من هو جيفري إبستين؟ ولماذا تحوّل إلى سؤال سياسي؟ لم يكن جيفري إبستين رجل أعمال ثري سقط أخلاقيًا فحسب، لقد كان ظاهرة سياسية مركّبة نشأت في الهامش وصعدت إلى قلب النخبة. رجل بلا منصب رسمي، لكنه كان حاضرًا في دوائر المال والأعمال، والجامعات العريقة، والطيران الخاص، والقصور المعزولة. امتلك إبستين جزيرة خاصة، تنقّل بطائرات خاصة، واستقبل شخصيات من الصف الأول، ثم وُجّهت له تهم خطيرة تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرات، قبل أن يُعثر عليه ميتًا في زنزانته سنة 2019. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد إبستين شخصًا، فقد صار ملفًا سياسيًا مفتوحًا، لأن موته لم يُنهِ الأسئلة، بل أطلقها. لماذا هذا النفوذ؟ ومن كانوا ضيوفه؟ ولماذا لم يُكشَف عن مجمل الوثائق إلى اليوم؟ أيتعلّق الأمر بسجلات الرحلات الجوية الخاصة، أو بدفاتر المواعيد، أو بالمراسلات الشخصية، أو بالكشوفات المالية، أم بشهادات حسّاسة تمسّ دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي والدبلوماسي؟! إن هذا الغياب للشفافية لا يطرح سؤال الجريمة في حدّ ذاتها بقدر ما يثير التساؤل حول قدرة المنظومة المحيطة بإبستين على كشف كامل امتدادات شبكته. هذه المنظومة تشمل دوائر مالية ضخمة، وشخصيات سياسية ودبلوماسية نافذة، ووسائل إعلام تختار ما يُنشر وما يُخفى، والقضاء الفيدرالي الأمريكي، وشبكة العلاقات الاجتماعية والشخصية المعقدة التي أحاطت به. وبسبب هذا التشابك، فإن كشف بعض الروابط قد يزعزع مؤسسات، يُشوه سمعة أسماء نافذة، ويخلّ بتوازنات راسخة، وهو ما يفسّر لماذا ظلت الحقائق مكتفية جزئيًا ولم تُكشف بالكامل. هنا بدأ تسييس القضية، وتحول معها الجنائي إلى استراتيجي. ما هو "ملف إبستين"؟ من القضية الجنائية إلى الخزان السياسي ملف ابستين، في تعريفه السياسي، هو مجموعة من الوقائع المثبتة جزئيًا، والوثائق المنشورة انتقائيًا، والأسئلة المؤجّلة عمدًا. قضائيًا، أُدين إبستين بجرائم استغلال جنسي لقاصرات، وصُنّفت أفعاله ضمن الاتجار بالبشر لأغراض جنسية وفق القانون الأمريكي. لكن سياسيًا، يتجاوز الملف الإدانة الفردية، لأنه يكشف نمطًا من الحماية والصمت. فالصحافة الدولية الكبرى – مثل New York Times، The Guardian، Le Monde – تعاملت مع القضية بوصفها اختبارًا لشفافية النظام، لا فقط لمحاكمة شخص. لم يكن امتلاك إبستين لجزيرة "ليتل سانت جيمس" تفصيلاً سياحيًا، لقد كان رمزًا للعزلة المقصودة، حيث تُدار العلاقات بعيدًا عن الرقابة. فالملف إذن لم يتعلق بسؤال ماذا فعل إبستين؟ فقد كان السؤال الوجيه هو: كيف سُمح له أن يفعل؟ ومن استفاد من صمته؟ في هذا المستوى، كُتب على الملف أن يصير سياسيًا بامتياز، لأنه يلامس حدود السلطة غير المرئية. جزيرة إبستين .. من الجغرافيا إلى السياسة امتلاك إبستين لجزيرة خاصة هو واقعة ثابتة لا جدال فيها. لكن دلالة الجزيرة تتجاوز الملكية إلى الرمزية السياسية. وفي علم السياسة، الأماكن المعزولة غالبًا ما تُستخدم لتجاوز القانون، لا لمجرد الراحة والاستجمام. لقد كانت الجزيرة فضاءً بلا كاميرات، وبلا صحافة، وبلا مساءلة فورية. ثم تحوّلت لاحقًا، بعد وفاته، إلى مسرح تفتيشات وتحقيقات فدرالية، ما يعكس خطورة ما كان يُشتبه بحدوثه هناك. ليست الجزيرة هنا دليل إدانة تلقائي، لكنها سؤال جغرافي أخلاقي: لماذا يحتاج رجل أعمال إلى هذا المستوى من العزلة؟ ولماذا كان ضيوفه من النخب لا من العامة؟ في السياسة، الجغرافيا ليست بريئة، وخاصة حين يكون المكان معزولا .. والمكان أحيانًا يقول ما لا تقوله الوثائق. ولهذا، ظلّت الجزيرة جزءًا لا ينفصل عن السردية السياسية للملف. الاتجار بالبشر .. الجريمة التي لا تُحبّ الأنظمة سماعها الاتجار بالبشر من أكثر الجرائم إحراجًا للدول التي ترفع شعارات حقوق الإنسان. وحين يُدان شخص مقرّب من النخب بهذه التهمة، لا يكون الحرج جنائيًا فقط، إنما الأمر يتعدى إلى السيادة. لقد جُنّد إبستين ، ونقل، واستغل قاصرات، وهذا موثّق في ملفات قضائية وشهادات رسمية. لكن السؤال السياسي هو: هل كان يعمل وحده؟ أم كان جزءًا من منظومة تستفيد من الصمت المتبادل؟ في العلاقات الدولية، مثل هذه الجرائم تُدار بمنطق الاحتواء لا التفجير، حيث يُعاقَب الفرد، لكن تُحمى الشبكات. فيرى كثير من المحللين أن ما كُشف هو الحد الأدنى الممكن سياسيًا، لا الحد الأقصى للحقيقة؛ وهنا تتجلّى الواقعية السياسية بأقسى صورها: العدالة تُطبّق .. ما دامت لا تهدّد التوازن العام. هل يؤثّر ملف إبستين على البيت الأبيض؟ لا يكون تأثير ملف إبستين على البيت الأبيض مباشرًا إلا إذا وُجدت أدلة قضائية قاطعة تربط الرئيس الأمريكي أو إدارته الحالية بجرائم موثّقة. وهذا، وفق ما استقرّ عليه التحقيق القضائي الأمريكي، لم يحدث إلى حدود الساعة. فقد أكدت كبريات الصحف الأمريكية، مثل The New York Times وThe Washington Post، أن أيًّا من التحقيقات الفدرالية لم تُفضِ إلى توجيه اتهام رسمي لرئيس في منصبه أو لإدارة قائمة. كما شدّدت تقارير CNN وReuters على أن ذكر أسماء شخصيات سياسية في وثائق أو شهادات لا يرقى قانونيًا إلى مستوى الإدانة القضائية. غير أن السياسة، بخلاف القضاء، لا تنتظر الأحكام النهائية لتُنتج آثارها. فالشك، والتلميح، وانتقائية التسريبات، وتوقيت إعادة إحياء الملف في لحظات سياسية حسّاسة، كلّها أدوات ضغط فعّالة في المجال العام. يتأثّر البيت الأبيض عندما يُطلب منه تبرير الصمت المؤسسي بدل الدفاع عن فعل مُدان. وعندما يتحوّل السؤال من: "هل تورّطنا؟" إلى سؤال أعمق: "لماذا لم تُكشف الحقيقة كاملة للرأي العام؟". في هذا السياق، يُستعمل ملف إبستين انتخابيًا لتآكل صورة الخصم، وإعلاميًا لإضعاف الثقة، وأحيانًا داخل الصراع بين مؤسسات الدولة نفسها حول حدود الكشف وحدود الكتمان. فهو لا يُسقط السلطة، لكنه يُربك خطابها الأخلاقي ويُضعف سرديتها أمام الداخل والخارج. وفي النظام السياسي الأمريكي، لا تُعدّ الأخلاق ترفًا خطابيًا، بل عنصرًا عاما من عناصر الشرعية واستمرار الثقة العامة. ختاما .. حين تموت القضايا وتبقى الملفات لقد مات جيفري إبستين، لكن ملفه لم يُدفن، فقد صار ملف نظام يعرف كيف يحمي نفسه. فقد ينجو البيت الأبيض سياسيًا، لكن الذاكرة العامة لا تنسى بسهولة. وفي عالم السياسة، تُقبع الملفات الحافظة للألغاز في الأدراج .. إلى أن تحتاجها السلطة، أو يُراد بها تذكيرا بحدودها. ليست أخطر الفضائح تلك التي تُكشف، إنما الأخطر هي تلك الفضائح التي نعرف أنها موجودة .. ونتظاهر جميعًا بأننا لا نعرف.