أعادت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مصطلح "شيعة طنجة" إلى واجهة التداول في الفضاء العام بمدينة طنجة . وتزامن هذا الحضور الرقمي المكثف، الذي رافقه تدخل السلطات المحلية لمنع وقفة احتجاجية متضامنة مع النظام الإيراني، مع نقاش متجدد حول تقاطع السياقات المحلية بالتحولات الإقليمية، في وقت تضع فيه المقاربات التحليلية هذه العودة في خانة التجاذبات السياسية وحالة الاستقطاب العابرة، بدلا من كونها انعكاسا لتحولات عقدية أو ديموغرافية داخل مشهد ديني مستقر. وسجلت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة تصاعدا ملحوظا في استخدام مصطلح "شيعة طنجة"، وسط دعوات أطلقتها فعاليات محلية للتعبير عن التضامن مع الجانب الإيراني في مواجهته المفتوحة. غير أن السلطات المحلية تدخلت استنادا إلى الضوابط القانونية المنظمة للفضاء العام لمنع وقفة احتجاجية كانت مبرمجة في هذا الإطار. حيث شكل هذا الإجراء الميداني نقطة انطلاق لجدل أوسع أعاد ربط الديناميات الاحتجاجية المحلية بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية. وفي قراءته التفسيرية لهذا التداخل، يضع الباحث المتخصص في الفكر الإسلامي وحوار الأديان، حمزة الحساني، عودة هذا المصطلح ضمن تقاطع حساس يجمع بين الجغرافيا السياسية، والسوسيولوجيا الدينية، والتاريخ المحلي للمملكة المغربية. ويرى الحساني في تصريحات لجريدة طنجة 24 الالكترونية، أن استدعاء اسم "شيعة طنجة" في خضم المواجهات الراهنة في الشرق الأوسط يرتبط بشكل وثيق بسياقات الهوية الوطنية المغربية، حيث يتحول الحدث الإقليمي إلى محفز لاستدعاء نقاشات داخلية. ولا يعد تداول هذا المصطلح وليد اللحظة السياسية الراهنة، بل يحيل على مسار زمني برزت أقوى محطاته في العام 2012، إثر مقتل رجل الدين الشيعي عبد الله الدهدوه في حريق استهدف مسجدا بالعاصمة البلجيكية بروكسل. وتحولت مراسم نقل جثمانه ودفنه في مسقط رأسه بطنجة آنذاك إلى محطة إعلامية بارزة سلطت الضوء على الوجود المفترض لتيار شيعي. وتلا ذلك بروز اسم "الخط الرسالي" كمحاولة لتأسيس إطار مدني يحمل توجهات شيعية، مما طرح أسئلة حول التعدد المذهبي في دولة تتأسس هويتها الدينية مؤسساتيا على إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية. إلا أن تلك المحاولة لم تفرز أي تنظيم جماهيري أو حضور معلن في المجال العام، وتراجع الزخم تدريجيا. ويفكك الحساني هذا المسار التاريخي مؤكدا أن مصطلح "شيعة طنجة" يُوظف في الغالب الأعم كأداة "وصم سياسي" أكثر منه توصيفا لمجموعة مذهبية متجانسة. ويعتبر المتحدث أن استحضار هذا المسمى يشكل عملية "إعادة تنشيط لذاكرة خطابية" تستمد مقوماتها من ثنائية "الداخل والخارج". ففي هذا النقاش، يتم استحضار نموذج "المغربي السني المالكي" في مقابل "الآخر" الذي يُصور كأداة لاختراق أجنبي، وهو ما يعكس، بحسب الباحث، حساسية مفرطة ترتبط بهاجس الهوية ولا تعكس تحولا سوسيولوجيا ملموسا على الأرض. وتعود الإحالات الأقدم لهذه الظاهرة إلى ثمانينات القرن الماضي، حين تأثرت أوساط ثقافية في شمال المغرب بارتدادات الثورة الإيرانية. ومنذ تلك الحقبة، ارتبطت طنجة في بعض السرديات بكونها فضاء مفتوحا على التأثيرات العابرة للحدود، بالنظر إلى موقعها كبوابة بين أوروبا وأفريقيا. وقد غذى هذا الموقع توصيفات تعتبر المدينة بيئة خصبة للأفكار الوافدة، غير أن هذه السرديات ظلت حبيسة الجدل، ولم تترجم إلى أرقام أو مؤشرات ديموغرافية تؤكد حدوث انتقال مذهبي واسع. ومع التطورات الراهنة، يعود الخلط بين التعاطف السياسي والانتماء العقدي إلى الواجهة. وهنا، يميز الحساني بين مستويين: الأول يتمثل في "تعاطف سياسي عروبي أو إسلامي" تمليه طبيعة الصراع، والثاني يتجلى في "توجس عقدي" ينظر إلى أي تقارب سياسي كتمهيد لتغلغل مذهبي. ويوضح الخبير أن هذا التوتر يغذي إعادة إنتاج المصطلح مع كل موجة استقطاب إقليمي. وفي المقابل، يؤكد الحساني أن المجتمع المغربي حافظ على تماسكه بفضل إطاره الديني المؤسسي، حيث شكلت مؤسسة إمارة المؤمنين والمذهب المالكي "صمام أمان" تاريخي في مواجهة الاستقطابات المذهبية. وبين أحداث جنازة عام 2012 وتداعيات حرب عام 2026، يتواتر استدعاء المسمى ذاته ضمن سياقات متباينة، تنطلق من الحدث المحلي لتصل إلى الصدى الرقمي لتفاعلات بعيدة. وفي كلا المشهدين، يظل صعود مصطلح "شيعة طنجة" مرتهنا بمؤشر التوتر في الشرق الأوسط. ويخلص التحليل السوسيولوجي للحساني إلى أن الحروب ذات الشحنة الهوياتية تميل إلى إحياء تصنيفات جاهزة داخل المجتمعات، حتى وإن افتقرت إلى رصيد ديموغرافي حقيقي. وتظل الظاهرة أقرب إلى "فقاعة رقمية" ناتجة عن "قلق الهوية" في زمن الاستقطاب. وهكذا، يقبع مصطلح "شيعة طنجة" في أرشيف النقاش العام، يستيقظ مع كل تصعيد إقليمي، دون أن يشكل عنوانا لتحول مذهبي فعلي في مدينة يحافظ مشهدها الديني، وفق المعطيات المتاحة، على استقراره التام ضمن المرجعيات المؤسسية للمملكة المغربية.