محمد النحيلي الجمعة 6 فبراير 2026 - 21:26 نموذج "إبستين" في مغرب التسعينيات.. قراءة في الذاكرة المؤلمة يرتبط اسم "إبستين" في الذاكرة المعاصرة بواحدة من أكثر القضايا الجنائية ذات الطابع الجنسي إثارة للجدل في الولاياتالمتحدةالأمريكية والعالم، وهي قضية تجاوزت حدود الفعل الإجرامي الفردي لتتحول إلى مرآة عاكسة لاختلالات عميقة في علاقة السلطة بالمال، وبالجسد، وبشبكات النفوذ. أما في السياق المغربي، فإن التاريخ الاجتماعي، خاصة ما يصطلح عليه ب"التاريخ من الأسفل"، يكشف بدوره عن أحداث ارتبطت بعالم الفضائح والانتهاكات، حيث لا ينظر إلى هذه الوقائع بوصفها مجرد أخبار مثيرة، بل باعتبارها مؤشرات دالة على أوضاع اجتماعية مختلة، وعلى هشاشة فئات واسعة أمام سطوة السلطة أو المال أو الموقع الوظيفي. فالتاريخ من الأسفل يهتم بتجارب المهمشين والضحايا، ويعيد الاعتبار لأصوات ظلت طويلا خارج السرديات الرسمية. وفي هذا الإطار تندرج قضايا أخلاقية وجنائية هزت الرأي العام لأنها كشفت ما كان يجري في الظل. من الأمثلة عن هذه القضايا، قضية مصطفى ثابت، المعروف إعلاميا ب"الحاج ثابت"، أواخر القرن العشرين، وبالضبط سنة 1990. فقد كان المعني بالأمر يشغل موقعا أمنيا مكنه من سلطة فعلية على المواطنين. استعمل هذا الموقع بحسب ما كشفت عنه التحقيقات في ابتزاز نساء واغتصابهن حيث وصل عددهن إلى حوالي 1600 ضحية، منهن فتايات قاصرات، مع توثيق ذلك في أشرطة مصورة قصد إحكام السيطرة والتهديد. تفجرت القضية بعد شكاية تقدمت بها إحدى ضحاياه، وهي لحظة مفصلية تظهر كيف يمكن لفعل فردي شجاع أن يفتح المجال أمام كشف منظومة كاملة من الانتهاكات. و خلال مسار التحقيق، حاول المتهم تأطير الوقائع ضمن خطاب التراضي، وهو خطاب يتكرر في جرائم العنف الجنسي حين يكون الجاني في موقع قوة، بينما تكون الضحية في وضع اجتماعي أو مؤسساتي هش يجعل القبول الظاهري مشوبا بأشكال متعددة من الإكراه غير المباشر. أحيلت القضية على القضاء، وأدين مصطفى ثابت، وصدر في حقه حكم بالإعدام نفذ سنة 1993، في ما يعد من آخر أحكام الإعدام المنفذة في المغرب. وقد شكلت القضية صدمة مجتمعية واسعة آنذاك، ليس فقط لبشاعة الأفعال، بل لأنها كشفت إمكانية انحراف السلطة حين تغيب الرقابة الفعالة، وأظهرت حجم المعاناة الصامتة التي يمكن أن تعيشها الضحايا تحت وطأة الخوف والابتزاز والوصم الاجتماعي. كما أبرزت أن الفضيحة، رغم بعدها الأخلاقي، هي أيضا واقعة سياسية واجتماعية، لأنها تعيد طرح سؤال المساءلة داخل المؤسسات، وحدود السلطة، وواجب الدولة في حماية المواطنين، خصوصا النساء في أوضاع الهشاشة. إن الجمع بين قضية "إبستين" اليوم في الولاياتالمتحدةالأمريكية وقضية "الحاج ثابت" بالمغرب تسعينيات القرن الماضي، رغم اختلاف السياقين الثقافي والسياسي والتاريخي، يسمح بإبراز عناصر مشتركة، من بينها تداخل النفوذ مع الجريمة، واستهداف فئات ضعيفة، وصعوبة التبليغ في المراحل الأولى، ثم تحول القضية إلى حدث وطني أو دولي يعيد تشكيل الوعي العام. كما يبرز دور الإعلام بوصفه فاعلا مركزيا في كشف الوقائع وتداولها، وإن كان قد ينزلق أحيانا نحو الإثارة على حساب التوعية. وفي جميع الأحوال، فإن هذه القضايا لا تفهم فهما عميقا إلا بوصفها لحظات كاشفة في تاريخ المجتمع، تظهر أن السلطة، حين تنفصل عن الضوابط الأخلاقية والقانونية، قد تتحول إلى أداة لإخضاع الأجساد وإهانتها. وعليه، فإن دراسة مثل هذه الأحداث لا تندرج في باب تتبع الفضائح بقدر ما تدخل في صميم تحليل علاقة القوة بالهشاشة، والمؤسسة بالفرد، والصمت بالكشف. إنها جزء من تاريخ المجتمع في أبعاده المظلمة، ذلك التاريخ الذي يذكر بأن التقدم لا يقاس فقط بالإنجازات المعلنة، بل أيضا بقدرة المجتمع على مواجهة جراحه، ومساءلة رموزه، ومنح الضحايا موقعا في السردية الجماعية بعد أن ظلوا طويلا على الهامش. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة