د. محمد شقير الأربعاء 25 فبراير 2026 - 18:14 الدراما المغربية.. بين التنوع والمركزة تشهد الانتاجات الدرامية في المغرب خلال السنين الأخيرة تطوراً ملحوظاً في الجودة الفنية والإنتاجية، مما يرفع نسب المشاهدة خاصة خلال شهر رمضان. وعلى الرغم من بعض الانتقادات التي توجه عادة إلى بعض المسلسلات التي تتركز إلى جانب محتواها الاجتماعي واللمز إلى بعض "المشاهد الجريئة"، ومدى ملاءمتها للأسرة المغربية المحافظة، فإن أهم ملاحظة يمكن أن تثيرها هذه الانتاجات هو تمركزها الفني إن صح التعبير، إذ أن جلها يقتصر على تناول قضايا تهم مناطق ومدن الوسط المغربي حيث عادة ما يتم تصويرها بين الرباط والدار البيضاء الشيء الذي لا يعكس التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يزخر بها المغرب. تغييب الانتاجات الدرامية للتنوع الثقافي بالمغرب يعد المغرب بلدا غنيا من حيث تنوعه الثقافي واللغوي منذ أقدم العصور، حيث تفاعلت في إطاره حضارات عريقة تعاقبت على أرضه. كما شهد انطلاقا من موقعه الجغرافي المنفتح على العمق الإفريقي وعلى البوابة المتوسطية وعلى الشرق الأوسط وأوروبا تفاعل المغاربة مع بعض الشعوب الإفريقية وشعوب حوض البحر الّأبيض المتوسط، التي برزت في فترات معينة على مسرح الأحداث مثل الفينيقيين والقرطاجيين والرومان والوندال ثم البيزنطيين. كما تفاع المغاربة مع العرب في المرحلة الإسلامية ومن خلال ذلك مع الحضارات الشرقية، مما سمح بتشكيل معالم للتنوع الثقافي واللغوي في المغرب. ويعود هذا التنوع الثقافي المغربي للموقع الإستراتيجي للمغرب، فهو قريب من شبه الجزيرة الإيبيرية ومنفتح على الصحراء الكبرى وأفريقيا والمشرق، ومنفتح على ثقافات أخرى كان لها كبير الأثر في هذا التداخل الثقافي واللغوي والتعدد العرقي الذي يشمل الأمازيغي والعربي الإسلامي والحساني والأندلسي الموريسكي والأفريقي واليهودي. وقد ظهر ذلك بالخصوص في لغة المغاربة التي تفاعلت مع اللغات الأخرى الوافدة ونتج عن ذلك لغات جديدة وسيطة مثل الدارجة المغربية التي هي نتاج تفاعل اللغتين الأمازيغية والعربية، مما ميز المغرب بتنوع لغوي وثقافي ساهم في إثراء هويته وتعددها وتميزها، وإذا كان هذا التنوع قد ظل مجهولا ومهمّشا لعقود طويلة بعد الاستقلال، فإن دستور يوليوز 2011 قد أقرّ مختلف مكونات التنوع الثقافي واللغوي المغربي، وأكد على ضرورة احترام هذا التنوع والتعدد الهوياتي والمحافظة عليه. كما عرف المغرب توجهات سياسية إيجابية بعد ما نص الدستور الحالي على إحداث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية، الذي كلف بحماية وتنمية مقومات الهوية الوطنية العربية والأمازيغية والحسانية، والروافد الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية إضافة إلى العناية بالتراث والإبداع. غير أن كل هذه المكونات الثقافية المتنوعة عادة ما لا تعكسها الانتاجات الدرامية حيث أن جل المسلسلات وحتى الأشرطة التلفزيونية عادة ما تقتصر على تناول قضايا اجتماعية تدور أحداثها بين مدن الشريط الساحلي الممتد بين مدينتي الرباط والدار البيضاء، بل حتى في هاتين المدينتين يتم الاقتصار فقط على تصوير مناطق أو أحياء معينة كمنطقة الحبوس بالدار البيضاء وببعض دور المدينة القديمة، وكأن المغرب المترامي الأطراف والمتعدد اللهجات والمتنوع في طبيعته وجغرافيته يختزل فقط في أماكن تتكرر مشاهدتها من طرف المشاهد المغربي، على غرار تكرار نفس الوجوه الممثلة في هذه الاعمال الشيء الذي يؤدي إلى خلط لدى المتلقي نظرا لقيام نفس الممثل أو الممثلة بأدوار مختلفة في أعمال درامية عادة ما يتم عرضها في شهر رمضان. غير أن هذا الخلط لا يأتي فقط نتيجة لتكرار نفس الوجوه وفي بعض الأحيان لنفس القضايا الاجتماعية، بل أيضا وبالأساس لعدم تنوع هذه الانتاجات وعدم انفتاحها على فضاءات أخرى تهم مدن وحواضر مختلفة، إذ من حق المشاهد أن يرى مسلسلات تدور وتصور في مدن صغرى سواء بشرق المملكة كوجدة أو بركان أو فكيك أو بالجنوب الشرقي كزاكورة وطاطا أو بالاقاليم الجنوبية كالعيون والداخلة والسمارة أو بمدن الأطلس المتوسط، كأزيلال وخنيفرة بمناظرها الطبيعية الخلابة وبمشاكل ساكنتها مع الظروف الطبيعية من صقيع ثلجي أو عوز اجتماعي. أو مدن كخريبكة واليوسفية بطابعها المنجمي.. ولعل تعطش المتلقي لأعمال درامية تدور وتصور في هذه الفضاءات هو الذي انعكس من خلال الاهتمام الكبير الذي حظي به مسلسل للا منانة في أجزائه الثلاثة فبالاضافة إلى جودة مكونات هذا المسلسل سواء الفنية أو التقنية، وبالأخص إتقان الممثلات المشاركات في هذا العمل لأدوارهن، فإن أهم عامل ساهم ربما في هذا الاقبال على مشاهدة هذا المسلسل هو تكسيره لنمطية الفضاء الدرامي الذي أصبحت تدور فيه جل الأعمال الدرامية وتميزه بتصويره في فضاء مختلف يتمثل في مدينة الشاون بحمولتها التاريخية وطبيعتها الجبلية ولهجة ساكنتها مما أخرج المشاهد عن النمطية التي طبعت هذه الاعمال. وبالتالي، فقد شهد عرض الحلقات الأولى من مسلسل بنات لالة منانة في جزئه الثالث المعروض على القناة الثانية نسب مشاهدة مرتفعة، في الأيام الأولى من شهر رمضان. تمركز الانتاجات الدرامية بالمغرب عادة ما تركز الإنتاجات الدرامية بالمغرب بشكل كبير في الموسم الرمضاني معتمدة بقوة على دعم و إشراف و تدبير القناة الأولى والثانية لهذه الانتاجات. لكن هذا التمركز لا يرتكز فقط على عرض جل الاعمال الدرامية في شهر رمضان، بل الاستمرار في إشراف دار البريهي على عملية إنتاج هذه الأعمال. فعلى غرار ما كانت تقوم به دار الإذاعة والتلفزة في عقود الخمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي من الاشراف على جل المسلسلات الاذاعية التي كانت تمثل من طرف الفرقة الوطنية للتمثيل التي كان يشارك فيها ممثلون مقتدرون كعبد الرزاق حكم ومحمد البصري ومحمد حسن الجندي ولعربي الدغمي وحمادي التونسي وأمينة رشيد وحبيبة المذكوري وفاطمة بنمزيان وصفية الزياني وغيرهم، والتي كان تدور مواضيعها حول قضايا لا تتجاوز حدود العاصمة، واصلت القناة الأولى نفس الدور في إنتاجها للأعمال الدرامية التي بقيت تقتصر جل مواضيعها على قضايا تهم بالأساس ساكنة مدن محددة كالرباطوالدارالبيضاء بدليل أن جل الأدوار والمشاهد عادة ما تصور بمنازل أو شوارع هاتين العاصمتين الإدارية والاقتصادية ومحيطها. الشيء الذي يعزى ليس فقط إلى الحرص المالي للاقتصاد في تكاليف التصوير وضغط التوقيت المرتبط عادة بقرب حلول شهر رمضان ، وإنما أيضا لطبيعة التدبير الإداري لعملية إنتاج وتصوير هذه الأعمال الدرامية وتحكم دار البريهي خاصة بشكل بيروقراطي في هذه العملية. وعادة ما يشرف المسؤول الفني في المديرية المركزية للانتاج، على أولى خطوات العملية الإنتاجية من خلال عملية التنسيق بين لجنة القراءة التي تستقبل المشاريع مكتوبة وبين أصحاب المشروع، حيث ينقل تقارير اللجنة إلى صاحب المشروع، إما من خلال القبول أو التقويم النصي، هذا في حالة ما إذا استقبلت الشركة مشروعا كاملا من لدن الشركة المنتجة، أما إذا كانت فكرة المشروع من لدن الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بناء على حاجتها إلى جنس معين (بوليسي، اجتماعي...) فإن الأمر يختلف. إذ تقدم الشركة الفكرة لكتاب سيناريو لصياغة المطلوب تحت إشراف كامل للمسؤول الفني في كل مراحل الكتابة، وبالتنسيق مع مدير هذه المديرية بعد قبول المشروع ومروره من لجنة القراءة، يتقدم به المسؤول الفني، بعد إدخال تعديلات أو إعادة كتابتها، إلى مدير المديرية، الذي يباشر عملية التقويم للعمل استنادا إلى ما ينص عليه دفتر التحملات، وبالتنسيق مع المديرية المركزية للإنتاج، قبل أن يحال على المديريات الأخرى لاستكمال مختلف الإجراءات التعاقدية. كما تشرف هذه المديرية على ملف الإنتاج المقدم من طرف شركات الإنتاج والتدقيق في استكمال الشروط الإنتاجية وتتبع مدى تجاوب الشركات المنتجة مع ما ينص عليه القانون، و تتبع السير العادي للإنتاج في مختلف محطاته إلى أن يسلم العمل جاهزا للبث. ولعل هذه العملية بمختلف مراحلها لا تقتصر فقط على إخضاع المشاريع الدرامية لبيروقراطية ممركزة قد تفرغ هذه المشاريع من زخمها الفني، بل إن سلبياتها تكمن بالأساس في الحمولة الثقافية والفكرية لهؤلاء المشرفين على العملية الإنتاجية. وكونهم مرتبطين بالعاصمة ومناخها الفكري الإداري يجعلهم لا يلتفتون إلى ضرورة تنويع هذه الاعمال سواء في قضاياها أو في فضاءاتها أو في طبيعة الممثلين والممثلات الذين سيقومون بالادوار لتشمل قضايا مدن وحواضر وقرى مختلف أنحاء المملكة ومراعاة ضرورة أن يتمتع كل مواطن في كل منطقة من المغرب بمتابعة قضايا محلية يعيشها ومشاهدة فضاءات ترعرع فيها وفي إمكانه ملامستها والتعرف عليها من خلال ما يقدم له من مسلسلات وأشرطة تلفزية في إطار تنزيل خطاب الدولة حول العدالة المجالية التي لا تهم فقط البنيات التحتية من طرق ومستشفيات ومدارس، بل أيضا بنيات فوقية تهم بالأساس الانتاجات الدرامية سواء تلك التي تعرض في شهر رمضان أو في مختلف شهور السنة في إطار جهوية متقدمة ليس فقط على المستوى الإداري والاقتصادي بل أيضا على المستوى الفني والدرامي. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة