1. الرئيسية 2. تقارير خدمة عسكرية في فرنسا وإعادة تشكيل للجيش الألماني وتعليمات للمدنيين في هولندا.. هل تقف أوروبا على أعتاب الحرب مع روسيا؟ الصحيفة - إسماعيل بويعقوبي الجمعة 28 نونبر 2025 - 14:30 لم يكن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الخميس، إطلاق خدمة عسكرية طوعية للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 عاما بدءا من منتصف عام 2026، أمرا طبيعيا، فدخول البلد الذي يتوفر على أقوى جيش داخل الاتحاد الأوروبي، على خط الاستعداد لنشوب حرب مع روسيا، كان يعني أن الأمر يتجاوز حدود المخاوف إلى وجود احتمالات جدية. ففي مناخ دولي يزداد توترا، تتقدّم أوروبا بخطوات متسارعة نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مستحضرة إرثا تاريخيا ثقيلا يعود لبدايات القرن العشرين حين أشعل تكوين التحالفات وسباق التسلّح المحموم فتيل الحرب العالمية الأولى ثم الثانية في ظرف زمني عصيب امتد ما بين 1914 و1945. المخاوف من توسّع النفوذ الروسي وتراجع مظلة الحماية الأمريكية تدفع دولا مثل ألمانياوفرنساوهولندا إلى إعادة النظر جذريا في إستراتيجياتها الأمنية، عبر توسيع حجم الجيوش، وإحياء الخدمة العسكرية الإلزامية أو الطوعية، وإطلاق خطط تعبئة مدنية واسعة النطاق. ولا يقتصر هذا التوجّه الجديد، على الإجراءات العسكرية الصرفة، بل يمتد إلى بناء روح دفاعية داخل المجتمعات الأوروبية، في مشهد يعيد التذكير بالبُنى النفسية والسياسية التي سبقت اندلاع الصراعات الكبرى وفي مقدمتها الحربان العالميتان الأولى والثانية. ففي ألمانيا، أعلن المستشار فريدريش ميرتس، قبل أيام، عن مشروع شامل لإعادة تشكيل الجيش ليصبح الأقوى أوروبيًّا بحلول 2035، عبر رفع عدد القوات إلى 260 ألف جندي نشط و200 ألف احتياطي، مرفقا بإغراءات مالية تصل إلى 2600 يورو شهريا للمجندين. أما في فرنسا، فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس، عن إطلاق خدمة عسكرية طوعية للشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و19 عاما، على أن تبدأ منتصف عام 2026، في إطار استراتيجيات فرنسا لتعزيز الأمن الوطني وسط بيئة دولية متوترة، وتصاعد التحديات الأمنية الأوروبية، ولا سيما التوترات القائمة مع روسيا. وأوضح ماكرون خلال زيارته للواء المشاة الفرنسيين جنوب شرق البلاد، أن المتطوعين في هذه الخدمة سيخدمون داخل الأراضي الفرنسية فقط، مؤكدا أن الهدف يتركز على صقل المهارات الوطنية وتعزيز جاهزية الشباب لمواجهة أي أزمات محتملة. هل تقترب أوروبا من حرب قد تعيد رسم خريطتها؟ من جهتها، اعتمدت هولندا مقاربة مدنية مباشرة، حيث وزّعت الحكومة الهولندية الأسبوع الماضي، كتيبات طوارئ على 8,5 ملايين منزل، تتضمن إرشادات لتخزين الماء والغذاء والأدوية لثلاثة أيام، في خطوة ترتبط بالاستعداد لهجمات سيبرانية أو توترات جيوسياسية متصاعدة. ويعكس توزيع الكتيبات على المواطنين الهولنديين فلسفة "الاكتفاء الذاتي" في مواجهة الأزمات، عبر توصيات تشمل تخزين ستة لترات ماء لكل شخص، وأدوية أساسية، ومصابيح تعمل بالبطاريات، وراديو صغير، وحتى أدوات للتسلية، في امتداد للجهود المدنية التي سبقت الحروب الكبرى في القرن الماضي، حيث تشير تقارير إستراتيجية حديثة في فرنسا إلى سيناريوهات تُتوقّع فيها مواجهة عسكرية كبرى في أوروبا بين 2027 و2030، ما يفسّر تسارع الخطوات الدفاعية. ويبرز الخيط التاريخي بشكل أوضح في التركيز الأوروبي الراهن على القوى البشرية، ففي أجواء سنة 1914، كانت الخدمة العسكرية الإلزامية ركيزة أساسية لجيوش ألمانياوفرنساوروسيا التي ضمت ملايين الجنود، مدعومة بتحالفات متشابكة مثل التحالف الثلاثي ودول والوفاق. ومع أن السياق العالمي اليوم لا يطابق تماما ما حدث قبل أكثر من قرن، فإن تشابه الديناميكيات يظل قائما، فالحكومات الأوروبية تقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو الردع وليس الهجوم، فيما يواصل الرئيس فلاديمير بوتين نفي أي نية لغزو أوروبا. وأكد بوتين استعداد بلاده لتقديم ضمانات مكتوبة على ذلك، غير أن تحذيرات القادة العسكريين في أوروبا، وبينهم رئيس أركان الجيش الألماني، الذي يقدّر اختبار قوة الحلف خلال أربع سنوات، تُبقي منسوب القلق مرتفعا وتدفع نحو زيادة الإنتاج الدفاعي وتخزين الاحتياطيات. وتأتي هذه التحركات في ظل محادثات مرتقبة بين موسكو وممثلين أمريكيين بشأن مقترح الرئيس دونالد ترامب الذي يضم 28 نقطة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، إذ رغم أن الخطوة قد تفتح بابا محدودا للتهدئة، إلا أنها لا تبدّد اندفاع الدول الأوروبية نحو تعزيز قدراتها العسكرية، ولا توقف وتيرة السباق الدائم داخل القارة. هذا المشهد يعيد إلى الأذهان كيف أسهم سباق التسلح الذي سبق الحرب العالمية الأولى، مع تضخم الجيوش وتراكم النزاعات والتحالفات، في خلق توازن هش سرعان ما انهار بعد اغتيال ولي عهد النمسا فرانتس فيرديناند، ليدخل العالم في حرب شاملة، كما أن استحضار هذا السياق التاريخي يطرح سؤالا مشروعا حول ما إذا كانت الاستعدادات الحالية ستُؤدي إلى تعزيز الردع أم أنها قد تُقرب أوروبا، من حيث لا تريد، من دائرة التصعيد. ومع كل هذه التطورات، تبدو القارة الأوروبية واقفة أمام منعطف قد يرسم هندسة أمنها لعقود مقبلة، فهي تسعى إلى ترسيخ قوة ردعية تمنع الصراع، لكنها تدرك أيضاً أن الإفراط في الحشد العسكري قد يخلق دينامية خطرة، وبين هاجس الردع وخوف الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة، تختبر أوروبا قدرتها على استيعاب دروس التاريخ وصياغة توازن يسمح لها بحماية أمنها دون الانجرار إلى صراع لم يعد العالم قادرا على تحمّله.