحالية، وأما مجموعة "سانطرال-دانون"؛ فمع أنه تم شراؤها من طرف مجموعة "دانون"، فإنها لازالت في أذهان المغاربة مرتبطة بالصندوق الاستثماري للعائلة الملكية "المدى". إنها إذن أزمة سياسية هذه التي يغوص المغرب في أعماقها بلا ريب. إن عجز الحكومة عن التجاوب مع الحركات المتتالية تكَرَّسَ علاوة على ذلك أكثر مع استمرار المقاطعة. فالائتلاف الحكومي حول حزب العدالة والتنمية (الإسلامي، المتوفر على الأغلبية البرلمانية) يعيش حالة من التشرذم. بل إن الأجواء حتى داخل حزب المصباح تبدو متوترة. حتى إن البعض بلغ بهم الأمر إلى حد الاشتباه في كون المقربين من رئيس الحكومة السابق عبدالإله بنكيران الذي تم إبعاده من الحكومة، هم من يقفون وراء الدعوة إلى المقاطعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية عبر من جهته في بلاغ أصدره يوم 13 يونيو المنصرم، عن استيائه من غياب «الجرأة» و«المسؤولية» في التعاطي مع الوضع، كما عبر عن "قلقه". وقبل ذلك ببضعة أيام أصدر الحليف الآخر في الحكومة (التجمع الوطني للأحرار)؛ الذي زعيمه ليس إلا عزيز أخنوش، وزير الفلاحة ومالك المؤسسة الموزعة للبترول "إفريقيا" المستهدفة بالمقاطعة، بيانا دعا من خلاله إلى «القيام بمراجعة في منهجية العمل». هل هي محاولة منه للخروج من المستنقع الذي دفعته إليه الدعوة إلى المقاطعة؟ يرى المؤرخ محمد الناجي أن: «المقاطعة توفر فرصة لشيء من تصفية بعض الحسابات داخل الحكومة نفسها؛ وعلى الخصوص بين الإسلاميين وحلفائهم الظرفيين من البرجوازية الصاعدة: ويبدو أن أخنوش قد سدد ثمن تبعات ذلك»؛ حسب تحليل محمد الناجي للوضع ف«الوزير أخنوش في طريقه إلى التصفية سياسيا». أما الملك فهو يتمتع بعطلته في طنجة، تاركا لمستشاريه مهمة انتقاد عمل الحكومة؛ فقد صرح المستشار الملكي السابق عباس الجراري يوم 10 يوليوز على صفحات يومية "أخبار اليوم" بالقول: «عوض الحديث عن قانون لمحاربة المقاطعة؛ كان على المسئولين الحكوميين أن يعملوا على استجلاء الدواعي والأسباب التي دفعت الناس إلى هذه التعبئة». في بلد حيث جميع ما يحوم حول الملك لا بد وأن يخضع لمختلف التأويلات؛ بحيث يحاول الكل من جهته سبر المعاني والمقاصد والإشارات الملكية. هل هناك توجه نحو تعديل حكومي؟ هل علينا أن ننتظر تشكيل حكومة تقنوقراط؛ الأمر الذي ينادي به الكثيرون؟ هل يمكن أن يذهب محمد السادس حتى إلى حل البرلمان؛ مما يعني انتخابات جديدة؟ لكن يبدو أن نتائج هذه الانتخابات غير مضمونة على الإطلاق، مما من شأنه أن يصرف القصر عن المضي في هذه المغامرة. غير أنه من الواضح أن هناك قرارات سوف تُتخذ قطعا. «من يهتم بإيجاد أجوبة لمطالب المتظاهرين والمقاطعين»، هذا التساؤل جاء على لسان نبيلة منيب؛ زعيمة "اليسار الاشتراكي الموحد"؛ التي أضافت موضحةً أكثر بنبرة حانقة: «لكون البرلمانيين؛ وفي خضم هذا الوضع لم يجدوا حرجا في مناقشة إصلاح نظام التقاعد الخاص بهم»، وتضيف: «يجب مد الجسور، وإعادة الثقة. نحن في حاجة إلى الشفافية، وإلى التكتل جميعا لمحاربة الرشوة والفساد؛ ونحن في حاجة إلى أسواق عمومية منفتحة حقيقة». أما الأستاذ الجامعي المتخصص في العلوم السياسية، عبدالمغيث بنمسعود طريدانو، فلم يتردد في الحديث عن «الفراغ السياسي في المغرب». هل تؤدي هذه المقاطعة إلى تحريك البِرك الراكدة وتغيير الأوضاع؟ هناك من يتمنى ذلك بالفعل. بينما آخرون يحاولون الدفع نحو التهدئة عن طريق نشر بعض مقالات الرأي في هذا الاتجاه؛ ويحاولون فتح قنوات الحوار؛ مثل ما قام به بعض المحامين والجامعيين؛ الذين دعوا إلى تعليق المقاطعة بالنسبة إلى "سانطرال-دانون" بهدف تمكين مديرها العام "إمانويل فابر" من مهلة للوفاء بتعهداته؛ وعلى الخصوص تخفيض الأسعار؛ غير أنها دعوة لم تلق أي نجاح لحد الآن. إنها المرة الأولى التي تدار فيها مظاهرة اجتماعية عبر فقط، شبكات التواصل الاجتماعي وحدها. صحيح أنه منذ حراك 20 فبراير 2011؛ ليست هناك مظاهرة تحقق لها الوجود دون متابعة فعلية لما يتم بثه عبر "فيسبوك" و"تويتر"؛ فمظاهرات الريف مثلا، كلها تم نقلها مباشرة عبر مواقع وسائل الإعلام المحلية، والصحافيون- المواطنون الذين كانوا وراء هذه التغطية الإعلامية؛ يقبعون اليوم وراء القضبان محكوما عليهم بسنين عديدة من السجن. أما الآن، فإن التعبئة تبقى افتراضية بالكامل، وبدون زعماء ظاهرين؛ فلا واحدة من الأطاريح والتخمينات حول من يقف وراءها بدا لها أساس من الصحة؛ لا زعم أنها نتيجة مؤامرة مدبرة من جهات خراجية، ولا كونها مكيدة من تدبير محيط رئيس الحكومة السابق عبدالإله بنكيران، ولا أنها تدخل ضمن مناورات المتنافسين السياسيين… كل هذا لا يبدو قائما على أي أساس. فكيف يمكن إذن أن تجد هذه الادعاءات صدى ومصداقية داخل المجتمع؟ يرى المهدي عليوة أن: «هناك غيابا للنضج السياسي في المغرب؛ فالمقاطعة؛ هي حركة جيدة للتوعية؛ ولكن يجب أن تتطور؛ أن تتجاوز كونها مجرد احتجاج على ثمن الياوورث»؛ يُستشف من مثل هذا الكلام أن ذلك يعد بمثابة دعوة ضمنية إلى اليسار الإصلاحي للأخذ بزمام المبادرة قبل أن يستغل آخرون من أصحاب التطلعات الأكثر ثورية يأس ساكنة مسحوقة وتائهة. يروي المهدي عليوة في هذا الصدد أن القوة الأكثر تمثيلية في المسيرة الأخير التي نُظمت في الدارالبيضاء من أجل المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الريف؛ لم تكن سوى جماعة العدل والإحسان..