عبد الحكيم العياط الأحد 8 فبراير 2026 - 21:15 كيف أعاد ترامب رسم خريطة النفوذ في المغرب الكبير؟ لم تمر السنة الأولى من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مرورا عاديا على النظام الدولي، بل حملت معها تحولات واضحة في طبيعة العلاقات الأمريكية مع مناطق عديدة من العالم، وفي مقدمتها المنطقة المغاربية التي عادت لتحتل موقع متقدم داخل الحسابات الاستراتيجية لواشنطن. فقد كشفت السياسات التي اعتمدتها الإدارة الأمريكية خلال سنة 2025 عن توجه يقوم على إعادة ترتيب التحالفات الدولية وفق منطق المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة، وهو ما جعل العلاقات المغاربية الأمريكية تدخل مرحلة جديدة تتسم بكثافة الحضور الأمريكي وتنامي رهانات التنافس الدولي داخل شمال إفريقيا لقد واصل المغرب خلال بداية عهدة ترامب الثانية تكريس موقعه كشريك استراتيجي محوري للولايات المتحدة في المنطقة، حيث شهدت العلاقات الثنائية تطور ملحوظ على المستوى الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي. فقد حافظت اتفاقية التبادل الحر بين البلدين على دورها في دعم المبادلات التجارية التي بلغت حوالي 7.2 مليار دولار خلال سنة 2024 واستمرت في تسجيل منحى تصاعدي خلال سنة 2025، مع ارتفاع الصادرات الأمريكية نحو المغرب إلى أكثر من 5 مليارات دولار مقابل واردات أمريكية من المملكة قاربت ملياري دولار. وتعكس هذه الأرقام عمق الاندماج الاقتصادي بين البلدين، كما تعكس في الوقت ذاته إدراك واشنطن للدور الذي يمكن أن يلعبه المغرب كمنصة استثمارية وبوابة اقتصادية نحو إفريقيا جنوب الصحراء في ظل التحولات التي تعرفها سلاسل الإنتاج العالمية. وعلى المستوى العسكري، استمرت الشراكة الأمنية بين الرباطوواشنطن في التوسع، حيث شكلت مناورات "الأسد الإفريقي" خلال سنة 2025 محطة بارزة في تعزيز التنسيق العسكري بين البلدين، بمشاركة آلاف الجنود من عشرات الدول، وهو ما يعكس المكانة التي أصبح يحتلها المغرب داخل الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى مواجهة التهديدات الإرهابية وضبط التوازنات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء. كما واصلت الولاياتالمتحدة احتفاظها بموقع المزود الأول للمغرب بالمعدات العسكرية، وهو مؤشر يعكس متانة الثقة الاستراتيجية بين الطرفين. وفي السياق ذاته، استمرت قضية الصحراء في تشكيل أحد أبرز محددات العلاقات المغربية الأمريكية، حيث حافظت إدارة ترامب على موقفها الداعم لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الواقعي للنزاع، وهو موقف أعاد تأكيد الرهان الأمريكي على استقرار المنطقة كمدخل أساسي لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية في شمال إفريقيا. وقد ساهم هذا التوجه في تعزيز التقارب السياسي بين البلدين، كما أعاد رسم موازين القوى داخل الفضاء المغاربي. أما الجزائر، فقد واصلت خلال سنة 2025 اعتماد سياسة تقوم على الموازنة بين الحفاظ على استقلالية قرارها الدبلوماسي والانفتاح التدريجي على التعاون مع الولاياتالمتحدة، خاصة في مجالي الطاقة والأمن. فقد ظلت الجزائر أحد أهم الموردين المحتملين للغاز الطبيعي في ظل التحولات التي يعرفها سوق الطاقة العالمي خاصة منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو ما دفع الشركات الأمريكية إلى إبداء اهتمام متزايد بالاستثمار في قطاع المحروقات الجزائري. كما استمر التنسيق الأمني بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب، خاصة في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، غير أن العلاقات السياسية بين الطرفين بقيت محكومة بالحذر نتيجة اختلاف الرؤى الجيوسياسية وتوجه الجزائر نحو تنويع شركائها الدوليين. وسعى ترامب بعد عودته إلى لعب دور الوسيط بين الجزائر والمغرب، في محاولة لاحتواء أحد أقدم النزاعات الجيوسياسية في شمال إفريقيا. حيث مارست الإدارة الأمريكية ضغوطا دبلوماسية على الطرفين من أجل الدفع نحو استئناف الحوار وفتح قنوات تفاوض مباشرة، في سياق رؤية أمريكية تعتبر استقرار المنطقة المغاربية مدخلا لتعزيز الأمن الإقليمي ومواجهة التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية والإرهاب والتنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا. ورغم الحديث عن مساعٍ أمريكية لتسريع الوصول إلى تفاهمات سياسية خلال فترة زمنية محددة حددت حسب تصريح المبعوث ويتكوف في شهرين، فإن هذه الضغوط لم تتمكن من تجاوز التعقيدات التاريخية والتباينات الاستراتيجية العميقة التي ما تزال تؤطر علاقة النظامين وتحدّ من فرص تحقيق انفراج حقيقي في المدى القريب. وفي تونس، حافظت العلاقات مع الولاياتالمتحدة على طابعها المرتبط بالدعم الاقتصادي والمؤسساتي، حيث استمرت برامج المساعدات الأمريكية في التركيز على دعم الاستقرار السياسي والإصلاحات الاقتصادية في ظل التحولات التي تعرفها البلاد منذ سنوات. وقد اعتبرت واشنطن أن استقرار تونس يشكل عامل أساسي في الحد من التهديدات الأمنية داخل المنطقة المغاربية، خاصة في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها البلاد. أما ليبيا، فقد ظلت تمثل الملف الأكثر تعقيدا داخل السياسة الأمريكية تجاه المغرب الكبير، حيث ركزت إدارة ترامب خلال سنة 2025 على دعم المسارات السياسية الرامية إلى تحقيق الاستقرار ومنع تصاعد النزاعات المسلحة، مع الحفاظ على اهتمام استراتيجي بالثروات النفطية الليبية التي تشكل أحد عناصر التوازن داخل سوق الطاقة العالمي. وقد تعاملت واشنطن مع ليبيا باعتبارها ساحة لتقاطع النفوذ الدولي أكثر من كونها شريك اقتصادي مباشر. وتكشف التحولات التي شهدتها السنة الأولى من عودة ترامب إلى الحكم أن السياسة الأمريكية تجاه المغرب الكبير أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بصراع النفوذ الدولي داخل القارة الإفريقية. فقد عززت الصين حضورها الاقتصادي في شمال إفريقيا من خلال مشاريع البنية التحتية والاستثمارات الصناعية، في حين واصلت روسيا توسيع نفوذها الأمني داخل منطقة الساحل، وهو ما دفع الولاياتالمتحدة إلى إعادة تنشيط علاقاتها مع دول المغرب الكبير بهدف الحفاظ على موقعها داخل التوازنات الجيوسياسية الدولية. كما برز ملف الهجرة غير النظامية كأحد المحددات الجديدة للعلاقات بين واشنطن ودول المنطقة، حيث أصبحت دول المغرب الكبير شريك محوري في ضبط تدفقات الهجرة نحو أوروبا، وهو ما رفع من قيمتها الاستراتيجية داخل الحسابات الغربية. وفي المقابل، ساهمت التحولات الاقتصادية العالمية في تعزيز أهمية المنطقة كفضاء بديل للاستثمار الصناعي في ظل إعادة هيكلة سلاسل الإنتاج الدولية. إن حصيلة السنة الأولى تؤكد أن عودة ترامب إلى الحكم لم تقتصر على إعادة إحياء شعار "أمريكا أولا"، بل حملت معها توجه واضح نحو إعادة صياغة التحالفات الدولية وفق منطق براغماتي قائم على المصالح الاستراتيجية المباشرة. وقد انعكس هذا التوجه بشكل واضح على طبيعة العلاقات مع دول المغرب الكبير التي أصبحت جزءا من معادلة التنافس الدولي على الموارد والأسواق والمواقع الجيوسياسية. ومع ذلك، فإن مستقبل العلاقات المغاربية الأمريكية سيظل رهين بقدرة دول المنطقة على استثمار موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية لتحقيق تكامل اقتصادي إقليمي يمكنها من التفاوض مع القوى الكبرى من موقع قوة. فالمغرب الكبير يقف اليوم أمام فرصة تاريخية للتحول إلى فاعل جيوسياسي مؤثر داخل النظام الدولي، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل مرتبطا بمدى قدرة دوله على تجاوز الخلافات السياسية وبناء رؤية استراتيجية مشتركة تواكب التحولات المتسارعة في موازين القوى العالمية. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة