تحويلات الجالية المغربية بالخارج تفوق 117 مليار درهم            عمر بلمير يقتحم عالم التمثيل    دياز ومزراوي ضمن التشكيلة المثالية لدور المجموعات    مطار مراكش المنارة : العمليات مستمرة بشكل عادي رغم حادث السقف المستعار    بلاغ لوزارة الداخلية على ضوء االتقلبات الجوية    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الارتفاع    "عمي علي".. كيف استطاعت شخصية افتراضية أن تنتزع محبة الطنجاويين وتتحول إلى "ترند" في وقت وجيز    محامو المغرب الشباب يطالبون بتدخل حقوقي دولي لوقف ما يصفونه بانزلاق تشريعي يهدد استقلال المهنة    وزارة النقل تدعو مستعملي الطرق إلى الحيطة مع توقع اضطرابات جوية قوية بالمغرب    مغاربة يؤدّون صلاة الغائب على شهداء غزة وينظمون وقفات احتجاجية تندّد بجرائم الاحتلال والتطبيع    هولندا .. إلغاء أو تأجيل عدة رحلات في مطار سخيبول بسبب الاضطرابات الجوية    نشرة إنذارية.. رياح عاصفية قوية وأمطار جد قوية وتساقطات ثلجية يومي الجمعة والسبت    لقاء لتقديم دليل الصحفي الرياضي: من أجل صحافة رياضية ملتزمة بحقوق الإنسان    "كان المغرب".. الاتحاد السنغالي لكرة القدم ينفي وجود أزمة داخلية قبل مواجهة السودان    المكتب النقابي المحلي بالقصر الكبير يعلن تجميد عضويته داخل المكتب الإقليمي    رواية عبْد الحميد الهوْتي "حربُ الآخرين" تجربة أدبية تَرُد عَقارب التاريخ الى ساعة الحقيقة    أخوماش ورحيمي: هدفنا الانتصار وإسعاد الجماهير    2025 السنة الديبلوماسية الذهبية للمغرب    مدرب السنغال .. سنخوض مقابلة صعبة أمام السودان الفريق المنظم وصعب المراس    اضطرابات جوية .. تعليق الدراسة الجمعة بعد الزوال وطيلة يوم السبت بتزنيت    الوداد يتحرك بقوة في الميركاتو الشتوي... ثلاث صفقات وازنة في الطريق    تفاصيل اضطراب جوي قوي يعيد التقلبات المناخية إلى عدة مناطق بالمغرب    مشروع "اليسار المتجدد" يطرح تحديات تنظيمية داخل الاشتراكي الموحد    ظهور لافت لابنة كيم جونغ أون في موقع رمزي يعيد طرح سؤال الخلافة    غارات سعودية تستهدف معسكرًا باليمن    الاحتجاجات في إيران.. ترامب يؤكد أن الولايات المتحدة "جاهزة للتحرك" وطهران تحذر    بلغاريا تنضم رسميا لمنطقة اليورو    فاس – مكناس : إحداث أزيد من 6300 مقاولة مع متم أكتوبر الماضي    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    دي لا فوينتي: المغرب يفرض نفسه كأبرز المرشحين للفوز بالمونديال        الصين تطلق برنامج دعم جديد لاستبدال الأجهزة المنزلية وتعزيز الاستهلاك في 2026    الغابون تُعلّق نشاط منتخبها بعد الخروج المبكر من كأس إفريقيا    تزايد عدد القتلى في مظاهرات إيران    سويسرا تحت الصدمة بعد حريق كرانس مونتانا.. ضحايا من جنسيات متعددة    تأخر صرف تعويضات أساتذة "مؤسسات الريادة" يثير تساؤلات حول حكامة التدبير    دراسة: أدوية خفض الكوليسترول تقلّل خطر الإصابة بسرطان القولون            حركة ترقيات أمنية تعزز الحكامة بالجديدة.. المراقب العام حسن خايا يرتقي إلى رتبة والي أمن    مستعجلات الجديدة وليلة رأس السنة : أرقام وتعبئة طبية خاصة    إصلاح التقاعد على طاولة لجنة تقنية    صناعة السيارات الكهربائية.. "بي واي دي" الصينية تسجل مبيعات قياسية وتنتزع الصدارة عالميا في 2025    تحويلات مغاربة العالم تتجاوز 111 مليار درهم عند متم نونبر    " حلاق درب الفقراء" في ضيافة جمعية إشعاع للثقافات والفنون بالعرائش    رحم الله زمنا جميلا لم ينقض بالهم والحزن    وفاة الممثل "أيزيا ويتلوك جونيور" عن 71 عاما    ارتفاع "الكوليسترول الضار" يحمل مخاطر عديدة    المغرب يترأس مجلس إدارة معهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة    الاستهلاك المعتدل للقهوة والشاي يحسن وظائف الرئة ويقلل خطر الأمراض التنفسية        الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إسماعيل حمودي يكتب: من أجل نقاش حول فعلية الحقوق
نشر في اليوم 24 يوم 14 - 08 - 2020

قدّم المجلس الوطني لحقوق الإنسان مذكرة مهمة تتضمن تصوره للنموذج التنموي البديل، انطلاقا من مقاربة «فعلية الحقوق»، التي اعتمدها عنوانا لاستراتيجية عمله في شتنبر 2019. وهي مذكرة تستحق الوقوف عندها بالتحليل والنقد، كونها مدخلا مهما في السياق الحالي لإثارة النقاش الهادئ حول الارتباك الحاصل، ليس في الجانب الحقوقي فقط، بل كذلك في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي كذلك.
تنطلق المذكرة من فكرة مركزية لا يمكن إلا الاتفاق معها، تدعي أن المغرب راكم مكتسبات قانونية مُعتبرة خلال العقدين الماضيين، ابتداء بالدستور ومرورا بالاتفاقيات الدولية التي انضم إليها، لكن الإشكال يكمن في محدودية تفعيل تلك القوانين في الواقع المعيش للمغاربة. بعبارة أخرى، يؤكد المجلس، وهو مؤسسة دستورية، أن القانون في بلادنا ليس كافيا، وحده، لحماية الحقوق والحريات، وهو نقد قوي لا يختلف كثيرا في عمقه عن أقوى الانتقادات التي توجه إلى واقع الحقوق والحريات في بلادنا.
لكن السؤال الملح هو: لماذا لا تستطيع القوانين تغيير واقع الناس؟ أوردت المذكرة عدة إجابات؛ منها اختزال الفعل الحقوقي في البعد القانوني المعياري، مع إهمال أهمية الأبعاد غير القانونية، خصوصا العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والعوامل الثقافية والبيئية التي تجعل ثمار التنمية، مثلا، لا تعود بالنفع على جميع المواطنين على قدم المساواة والعدالة. يريد المجلس القول إن العطب أكبر من القانون نفسه، إذ يكمن في النموذج التنموي القائم الذي يحول دون التمكين للحقوق والحريات، وعليه، فالتحدي الأكبر الذي ينبغي مواجهته هو: كيف يمكن صياغة نموذج تنموي بديل قادر على تكريس فعلية حقوق الإنسان، حتى لا تكون التنمية وحقوق الإنسان قضيتين متجاورتين بل ملتحمتين في جواب واحد عن التحديات القائمة.
يعتقد المجلس أن ذلك ممكن من خلال بناء عقد اجتماعي جديد، يجري الاعتراف فيه بالمواطن ذاتا حقوقية أمام الدولة، كونه محور التنمية وهدفا مركزيا لها، ما يقتضي تخليص مفهوم التنمية من النزعة الاقتصادوية، وتخليص حقوق الإنسان من النزعة المعيارية، لصالح اعتماد مقاربة حقوقية وطنية للتنمية، تُصَرَّف على مستويين؛ مستوى الاختيارات الاستراتيجية التي وجب أن تكون قيم الحرية والمساواة والعدالة والتضامن من ثوابتها؛ ومستوى السياسات العمومية القائمة على قيم المشاركة والمحاسبة التمكين والشرعية وعدم التمييز، على أن تكون ذات طابع إجرائي ملموس، وذات أثر قابل للقياس.
ويرى المجلس أن جائحة كورونا تدعو إلى التوجه نحو تعزيز مقاربة التنمية المبنية على حقوق الإنسان، لأنها جائحة أعادت تأكيد محورية الإنسان في أية عملية تنموية، وكشفت أن كل إنجاز اقتصادي يبقى قاصرا ما لم يحرر الناس من الفقر والخوف، كما أبانت عن تفاوتات عميقة فئوية ومجالية، وقفت عائقا حقيقيا أمام جهود الدولة في مواجهة الجائحة، لذلك، يلح المجلس على الاستمرار في إصلاح الدولة بنفس استراتيجي، حيث تكون حامية وراعية للحقوق، ومنها الحق في التنمية.
هكذا، يبدو تصور المجلس متماسكا، فهو إذ يقر بالنقائص والاختلالات التي تحول دون فعلية الحقوق، حاول تقديم أفكار بديلة لما هو قائم، بيد أن الإشكال، مرة أخرى، ليس في التصورات المكتوبة التي باتت تبرع فيها مؤسسات دستورية مثل المجلس، أو في القوانين نفسها التي تعكس بدورها تصورات، بعضها جيد دون خلاف، لكنها لا تغيّر من واقع الناس الكثير. فضلا عن ذلك، صار انتقاد الممارسات جزءا من الخطاب الرسمي للدولة منذ سنوات، ما يعني أن الدولة طبّعت مع النقد، مهما كانت حدّته، إلا أن النقد لا يُغير شيئا كذلك، ما يستدعي البحث في جوانب أخرى، أزعم أنها تكمن في حالة اللاتوازن في دور الفاعلين في ما يخص الممارسة، بل وفي انصياع الفاعل السياسي والحقوقي للحالة المذكورة، باستثناء بعض المقاومات هنا أو هناك.
ذلك أن القوانين تعكس، في النهاية، موازين القوى القائمة، وهي الموازين التي تتميز في الظرفية الحالية بتراجع دور وتأثير الفاعل الحقوقي والسياسي، سواء الموجود داخل المؤسسات أو الموجود في المعارضة، ولا حاجة إلى التذكير بالطريقة التي جرى التعامل بها مع الفريق السابق على رأس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على خلفية ادعاءات التعذيب في حراك الريف، وكيف أن ما وقع حينها لم يثر أي رد فعل لدى جل الطبقة السياسية والحقوقية، لأنها منصاعة لحالة اللاتوازن، كما أشرت إليها آنفا.
أريد القول إنه مهما كانت قوة الخطابات وجذريتها، فقد أصبحت مقبولة من لدن الدولة، مادامت خالية من الشخصنة، لكن الإشكال أن استراتيجية الخطاب تبدو منفصلة عن استراتيجية الحركة لدى عدد من الفاعلين. ولكي أكون واضحا أقول إن إنتاج مؤسسة دستورية تقريرا أو دراسة أو مذكرة أو قانونا بات هو المفضل لديها، على حساب تفعيل اختصاص جوهري آخر، مثل تشكيل لجان للرصد والتقصي في وقائع مادية ملموسة، وتسبب عنتا وظلما للمواطنين، ذلك لأن التقرير قد يزعج يوما أو يومين قبل أن تتصدى له وسائل إعلام معينة بالتسفيه، فيما يعد تشكيل لجنة للرصد والتحري خطوة فعلية للبحث عن التوازن بين القوى في الميدان، وهو ما يزعج أكثر ذوي النفوذ والسلطة، ما يجعلهم يرفضونه، وقد يتصدون له بشتى الطرق، وذلك هو ما يفسر الهوة الشاسعة بين النصوص والواقع، والله أعلم..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.